الحجة التاريخية لبراءة السنة
انهيار ضوابط علم الحديث[1]
ما أن يطرق موضوع تنقيح السنة حتى يندفع
المناهضون لذلك في الإشادة بالأعمال الجليلة التي بذلها جامعو الأحاديث في القرنين
الثاني والثالث الهجريين لتنقيح السنة النبوية من الروايات التي دست عليها في عصرهم،
وهذه الإشادة حق، ولكن يراد به باطل. فالمجادلة
ليست فيما قام به السلف في سبيل حمل الأمانة، بل فيما ارتكبه الخلف من خيانة للأمانة.
لقد وضع السلف ضوابط صارمة للتعرف على الأحاديث
الصحيحة، فأين هذه الضوابط اليوم؟
وأول ضابط في علم الحديث هو "تنقيح
المتن"، وله قواعد موجودة في كتب علم الحديث، أولها بلا منازع العرض على كتاب
الله[2]، ولكن مناهضي تنقيح السنة يقفون بالمرصاد لكل من يحاول تطبيق هذا الضابط، وجعبتهم
مليئة بالاتهامات الباطلة والشتائم البذيئة وكل وسائل القهر الفكري لمن يحاول ذلك.
وأول هذه الاتهامات هو الاتهام بإنكار السنة،
فحين عرض الدكتور محمود السعيد الكردي بعض الروايات المنسوبة للرسول الكريم على الأطباء،
وبينوا بأنها باطلة، ونشر ذلك في مقال بجريدة الأخبار في 4/2/2003 انبرى له الشيخ عمر
هاشم في مقاله "دفاع عن الحديث النبوي" في نفس الجريدة بتاريخ 9/2/2003 يكيل
له هذا الاتهام، فرد عليه الدكتور الكردي في مقاله "الحديث النبوي ليس في حاجة
لدفاع" المنشور بنفس الجريدة في 19/2/2003 متهما إياه بممارسة البلطجة الفكرية،
حيث شبه كيل هذه الاتهامات الجزافية بمن يلقي ماء النار على وجه حسناء لأنها لا تريد
أن تشركه الإثم.
وصدق سيادته، فما أشبه هذا المسلك بأعمال
البلطجة.
وحجة الخلف في التنصل من تطبيق تنقيح المتن
هو أن ذلك يعني التشكيك في أعمال السلف، وهي حجة واهية لا يقدمها إلا مفلس، فمن جهة
لم ينسب رجال السلف لأنفسهم عصمة تعيق مراجعة أعمالهم، ومن جهة أخرى كيف ينسب لأعمالهم
حصانة ضد التحريف، بينما الحديث النبوي الذي قال به الرسول الكريم لم يتمتع أصلا بهذه
الحصانة؟
هذا من جهة تنقيح المتن، أما الضابط الثاني
فهو تنقيح الإسناد، بمعنى أن سلسلة الرواة عن رسول الله لا يجب أن يعيبها الانقطاع،
وهو المشهور بالعنعنة "قال فلان عن فلان عن فلان…"، فإذا انقطع الاتصال ولو
لراو واحد رفضت الرواية.
ولم يكتف السلف الصالح من علماء الحديث
باتصال السند، بل أضافوا ضابطا آخر يسمى "علم الرجال"، فكل من ورد اسمه في
سلسلة الإسناد يجب أن تقدم له "سيرة ذاتية" تنفي أي احتمال أن يكون قد أخطأ
في روايته، سواء عمدا أو سهوا.
وإذا كان الخلف قد تنصلوا من تطبيق ضابط
تنقيح المتن، فما هو موقفهم من الضابطين الآخرين؟ هذا ما سنعرض له في الفقرة الآتية.
أقدم مخطوطات السنة
إن حسم معركة تنقيح السنة يتوقف في حقيقة
الأمر على إجابة السؤال التالي: ما هي تواريخ أقدم مخطوطات السنة؟
إن علماء الحديث يعتمدون على ما يسمونه
"الكتب الصحيحة"، وهي ستة كتب على رأسها كتابي البخاري ومسلم، الذان يعتبرانهما
أصدق كتابين بعد كتاب الله، فهل ما تحت أيدينا من مخطوطات لهذه الكتب هي بالفعل من
وضعها من تنسب إليهم؟
ويحمل كتاب "أقدم المخطوطات العربية
حتى القرن الخامس الهجري" للدكتور سركيس عواد الإجابة القاطعة عن هذا السؤال،
وهي ببساطة أنه توجد فجوة زمنية بين هذه المخطوطات ومؤلفيها لا تقل عن قرن من الزمان.
لقد جمع الحديث في القرنين الثاني والثالث الهجريين، بينما تعود أقدم المخطوطات عن
السنة لأواخر القرن الرابع الهجري، وإلى القارئ الكريم تفصيل ذلك[3]:
صحيح البخاري: تعود أقدم مخطوطة له إلى
عام 495 هـ، أي بعد وفاة البخاري (في 256 هـ) بحوالي 240 عاما.
صحيح مسلم: تعود أقدم مخطوطة له إلى عام
368، أي بعد وفاة مسلم (261) بما يزيد عن قرن كامل.
سنن أبو داود: ليس للكتاب نسخة متكاملة،
بل أجزاء متفرقة في تواريخ متفرقة تعود جميعها إلى القرن الرابع، أي بعد وفاته بحوالي
قرن (متوفى 275).
أما بقية الكتب الثلاثة الأخرى المسماة
بالصحيحة، وهي: جامع الترمذي (متوفى 271 هـ) وسنن ابن ماجة (متوفى 273 هـ) وسنن النسائي
(متوفى 303)، فليس لها وجود حتى نهاية القرن الخامس.
وبالنسبة للإمام مالك الذي ينسب إليه الدكتور
عبد المهدي عبد الهادي فرية رضاع الكبير واتهام عائشة بتطبيقه، فيفصل بين وفاته (في
179) وأقدم مخطوطة لموطئه (تعود للقرن الخامس الهجري) أكثر من قرنين كاملين.
ليس للبخاري إذن أية علاقة بما أورده الكرماني
أو أبو حجر العسقلاني في حقه من طعن في سيرة رسول الله، كما أنه ليس للإمام مسلم أية
صلة بفتنة رضاع الكبير وما تجره من طعن في سيرة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.
وليس للجميع صلة بفرية قيام الرسول برجم
أتباعه لخطيئة ارتكبوها، مخالفا بذلك نصوص القرآن الكريم وروح التشريع الإسلامي، ولا
بالأساطير والخرافات المخالفة للقرآن الكريم ولا للعلم الحديث.
ويمكنك عزيزي القارئ أن تتأكد من صحة هذه
الحجة التاريخية في أي مكان كنت، فما عليك إلا أن تتناول أي كتاب في علم الحديث، ولن
تجد مرجعا واحدا يعود لأقدم من القرن الرابع الهجري، بل إن بعض هذه الكتب يذكر صراحة
أن مرجعها مخطوطات تعود لما بعد عصر تجميع الأحاديث بعدة قرون، من ذلك مثلا ما ذكره
الألباني في كتابه "مختصر صحيح مسلم" من أنه اعتمد في تحقيقه على مخطوطات
أقدمها النسخة التيمورية التي تعود، كما بين هو، للقرن السابع الهجري، أي بعد مسلم
بأربعة قرون. أما الكرماني فيعود إلى القرن السابع، بينما يعود ابن حجر العسقلاني للقرن
الثامن الهجري.
والملاحظة الجوهرية هنا أنه بينما كان السلف
من علماء الحديث لا يقبلون إسنادا منقطعا لراو واحد، يقبل الخلف انقطاعا في الإسناد
يصل لعدة قرون.
أما علم الرجال – وهو الضابط الثالث الذي
وضعه السلف - فلا مجال للحديث عنه في مثل هذه الفجوات الزمنية التي تغاضى عنها الخلف،
فالشيخ نصر الدين الألباني يعترف بأن النسخة التيمورية التي اعتمد عليها في تحقيق صحيح
مسلم مجهول ناسخها!
الوثنية تغزو العقيدة الإسلامية
في المقابلة التلفزيونية على قناة النيل
الثقافية حول كتابي "الرجم بين الحقيقة والافتراء"، قلت أن الرجم عقيدة وثنية
تتبرأ منها الشريعة الإسلامية، بل وكل الشرائع السماوية[4]، وفي السطور الآتية ما يؤيد
قولي هذا.
يعرف كل من له علاقة بالتاريخ الإسلامي
أن القرن الرابع الهجري هو القرن الذي انهارت فيه السلطة السياسية الشرعية في الأمة
الإسلامية، ووقعت الأمة الإسلامية تحت قبضة شعوب وممالك مختلفة ومتناحرة، أغلبها لم
تتخلص مما كانت عليه من وثنية رغم دخولها الإسلام. ففي 233 هـ استولى الديلم بزعامة
أحمد بن بويه – وهو شعب قريب العهد بالوثنية المجوسية – على بغداد عاصمة الخلافة، وعزل
الخليفة العباسي عن الحكم، جاعلا منه مجرد رمز ديني.
وقد أورد مسلسل "سيف الدولة الحمداني"
هذه الحقيقة التاريخية، ثم أورد حقيقة أخرى تؤكد ما نقوله عن ضياع المصادر الأصلية
لكتب السنة، وهو أن ابن بويه قام بمجرد استيلائه على بغداد بحرق مخطوطات التراث الإسلامي،
وذلك قبل أن يفعل نفس الشيء هولاكو التتري بقرنين تقريبا.
وباختفاء السلطة الشرعية، أصبح تراث الأمة
الإسلامية نهبا لكل طامع، ولما كانت السنة النبوية هى مطمع كل طامع للنيل من العقيدة
الإسلامية، فليس من الصعب أن نستنبط سبب اختفاء مخطوطاتها في القرن الرابع الذي سادت
فيه الفوضى السياسية في الأمة الإسلامية، لتعود بعد ذلك محملة بكل هذه المرويات الفاسدة.
إن حركة الدس على السنة النبوية التي قامت
بعد وفاة الرسول الكريم قد وجدت لها رجالا يتصدون لها بدعم من سلطة سياسية قوية تقوم
بواجبها في حماية الدين، فكانت حركة جمع الأحاديث التي بدأت بتكليف الخليفة هارون الرشيد
للإمام مالك بذلك.
أما حركة الدس التي بدأت في القرن الرابع
فلم تجد من يتصدون لها في فترة انهيار السلطة السياسية، بل على العكس من ذلك، وجدت
من يروجون لها وهم يرتدون ثياب رجال الدين والمسئولين عن الحديث النبوي الشريف، والسبب
في ذلك أن القرن الرابع الهجري هو القرن الذي أغلق فيه باب الاجتهاد، واتجه الكثير
من رجال الدين، سواء المخلصين منهم أو المندسين على الدين، إلى النقل والتقليد دون
إعمال العقل، فارتدوا بذلك رداء كهنوتيا يتبرأ منه الإسلام، وانهارت تحت ردائه الحضارة
الإسلامية.
واختلطت السنة النبوية بالأباطيل والأساطير
التي كانت سائدة للشعوب حديثة العهد بالإسلام، كل يريد استبقاء تراثه من خلال الدس
على أحاديث رسول الله فمن كان في تراثه رجم أقحمه، ومن كان في تراثه مفسدة كرضاع الكبير
أدخلها، ومن كان في تراثه أسطورة أقحمها.
ليس هذا فحسب، بل أصبحت السنة النبوية مفتوحة
حتى لمن يريد الخوض في سيرة رسول الله وزوجاته وصحابته، بل ورسل الله عليهم السلام،
وكل ما يشوه صورة الإسلام ومقدساته، ويهدم أصول الفقه من أساسه، كما سنبين في الفقرة
التالية.
القرآن الكريم المفترى عليه
لقد تعهد الله بحفظ كتابه الكريم، وتصديقا
لذلك يذكر كتاب سركيس عواد أن مخطوطات القرآن الكريم حتى القرن الخامس تبلغ مائتي مخطوطة
(في مقابل ثلاثة عشر لمخطوطات السنة، أغلبها أوراق مبعثرة لا تمثل كتابا متكاملا)،
من هذه المصاحف ما هو مكتوب بخط عثمان بن عفان وبخط علي بن أبي طالب رضي الله عنهما.
لقد نجا كتاب الله من التحريف، ولكن يد
أعداء الإسلام لم تعدم وسيلة للنيل منه، وذلك عن طريق غزو الفكر الإسلامي بما يفتح
الثغرات للتحايل عليه.
وأخطر هذه الثغرات هو بلا شك فتنة نسخ القرآن
الكريم، وهي فتنة أساسها التفسير الخاطئ للآية الكريمة "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها" (البقرة،
106)، لأن لفظ "آية" لم يكن يعني وقت نزول القرآن الكريم النصوص القرآنية
المرقمة، فعملية الترقيم لم تحدث إلا بعد قرون من نزول القرآن الكريم[5].
ومن جهة أخرى فإن هذا التفسير الخاطئ يقطع
سياق النص القرآني، ذلك لأن الآية نزلت في حق الصحابة الذين كانوا يطالبون الرسول
(ص) بآيات، أي معجزات، حسية كالتي نزلت على الأنبياء من قبله، فعاتبهم المولى بقوله:
"أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل، ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد
ضل سواء السبيل" (البقرة، 108)، فالمولى سبحانه يذكرهم بأن معجزة محمد عليه الصلاة
والسلام، وهي القرآن الكريم، هي أفضل معجزات الأنبياء.
________________________________________
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من
لا نبي بعده.
أما بعد،
فهذه دراسة مختصرة حول تلك القطعة من صحيح
البخاري، الموجودة ضمن مجموعة منجانا، والمزعوم أنها أقدم نسخة من صحيح البخاري، وسأتبعها
بمبحث مختصر عن طريقة العلماء في ضبط البخاري ، وتحقيق رواياته، ومن ثم ليقارن القارئ
الكريم منهج العلماء الأثبات وطريقتهم في الاعتناء في البخاري بالطبعات التجارية في
هذا الزمان.
والبداية بعنوان :
قطعة من صحيح البخاري برواية أبي زيد المروزي:
أبو زيد المروزي أحد رواة صحيح البخاري
عن الفربري، وثمت قطعة من روايته موجودة ضمن مجموعة منجانا، وهي من أصح قطع البخاري
وأندرها، وقد كتب منجانا دراسة حولها باللغة الإنجليزية، ضمنها شجرة للرواة عن البخاري
هي من أحسن ما اطلعت عليه في هذا الباب وإن كان فاته شيء كثير، وقد نشرت تلك الدراسة
عام 1936 في كامبريدج، ساعده في بعضها المستشرق مرجليوث، وقد تفضل الأخ الشيخ نضام
يعقوبي بتصوير القطعة مع دراستها وإرسالها لي فجزاه الله خير الجزاء.
أبو زيد المروزي:
هو محمد بن أحمد بن عبدالله بن محمد المروزي،
علم مشهور، موصوف بكتب التراجم بـ: الشيخ الامام المفتى القدوة الزاهد، شيخ الشافعية
..
ولد سنة 301 ، وسمع الصحيح من الفربري سنة
318، رحل إليه لأجل ذلك وله من العمر نحو 17سنة، فبين سماعه والسماع الأخير لشيخه الفربري
على البخاري نحو 66 سنة.
- والفربري له سماعان للبخاري، الثاني سنة
252 ، وتكرر في فهرست ابن خير أن السماع كان سنة 253 وهو خطأ إما من الناسخ أو المحقق،
فإن ابن خير حافظ لا يغلط بمثل هذه التواريخ المحفوظة ، وقد نقله كثير من الباحثين
دون أن ينتبهوا أو ينبهوا -
وأبو زيد صاحب الرؤيتين المشهورتين.
قال الحاكم: سمعت أبا الحسن محمد بن أحمد
الفقيه، يقول: سمعت أبا زيد المروزى يقول: لما عزمت على الرجوع من مكة إلى خراسان،
تقسى قلبى بذلك، وقلت: متى يكون هذا والمسافة بعيدة، والمشقة لا أحتملها، وقد طعنت
فى السن، فرأيت فى المنام كأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعدًا فى المسجد الحرام
وعن يمينه شاب، فقلت: يا رسول الله، قد عزمت على الرجوع إلى خراسان والمسافة بعيدة،
فالتفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الشاب، وقال: يا روح الله، اصحبه إلى
وطنه، فأريت أنه جبريل، عليه السلام، فانصرفت إلى مرو، ولم أحس شيئًا من مشقة السفر.
وأما الثانية فقد قال: كنت نائمًا بين الركن
والمقام، فرأيت النبى - صلى الله عليه وسلم - فى المنام، فقال: يا أبا زيد، إلى متى
تدرس كتاب الشافعى ولا تدرس كتابى؟ فقلت: يا رسول الله، وما كتابك؟ قال: جامع محمد
بن إسماعيل، يعنى صحيح البخارى، رضى الله عنه.
ولا أستبعد أن هذه الرؤيا هي التي حرضته
على العناية بصحيح البخاري، والتفرغ له حتى صار أجل رواة الصحيح عن الفربري.
قال الحاكم أبو عبدالله والخطيب البغدادي
والنووي وغيرهم : حدث أبو زيد ببغداد، ثم جاور بمكة، وحدث هناك بالصحيح ، وهو أجل من
رواه أهـ
ومع أن أبا زيد المروزي قد شاخ وكبر، وعمر
طويلا، واشتهر بالعلم والفقه و الحديث، وحدث بالصحيح في مكة وبغداد وغيرهما من بلاد
المشرق ، ومع أنه أيضا أجل من روى الصحيح عن الفربري ، إلا أن الروايات لم تشتهر عنه
إلا من طريق المغاربة ، أبي محمد الأصيلي وأبي الحسن القابسي.
نعم قد رواه عنه الحافظ أبو نعيم الأصفهاني
واتصلت الرواية من طريقه لأهل دمشق، فقد رواه المقدسي عن أبي موسى المديني عن الحداد
عن أبي نعيم بإسناده، إلا أن ذلك لم يشتهر كما اشتهر الأولان.
وكذلك روى ابن عساكر الصحيح من طريقه من
رواية أبي الحسين عبد الوهاب بن جعفر الميداني وأبي محمد عبد الواحد بن أحمد بن مشماش
الهمداني وأبي الحسن علي بن موسى بن السمسار كلهم عن أبي زيد.
ولئن كانت رواية ابي زيد أجل الروايات عن
الفربري فرواية الأصيلي أجل الروايات عن أبي زيد.
فقد سمعه مرتين على الأقل، وكان ملازما
لأبي زيد، وهو الذي كان يضبط عليه السماعات، ويقرأ عليه الروايات.
فقال الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الله
بن سعيد بن عابد المعافري ( احد الرواة عن الأصيلي سمع منه البخاري سنة 383)، قال ابو
محمد الأصيلي: قرأتها على أبي زيد محمد بن احمد المروزي بمكة سنة (353)، وسمعتها على
أبي زيد أيضاً ببغداد في شهر صفر سنة (359)، قرأ أبو زيد بعضها، وقرأت أنا بعضها حتى
كمل جميع المصنف أهـ
قلت: وفي السماع الأول زامله أبو الحسن
القابسي الذي لم يدخل بغداد، وعاد من الحج إلى بلاده، وكان القابسي ضريرا ، وكان الأصيلي
يتولى ضبط نسخته وتحريرها، وبذلك يظهر فضل رواية الأصيلي على القابسي.
هذا، ولم يتصل بنا في هذا الزمان من رواية
ابي زيد – بحسب اطلاعي القليل– إلا هذه الورقات من مجموعة منجانا، وإلا كتاب النصيح
للمهلب بن أبي صفرة الذي روى صحيح البخاري عن شيخه أبي محمد الأصيلي عن أبي زيد، وجعل
هذه الرواية عمدته، وعضدها بروايته عن القابسي عن أبي زيد، وعن أبي ذر عن شيوخه الثلاثة.
والكتاب قد أعانني الله على تحقيقه وهو
في طريقه إلى الطباعة يسر الله ذلك.
أما هذه النسخة – نسخة ابي زيد – فالموجود
منها اثنتان وخمسون ورقة، ثبت في الورقة الأولى ما صورته:
الجزء الثاني من الجامع الصحيح المسند من
حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه.
تصنيف أبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري.
واستفدنا اسم الكتاب كاملا، وأنه: الجامع
الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم وسننه، هكذا ثبت في هذه نسخة.
بينما قال النووي في تهذيب الأسماء: أما
اسمه: فسماه مؤلفه البخارى، رحمه الله: الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - وسننه وأيامه أهـ
وهذا الجزء الذي بين يدينا يبدأ بكتاب الزكاة،
ثم كتاب الصوم، ونبه المصعولي في هامش كاب الصوم إلى أن نسخة أبي الوقت تخالف نسخة
ابي زيد في الترتيب وأن كتاب الحج متقدم فيها.
وفي كتاب الصوم سقط كبير من النسخة ، ففي
آخر اللوحة الأولى من ورقة 45 باب الصوم من آخر الشهر ، ثم ساق إسناد حديث عمران بن
الحصين، وفي اللوحة التي يليها باب من أين يدخل مكة، وهذا من كتاب الحج.
وآخر النسخة باب من لم يقرب الكعبة ولم
يطف ..
وقد بدأ الناسخ أول الجزء بالتصريح بالسماع
من أبي زيد وكذلك أوائل الكتب، وهذا ما أعلمنا بنسب النسخة وإسنادها وقدمها.
قال أول الجزء: أخبرنا أبو زيد محمد بن
أحمد قال: حدثنا محمد بن يوسف قال أخبرنا البخاري ...
ثم يبدأ في أول إسناد كل حديث بقوله: أخبرنا
البخاري قال ..
لم يتضح لي من هو كاتب النسخة ، ولا يوجد
في النسخة ما يدل عليه، إلا انه متقن للغاية، فقد قابلها وراجعها، كما تدل على ذلك
التصحيحات على هامش النسخة، والعلامات الدالة على بلوغ المقابلة.
ولم أستطع كذلك تحديد تاريخ نسخها إلا ان
السماعات والأسانيد المثبتة على طرة النسخة، والتملكات في أولها قد دلت على الحقبة
التي تلي كتابتها، كما ستراه قريبا، وبشكل عام فإن الخط أشبه ما يكون بخطوط القرن الرابع،
والله تعالى أعلم.
وأما ما ورد في دراسة منجانا وتبعه سزكين
وغيره من تحديد تاريخ كتابتها سنة 370 فهذا لم أجد في النسخة ما يدل عليه، وقد استنتجه
منجانا استنتاجا كما يظهر من دراسته ولم يجده نصا، حيث جعله قبل تاريخ وفاة أبي زيد
بسنة واحدة ، فإن ابا زيد توفي سنة 371 ، فافترض أن النسخة مكتوبة في زمانه لأجل التصريح
باسمه فيها فجعله قبيل وفاته بسنة.
ولكن قدم الخط أولا، وسوق الإسناد من أبي
زيد ثانيا قد يدل على هذا التاريخ ، وعلى أن النسخة كتبت في حياة أبي زيد أو على الأقل
في حياة راوٍ عن أبي زيد، والأول أرجح لأن النسخة لو كانت لراوٍ عنه لصرح باسمه، مع
أنه لا يمكننا الجزم بشيء لأن الكتاب ناقص ، فربما كان في الأوراق الساقطة ما يحدد
تاريخ النسخ واسم الناسخ والراوي.
إلا أن أقدم سماع على النسخة مقروء مؤرخ
في رمضان من عام 464 أي بعد وفاة ابي زيد بنحو94 سنة.
على أنه يكفي دليلا على فساد هذه الفرية
تعارضها مع قول المولى عز وجل: "ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد"
(ق، 29)، ففي هذه الآية الكريمة ربط المولى عز وجل بين تبديله لقوله وظلم العباد، وهو
ما يليق بجلال الله وتنزيهه عن مثل هذا الهراء.
ويعطينا البحث التاريخي للمخطوطات العربية
الدليل الدامغ على أن هذه الفرية دست بعد قرون من نزول القرآن الكريم، ولم يكن لها
وجود في عصر النهضة العلمية الزاهرة للأمة الإسلامية في القرون الهجرية الثلاث الأولى،
فأقدم المخطوطات التي دست هذه الفرية على كتاب الله، وهما "الناسخ والمنسوخ"
للنحاس (ت: 338 هـ) وللبغدادي (ت:410 هـ)، يعودان لنفس الحقبة التاريخية التي زيفت
فيها مخطوطات السنة النبوية[6].
[1] ينظر في الموضوع بشيء من التفصيل كتابنا
"تنقيح السنة، فريضة تقاعست عنها الأمة"، منشور على نفقة المؤلف.
[2] ينظر في هذه الضوابط "الوضع في
الحديث وجهود العلماء في مواجهته"، الشيخ محمد بن عبد الله بن رسلان، مكتبة المدينة
المنورة، الأزبكية، القاهرة، ت: 5920991؛ "السنة النبوية ومكانتها من التشريع"،
الشيخ مصطفى السباعي، المكتب الإسلامي ببيروت ودمشق، برقيا: إسلاميا.
[3]
المصدر: أقدم المخطوطات العربية - سركيس عواد (دار الكتب رقم ز 84247 - ز
84248).
[4] يزعم الدكتور علي جمعة، وهو من يشغل
منصب الإفتاء حاليا، أن الرجم شريعة الله في كل دين (مقال منشور بجريدة الأخبار بتاريخ
20 فبراير 2002). "كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا" صدق الله
العظيم. ينظر في الرد على سيادته وفي دحض فرية الرجم كتابنا "الرجم بين الحقيقة
والافتراء" منشور على نفقة المؤلف.
[5] يمكن التأكد من ذلك بزيارة المتحف الإسلامي
بباب الخلق، حيث يوجد مصحف يعود للقرن الأول الهجري خال من الترقيم.
[6] ينظر في دحض فرية نسخ القرآن تفصيلا
كتاب "النسخ في القرآن بين المؤيدين والمعارضين" للشيخ محمد محمود ندا مدير
عام بحوث الدعوة بوزارة الأوقاف، مكتبة الدار العربية للكتاب، 1996
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق