الفداء في الاديان الثلاثة

الكَفَّارَة بِالفِـداء

ومعنى الشَّفَاعَة

في

الأديان الثلاثة

 

 

 

 

 

 

 

 

" إن لَمْ تَقَع حَبَّةُ الحِنْطَة في الأرض وتَمُت فهِيَ تَبقَى وحدَها ..

ولكن إن ماتَت تَأْتِ بثَمَرٍ كثير "

يوحنا 12 : 24 ))

 
  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمــة :

" كلمة الفداء " في أصل معناها اللغوي تدل على جعل شيء فدية لشيء ومقابلاً لتحقيقه .

ومادة الفداء في لغة العرب تدل على جعل شيء مكان شيء حِمىً له ، تقول : فديته أفديه ، كأنك تحميه بنفسك أو بشيء يعوّض عنه ، فيُقال : فَدَيتُه بمالي وفدَيتُه بأبي وأمّي ، كأنه اشتراه بما قَدَّم ، ومن هنا جاءت كلمة " الفدية " وهي ما يقي به الإنسان
نفسه ...

وهناك كلمات تُستعمل بمعنى كلمة " الفداء " مثل كلمة " البَذْل " .

وكذلك تُستعمل كلمة " التضحية " بمعنى الفِداء والضحِيَّة أو الأُضْحِيَة في الشرع هي الذبيحة التي يقدمها الإنسان لمقصد ديني ، ولعل استعمال كلمة " التضحية " بمعنى
" الفِداء " كان على تشبيه الإنسان الذي يقدم روحه فداءاً لعقيدته ، بِمَن يَذبح هذه الروح ويجعلها ضحية وفداء ، وعلى هذا جاء قوله تعالى في شأن الذَّبيح إسماعيل
* :

[ وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيْم ] أي جعلنا هذا المَذبوح فِداءً لَه ، وخلصناه به من الذَّبح ".

(فضيلة د. أحمد الشرباصي – الفداء في الإسلام – كتاب إقرأ 314 – فبراير 1969 – دار المعارف بمصر – ص 14 إلى 25 – طبعة ثانية – سبتمبر 1971م – رقم الإيداع 4995/1971)

 

وكلمة " الكفارة " ( في اللغة القبطية ) مشتقة من كلمة " الرحمة " ، وهي مأخوذة ايضاً من كلمة covering  أي تغطية أو ستر ، وبذلك نقول كفّرها أي غفرها أو
غطّاها . والفعل " كفَر " ( بوجود فَتحَة على الفاء ) يراد به في اللغتين العبرية والعربية معاً " سَتَر " . فنحن نقول كفَر الفلاح الحبوب ، أي " سترها " بالتراب ، والفعل " كفَّر "
( بوجود شَدَّة على الفاء ) يراد به المبالغة في الستر مثل الفعلين : فتَّح وقَفَّل .

أما إذا استعمل حرف الجر " عن " بعد الفعل الأخير " كَفّر " فيكون المراد به تقديم التعويض اللازم عن الخطيئة أو عن إنسان مُذْنِب .

 

فنحن نقول : " كفّر فلان عن ذنوبه " ، أي قدّم التعويض اللازم عنها حتى تُرفع عنه عقوبتها . ونقول " كفّر فلان عن المذنبين " أي قدم التعويض اللازم عنهم لكي لا يلحقهم أذى من جَرّاء ذنوبِهم ( لاويين 5 : 5-19 ، 16 : 30-34 ، 17 : 11 ).

(الفدية والكفارة – الأب متى المسكين – رقم (7) في سلسلة ألقاب المسيح – دير القديس أنبا مقار – برية شهيت – وانظر كفارة المسيح – عوض سمعان – كنيسة قصر الدوبارة – رقم الإيداع 4533/88 )

إذَاً بالتكفير يكون الغُفران !

 

الفداء في اليهودية

(الفداء في اليهودية – مأخوذ ( ملخص ) عن مقالات للبابا شنودة الثالث – مجلة الكرازة – الأعداد 15 ، 16 لعام 1994 + 1 ، 2 لعام 1996 + 13 ، 14 لعام 1996م)

*        كيف نشأ وكيف تطَوَّر ؟

1-      كان الإنسان الأول بسيطاً جداً ، في منتهى البراءة والنقاء . كان عُرياناً ولا يخجل من ذلك ولا يشعر أنه عريان . فلما اخطأ بدأ يشعر بعُريِه ويخجَل . فغَطَّى نفسَه بأوراق التِّين . ولكن الله لم تُعْجِبُه التغطية بأوراق الشجر . وهنا يقول الكتاب :
" وصَنَع الرَّب لآدَم وامرَأَته أقمِصَة من جِلد وأَلبَسَهُما " ( تك 3 : 21 ) . وقطعاً هذا الجِلد أتى من ذبيحة ، فما هو المعنى الذي يُفهَم من هذا ؟

إنه كان يعني أن الخطية تسبب العُري ، ولكن الذبيحة نتيجتها السَّتر والغَطاء .

2-      وبالتقليد وصلت فكرة الذبيحة من آدم إلى ابنه هابيل .. حيث لم تكن هناك وصية مكتوبة تأمر بتقديم ذبيحة للرب . وهنا يقول الكتاب : " وقَدَّم هابيل من أبْكار غَنَمِه ومِن سِمانِها ، فنظَر الرب إلى هابيل وقُربانه " ( تك 4 : 4 ) . ومن هذا الأمر نخرج بمعنى آخر عن الذبيحة ، وهو : تقديم البِكر ذبيحة وتقديم الأفضل .

3-      في الأمر بتقديم إسحَاق مُحرَقَة ، قال الرب لإبراهيم : " خُذ إبنَك وحيدك الذِي
تُحِبُّه ، إسحاق ، وأَصْعِده مُحرَقة على الجبل الذي أُريك إياه " ( تك 22 : 2 ) .

وهنا أخذت البشرية مبدأً ثالثاً ، وهو : تقديم الابن الوحيد المحبوب .

4-      وقد تتابَع تقديم الذَّبائِح في حياة الآباء الأُوَل ولم يَخْلُ جيل منها . وهذا واضح في حياة أبينا إبراهيم أَبِي الآباء والأنبياء : " فبنى مَذبحاً للرب الذي ظهر له " ( تك 12: 7 ) . " بنى مذبحاً للرب ودعا باسم الرب " ( تك 12 : 8 ) ( تك 13 : 4 ) . وفي بلوطات مَمْرا " بنى هناك مذبحاً للرب " ( تك 13 : 18 ) . واستمر ذلك معه . كذلك نرى إسحاق يبني مذبحاً للرب ( تك 26 : 25 ) . ويعقوب يبني أيضاً مذبحاً في بيت إيل ( تك 35 : 7 ) . وفي شكيم ( تك 33 : 20 ) . وفيما هو ذاهب إلى مصر لمقابلة يوسف نراه أيضاً يبني مذبحاً للرب . ( تك 46 : 1 ) . " وذبح ذبائح لإله أبيه " .

5-      ثم نَظَّم الله الذبائح في شريعة موسى ، وأول هذه الذبائح كان خروف الفِصح الذي بدمه نجا الأبكار من ضربة الملاك المُهلِك . يقول الرب : " ولما أرَى الدَّم أعبر عنكم " ( خر 12 : 13 ) . وهنا اخذ العبرانيون درساً آخر ، وهو :

الدم وسيلة للخلاص من الموت . إذ قد سُفِك دم خروف الفِصح فداءً لهم .

 

وعملية الكفارة التي قدمها لنا كتاب العهد القديم ، وبخاصة في شرائع
موسى ( سفر اللاويين ) كانت تتضمّن ثلاثة عناصر أساسية ، وهي
:

1-       العنصر الأول هو التعويض أو الضحية .. أي نفس تؤخذ عِوضاً عن نفس . نفس
طاهرة توضع مكان نفس نجسة . نفس لم تعرف الخطية ولم ترتكب إثماً عوضاً عن نفس خاطئة تستحق الموت .

2-       العنصر الثاني هو نقل الخطية .. نقلها من النفس الخاطئة إلى النفس الطاهرة – بحيث تحملها النفس البارة . لذلك كان الخاطئ يضع يده على الذبيحة ، إشارة إلى إنابتها عنه ، وانتقال خطاياه إليها. ولذلك فالذبيحة ليست خاطئة وإنما حاملة خطايا.

أما الخاطئ فقد صار بالذبيحة طاهراً ، إذ انتُزِعَت خطيته منه بانتقالها إلى الذبيحة ، لذلك كان يشعر بالمغفرة والاطمئنان .

3-       العنصر الثالث هو الموت بإراقة الدم .. لماذا إراقة الدم ؟!

 

أهمية سفك الدم في الحصول على التكفير والحصول على المغفرة :

كان الموت هو عقوبة الخطية منذ آدم وحواء ( تك 2 : 17 ) ، ( تك 3 : 3 ) . لذلك كان لابد من موت حامل الخطية وإراقة دمه . وهكذا كان أهم شيء أمام الله في التكفير هو دم الذبيحة ، لأن الدم يعبر عن النفس .. قال الرب : " إن نفس الجسد هي في الدم . فأنا أعطيكم إياه على المذبح للتكفير عن نفوسكم . لأن الدم يُكَفِّر عن النفس " ( لا 17 : 11 ) . فدم الذبائح الذي كان يُسفَك في خيمة الاجتماع ، يعني الحياة التي أُخذَت بسبب الخطية .

وهكذا كانت الخطية تعني الموت وكانت نتيجة الذبائح هي الحياة .

مما تقدم يتضح لنا اعتراف البشر ومنهم الآباء الأنبياء بأنهم خُطاة وأنهم يستحقون القصاص الأبدي بسبب خطاياهم . ثم تقديمهم بعد ذلك ذبائح عِوَضاً عن نفوسهم .

 

شروط أضحية العهد القديم :

إن الذبائح بصفة عامة كان من الواجب أن تكون بلا عيب .. ومن الحيوانات
الطاهرة .. ( لا 22 : 21 – 25 )
 .

الفداء في المسيحية

(معظم هذه النقطة مأخوذة عن كتاب كفارة المسيح لعوض سمعان (مصدر سابق) وكتاب الفدية والكفارة – للأب متى المسكين(مصدر سابق))

 

المسيحية تؤمن بكل ما جاء في العهد القديم .

وتؤمن أن أُجْرَة الخطية هي موت ( رو 6 : 23 ) .

وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة ( عب 9 : 22 ) .

لكن المسيحية تعتبر أن كل الذبائح والمُحرَقات في العهد القديم كانت ترمُز إلى ذبيحة المسيح على الصليب، وذلك للأسباب الآتية :

 

أولاً : الأسباب التي اعتمدت على النَّقل ( اي ما جاء في الكتب المقدسة ) :

أ. شهادة أنبياء العهد القديم عن موت المسيح كفارة :

1- قال داود النبي بروح النبوة سنة 1000 ق.م على لسان المسيح : " أكثَرُ مِنْ شَعْرِ رأسي الذين يُبغِضونَني بلا سَبب ( مشيراً إلى كراهية اليهود له وصلبهم إياه ) ، حينئذٍ ردَدت الذي لم أخطفه " ( مزمور 69 : 4 ) قاصداً بذلك أن المسيح مع أنه لم يخطف شيئاً ( أو بالحرِيِّ لم يسلب الله حقاً من حقوقه ) لأن الذي فعل ذلك هُم البشر وحدهم ، غير أنه رد بنفسه لله ما خطفوه وسلبوه ، أو بمعنى آخر قام بإيفاء مطالب عدالة الله في نفسه نيابةً عنهم .

2- وقال إشعياء النبي بروح النبوة سنة 700 ق.م عن المسيح : " وهو مجروح لأجل معاصينا " ( وليس لأجل معاصي ارتكبها ) . " مسحوق لأجل آثامنا " ( وليس لأجل آثام اقترفها ) ، " تأديب سلامنا عليه " ( أي أن ما نستحقه من قصاص – حتى تتحقق عدالة الله من جهتنا ويصفو الجو بيننا وبينه – قد احتمله المسيح عِوضاً عنّا ) ، " وبِحَبرِه " ( أي جروحه ) " شُفينا " ( من مرض الخطية القَتَّال ) . " كلنا كغنم ضللنا ، مِلنا كل واحد إلى طريقه ، والرب وضع عليه إثم جميعنا " ( أش53 : 5 ، 6 ) عِوَضاً عن أن يُبقيه علينا ويحملنا مسئوليته وقصاصه .

3- وقال الملاك جبرائيل لدانيال النبي الذي عاش سنة 550 ق.م في رؤية خاصة :

" سبعون أسبوعاً ( أي 490 سنة ) قُضيت على شعبك ( أي على اليهود ) وعلى مدينتك المقدسة ( أورشليم ) لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ( التي حدثت برفضهم للمسيح ) ولكفارة الاثم ( أي لإزالة معصيتهم والانتهاء من أمر خطاياهم ) ، وليُؤتَى بالبر الأبدي
( الذي يَدُم إلى الأبد على أساس الكفارة المذكورة ) ولخَتم الرؤيا والنبوة ( أي لإتمامهما وتحقيقهما ) ، ولمَسح قدوس القديسين ( أيضاً ) ، فاعلم وافهم أنه من الأمر بتجديد أورشليم وبنائها – الذي حدث في عهد أرتحشستا الملك " ( نحميا 2 : 1 – 8 ) – إلى المسيح الرئيس ( في مجيئه الأول ) سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعاً ( أي 49 سنة +434 سنة = 483 سنة ) .

وبعد اثنين وستين أسبوعاً ( أي 434 ) ، يُقطَع المسيح ( أي يُرفَض ويُقتَل ) وليس
له ( أي ليس له المُلك الذي يحق له ) ( دانيال 9 : 24 – 26 ) .

والأسبوع هنا هو أسبوع السنين ، فقد قال الله لحزقيال النبي عن الأزمنة الخاصة بالنبوات التي أعلنها له ، أنه جعل له اليوم عِوضاً عن سنة ( حزقيال 4 : 5 ) . أما عندما يكون المراد بالأسبوع سبعة أيام عادية ، فإن الكتاب المقدس ينص على ذلك ، وقد ذُكِر في موضع آخر أن دانيال قال : " في تلك الأيام أنا دانيال كنت نائماً ثلاثة أسابيع أيام " ( دانيال 10 : 2 ) .

وقد أجمع علماء التاريخ أمثال " ياهين " ، " هنجسبرج " ، " سايس " ، " أنولد " ،
" كوبر " على أن صدور أمر أرتحشستا لتجديد أورشليم كان سنة 455 ق.م ، وبذلك يكون الباقي بعد خصم هذا التاريخ من الـ 69 أسبوع السنين ( أي الـ 483 سنة ) هو ما يعادل 28 سنة بعد الميلاد بالنسبة إلى تاريخ روما .

وبعد إضافة سنة الفرق بين التاريخ القديم والحديث ( الذي رأى العلماء وجوب إضافته لضبط التواريخ ) يكون التاريخ 29 سنة ميلادية ، وهذه هي السنة التي صُلِبَ المسيح فيها ، لأن المؤرخين القدامى قَدَّروا تاريخ ميلاد المسيح بما اكتشف فيما بعد أنه يوافق
سنة 4 ق.م ، وذلك عندما قورن بتاريخ روما الذي كان يسود العالم وقتئذٍ . وبإضافة 29
إلى 4 يكون الناتج 33 ، وهذا هو السِّن الذي صُلِب فيه المسيح .

ب. شهادة الإنجيل عن موت المسيح كفارة أو فِديَة :

1- شهادة ملاك الرب :

قال الملاك ليوسف خطيب العذراء مريم – أنها : " ستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع لأنه يُخَلِّص شعبَه من خطاياهم " ( متى 1 : 21 ) . ولا خلاص من الخطايا إلا بالتكفير
عنها ( كما وضحنا سابقاً ) ، فيكون المسيح هو الشخص الذي يُكَفِّر عن الخطايا .

2- شهادة زكريا الكاهن ( أبو يوحنا المعمدان ) مُتَنَبِّئاً عن فداء الله في المسيح :

قال : " مبارك الرب إله إسرائيل لأنه افتقد وصنع فداءً لشعبه " ( لوقا 1 : 68 ) .

 

3- شهادة سمعان الشيخ :

قال سمعان الشيخ لله عندما حَمَلَ المسيحَ في طفولته : " الآن تُطلِق عَبدَك ياسيّد ( من العالم ) حسب قولك بسلام ، لأن عَيْنَي قد ابصرتا خلاصك الذي أعددته قدام وجه جميع الشعوب " ( لوقا 2 : 29 – 31 ) . الأمر الذي يدل على أن هذا الشيخ قد اطمأن من جهة مستقبله الأبدي ، لأنه رأى في المسيح الخلاص الذي كان الله قد أعده للنجاة من شر الخطية وقصاصِها .

4- شهادة يوحنا المعمدان :

قال : " هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم وذلك لما نظر يسوع مقبلاً
إليه " ( يوحنا 1 : 29 ) . وفي موضع آخر : " فنظر يسوع ماشياً فقال : هوذا حمل
الله " ( يوحنا 1 : 36 ) . فهنا يتجه لقب المسيح ( حمل الله ) اتجاهاً شديداً ومباشراً نحو الصليب . فلا وظيفة للحمل في تدبير الله إلا أن يكون ذبيحة ، وأساس الذبيحة في العهد
القديم – على وجهٍ عام هو تغطية الخطية . لذلك حرص المعمدان أن يعطيه صفة تحدد قوة عمل الذبيحة في العهد الجديد فقال : " هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم " .

5- شهادة قيافا رئيس كهنة اليهود :

قال بروح النبوة أن يسوع مُزْمِعٌ أن يموت عن الأمة ، وليس عن الأمة فقط ، بل ليجمع ابناء الله المتفرقين ( في جميع أنحاء العالم ) إلى واحد ( يوحنا 11 : 49 – 52 ) .

6- شهادة المسيح نفسه عن موته كفارة :

قال المسيح عن نفسه قبل حادثة الصَّلب : " أنا هو الراعي الصالح ، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخِراف " ( يوحنا 10 : 11 ) قاصداً بالخراف المؤمنين الحقيقيين ، وأوجه الشبه بينهما أن الخِراف تكره القذارة وتطيع راعيها ، والمؤمنين الحقيقيين يكرهون الشر ويطيعون الله .

وقال : " كما رفع موسى الحية في البرية ، هكذا ينبغي أن يُرفع ابن الإنسان ( على الصليب ) لكي لا يهلك كل مَن يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية . لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل مَن يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية " ( يوحنا 3 : 14–16 ).

وقال : " وأنا أضع نفسي عن الخِراف " ( يوحنا 10 : 15 ) .

وقال : " لأني أضع نفسي لآخذها أيضاً . ليس أحد يأخذها منّي ، بل أنا أضعها من ذاتي . لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها " ( يوحنا 10 : 17 – 18 ) .

وقال : " إن ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدَم ، بل ليَخدِم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين " أو بالحري عوضاً عنهم ( مرقس 10 : 45 ) ، ( متى 20 : 28 ) .

وقال : " لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يُخَلِّص ما قد هَلَك " ( متى 18 : 11 ) .

وعندما شَبَّه نفسه بحبة الحِنطة قال : " وإن لم تقع حبة الحِنطَة وتَمُت فهي تبقى وحدها ، ولكن إن ماتت تأتِ بثمر كثير " ( يوحنا 12 : 24 ) مشيراً بذلك إلى أنه على أساس موته ستكون لكثير من الناس حياة أبدية ، أو بالحري سيكون موته موتاً كفارياً .

وعندما تحدث عن نفسه كالخبز النازل من السماء ليهب حياة أبدية للذين يتناولون
منه قال : " والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي ، الذي أبذله من أجل حياة العالم " ( يوحنا 6 : 51 ) . كما قال لتلاميذه مرة أن جسده سيُبذَل وأن دمه سَيُسفَك عنهم وعن كثيرين

( لوقا 22 : 19 ، 20 ) الأمر الذي يدل على أن موت المسيح لم يكن مجرد استشهاد – بل كان أولاً كفارة عن الخطاة ، لذلك أخبر أنه قد أتى من أجل هذه الساعة ( يوحنا 12 : 27 ).

7- شهادة رُسُل المسيح ( الحواريين )* عن موت المسيح فدية وكفارة :

أ. الفدية عند القديس بطرس الرسول :

" عالمين أنكم افتُدِيتُم لا بأشياء تفنَى ، بفِضَّةٍ أو ذهَب ، من سيرَتِكُم الباطِلَة الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوها من الآباء ، بل بِدَمٍ كَرِيْمٍ كما مِن حَمَلٍ بلا عَيْبٍ ولا دَنَسٍ ، دَمِ المَسيح ، معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالَم ، ولكن قد أُظهِر في الأزمِنَة الأخيرة من أجلكم " ( 1بط1: 18-20 ) " الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا
للبر " ( 1بط 2 : 24 ) .

 

 

ب- الفِديَة والكَفَّارة عند القِدِّيس يوحَنَّا الرَّسول :

" بهذا أُظهِرَت المحبَّة : أَنَّ ذاك ( الذي هو المسيح ) وضع نفسَه لأجلِنا " ( 1يو 3 : 16 ) ، وأيضاً : " في هذا هي المحبة ليس أننا أحببنا الله ، بل هو أحبَّنا وأرسل ابنه كفَّارة لخطايانا " ( 1يو 4 : 10 ) .

 

جـ- الفِديَة والكَفَّارَة عند القِدِّيس بولس الرسول :

قال بولس الرسول لأهل كورنثوس عن المسيح أنَّه : " مات من أجل خطايانا حَسَب
الكُتُب ( النَّبَوِيَّة ) " .

وقال أيضاً عنه : " وهو مات لأجل الجميع ، كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات لأجلهم وقام " . وأيضاً : " إن الله جعل ( المسيح ) الذي لم يعرف
خطية ( ذبيحة ) خطية لأجلنا لنصير نحن بِرَّ الله فيه " ( 1كو 15 : 3 ) ، ( 2كو 5 : 
15 – 21 ) .

فالمسيح لم يعرف خطية ، لكنه كان على الصَّليب حاملاً خطايا العالم .

وقال لأهل رومية : " فإنه بالجهد يموت أحد لأجل بار ، ربما لأجل الصالح يجسر أحد أيضاً أن يموت . ولكن الله بَيَّن مَحَبَّتَه لَنا ، لأَنَّه ونَحْنُ بَعْدُ خُطاة ، مات المَسيح
لأَجْلِنا " ( رو5 : 7 ، 8 ) .

وقال أيضاً : " مُتَبَرِّرين مَجَّاناً بنِعمَتِه بالفِداء الذي بيسوع المَسيح الذي قَدَّمَه الله
كَفَّارة " ( رو 3 : 24 ، 25 ) .

وأيضاً : " لأن الموت الذي ماته قد ماته للخطية مرة واحدة " ( رو 6 : 10 ) .

وقال لأهل كولوسي عن المسيح : " لأنه فيه سُرَّ أَن يَحِلّ كُلّ المِلء ( أي اللاهوت
كله ) وأن يصالح به الكُلّ لنفسه عاملاً الصُّلح بدم صليبه بواسطته "(كولوسي1 : 19 ،
20 ) .

كما قال لهم : " وإن كنتم أمواتاً ... أحياكم معه مسامحاً لكم بجميع الخطايا ، إذ محا الصَّك ( دَين الخطايا ) الذي علينا في الفرائض الذي كان ضداً لنا . وقد رفعه من الوسط مُسَمِّراً إياه على الصَّليب " ( كولوسي 2 : 13 ، 14 ) .

وقال لأهل أفسس عن المسيح : " الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غِنَى نِعمَتِه " ( أفسس 1 : 7 ) ، وأنه صالحنا " في جسد واحد مع الله بالصليب قاتلاً العداوة به "
( أفسس 2 : 16 ) . وأنه : " أسلم نفسه لأجلنا قرباناً وذبيحة لله رائحة طيبة " ( أفسس 5 : 2 ) .

وأنه : " أحب المؤمنين وأَسْلَمَ نفسه لأجلهم لكي يحضرهم لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غَضَن " ( أفسس 5 : 27 ) .

أما ( الغَضَن ) : هو التَّجَعُّد الذي يعلو الوجه عند الشيخوخة أو الإعياء . والمراد بالعبارة المذكورة أعلاه أن الله سيُحضِر المؤمنين الحقيقيين إليه كاملين كل الكمال ، بفضل كفارة المسيح الثمينة لأجلهم على الصليب ، وعمله الروحي في قلوبهم طوال وجودهم على الأرض .

وقال للعبرانيين عن المسيح : " لِكَي يذوق بنِعمة الله الموت لأجل كل
واحد " ( عبرانيين 2 : 9 ) . لأن المسيح عندما كان على الصليب ، كان يُمَثِّل كل إنسان في موقفه كمُذنِب أمام الله في الدينونة ، فحمل كل خطاياه من بداية حياته إلى آخرها ، الأمر الذي يعطي كُلَّ مؤمنٍ حقيقي الاطمئنان الكامل من جهة قبوله أمام الله على أساس كفارة المسيح . كما قال : " إنه أُظهِر مرة عند انقضاء الدهور ليُبطِل الخطية بذبيحة نفسه " ( عب 9: 26 ) . كما قال عنه : " فبعدما قَدَّم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله "
           ( عب 10 : 12 ) .

وأنه : " لكي يقدس الشعب بدم نفسه تأَلَّم خارج الباب " ( عب 13 : 12 ) ، أو بالحَرِيّ خارج باب المدينة حيث كانت تُحرَق الذبائح الكفارية عوضاً عن الخُطاة في العهد القديم . واقرأ الأصحاح التاسع من الرسالة إلى العبرانيين .

وقال لتلميذه تيموثاوس عن المسيح : " إنه بذل نفسه فدية لأجل الجميع "              ( 1تيموثاوس 2 : 6 ) لكي يفتدينا من كل إثم .

ويكفي أن بولس الرسول وهو اكبر لاهوتي في العالم - وبِآنٍ واحدٍ أكبر خاطيء – لما أدرك دقائق سِرّ الفِداء وفَهِم لغة الله وسمع دقات قلبه وشرح كل أعمال فدية الابن على الصليب ، أنه عبر عن الفداء بتسبحة أخذ يتغَنَّى بها طول حياته ( حتى استُشْهِد ) من ثلاث كلمات ونِصف ، تحوي كل سِرَّ اللاهوت : " أحَبَّنِي وأَسْلَمَ نَفْسَه لأجْلِي " ( غل 2 : 20 ) .

فالرسل ( الحواريون* ) بشهادتهم أن المسيح مات كفّارة عن البَشَر ، كانوا يُعلِنون لليَهود زوال فائدة الذَّبائح الحيوانية التي كانوا يقدمونها لله على أيدي كهنتهم ، مُؤكِّدين لهم أتها كانت مجرد رموز إلى كفارة المسيح . وبما أن هذه الشهادة كانت تثير هؤلاء الكهنة ضد الرُّسُل وتَدْفَعُهُم لشَنّ الاضطهاد عليهم ، لأن بامتناع اليهود عن تقديم الذبائح المذكورة يحرم الكهنة من موارد رزقهم .

وبما أنه لو لم يكن المسيح قد مات فعلاً كفارة عن البشر ، لَما كان قد خطر ببال الرُّسُل أن ينطقوا بمِثل هذه الشهادة ويُجمِعوا عليها ، لأنه ليس من المعقول أن يختلقوا ( وهم جماعة متباينة من الناس كما هو معروف ) موضوعاً لا حقيقة له ، وفي الوقت نفسه يتعرضون بسببه للاضطهاد والعذاب بل للموت . كما أنه على الرغم من تَهاطُل هذا وذاك عليهم يستَمِرُّون في إذاعته بكُل ما لديهم من قوة ونشاط ، لذلك لا بد أن شهادتهم عن موت المسيح كفارة شهادة صادقة .

جـ. الأدلة الكِتابية ( النَّقليَّة ) على تَفَرُّد الله بمهمة الفِداء :

1- شهادة التوراة :

أ- قال موسى النَّبي لله : " تُرشِد برَأفَتِك الشَّعب الذي فدَيته " ( خروج 15 : 13 ) . وقال موسى ايضاً لله : " اغفر لشعبك إسرائيل الذي فدَيت يا رب " ( تث 12 : 8 ) .

ب- وقال حزقيال الملك التَّقِيّ : " الرب صالح يُكَفِّر عن كُل مَن هَيَّأَ قَلبَه لطلب الله " ( 2أخبار أيام 30 : 18 ، 19 ) .

جـ- وقال أيوب عن الله : " فَدَى نَفْسِي من العُبور إلى الحُفرَة ، فترى حياتي
النّور " ( أيوب 33 : 28 ) .

د- وقال داود النبي : " الرب فادي نفوس عبيده " . وقال أيضاً : " إنما الله يفدي نفسي من يَد الهاوية " ( مز 49 : 15 ) . كما خاطَب نفسَه قائلاً عن الله : " الذي يفدي من الحُفرَةِ حياتَكِ ، الذي يُكَلِّلُكِ بالرحمة والرأفة " ( مز 13 : 4 ) ، لأنه : " إله خلاصي " ( مز 25 : 5 ) .

ولذلك خاطب الله بالقول : " معاصينا أنتَ تُكَفِّر عنها " ( مز 65 : 3 ) .

هـ- وقال الله للشعب الخاطئ : " ارجِع إلَيَّ لأَنِّي فَدَيْتُك " ( إش 44 : 22 ) .

و- وقال إشعياء النبي : " فادينا رب الجنود اسمه " (إش 47 : 4 ) . وقال
أيضاً : " الرب قد فدَى يعقوب " ( إش 44 : 23 ) . وقال الله عن نفسه : " إله بار
ومُخَلِّص ، ليس سواي " ( إش 45 : 21 ) . والبار هو العادل ، والمُخَلِّص هو الرَّحيم ،

ومِن ثَمَّ لا سبيل إلى الجمع بينهما ، إلا إذا قَبِل المُخَلِّص تَحَمُّل نتائج خطايانا عِوَضاً عَنّا تحقيقاً للعدالة . وإلا كان الخلاص رحمة لا سند لها من العدالة ، ومِن ثَمّ لا تكون ثابتة أو راسخة ، فرحمة الله لا تعني التنازل عن ثَمن خطايانا ، أو بمعنى آخر لا تعني تعطيل صفة العدل في الله .

2- شهادة الإنجيل :

أ- قالت العذراء مريم عن الله : " الله مُخَلِّصِي " ( لو1 : 47 ) ، قاصدة بذلك أنه المُخَلِّص لها من الخَطِيئة ، لأنه لم تكن لديها وقتئذٍ مشكلة دنيوية ترجو الخلاص منها .

ب- وقال زكريا عندما الهمه الله أن ابنه يوحنا سيعد الطريق أمام المسيح : " مبارك الرب لأنه افتقد وصنع فداءً لشعبه " ( لو 1 : 68 ) .

جـ- وقال بولس الرسول عن الله أنه " يفدينا من كل إثم " ( تيطس 2 : 14 ) ،
وأنه : " افتدانا من لعنة النَّاموس " ( غلاطية 3 : 13 ) ، وأنه : " يُكَفِّر الخطايا " ( عبرانيين 2 : 17 ) ، وأنه : " خَلَّصَنا ( من خطايانا ) ودعانا دعوة مقدّسة " ( 2تيموثاوس 1 : 9 ) . وأنه بمقتضى رحمته خَلَّصنا من خطايانا ( تيطس 3 : 5 ) .

د- وقال بطرس الرسول أن : " الذي مثاله يُخَلِّصنا " ( 1بط 3 : 21 ) .

هـ- وقال يوحنا الرسول عن الله أنه : " يُطَهِّرنا من كل إثم " ( 1يو 1 : 9 ) . والتطهير من كل إثم يتضمّن الخلاص منه .

و- وقال يهوذا عن الله أنه : " الإله الحكيم الوحيد مُخَلِّصنا " ( آية 25 ) .

ثانياً : لماذا الله ؟ ألا يصلح أى كائن آخر للقيام بعملية الفداء؟!

 

الأجابة : لقد أخطأ الإنسان الأول ، وكانت خطيته ضد الله وكانت البشرية في صُلب آدم في ذلك الوقت ( جزءاً منه ) ، فالحُكم الذي وقع على آدم : " يوم تأكل منها ( الشجرة ) موتاً تموت " ( تك 2 : 17 ) وقع على ذريته أيضاً ، بالإضافة إلى أن البشرية ورثت عن آدم الخطية* فالكل يخطئ ويتعَدَّى على وصايا الله** وهذا واقع ملموس ، فهذه كلها تعديات وعصيان من البشر ( آدم وذريته ) موجهة ضد الله ، والله غير محدود ، لذلك صارت خطايا البشر غير محدودة والخطايا غير المحدودة عقوبتها غير محدودة وإن قدمت عنها كفارة ينبغي أن تكون كفارة غير محدودة ...

عدل الله أن يموت الإنسان ( اي ينفصل عن الله ) " موتاً تموت " ( تك 2 : 17 ) ، ورحمة الله أن يحيا الإنسان ( الوجود مع الله ) لأنه ضحية الشيطان ( تك 3 : 1-6 ) ، كما قال القديس أثناسيوس . وصفات الله لا تنفصل ( فعدل الله مملوء رحمة ورحمة الله مملوءة عدلاً ) . إذا نظرنا لرحمة الله فقط نكون قد عطلنا صفة العدل ( حاشا ) لأن هذا لا يتفق وكمال الله ( حيث تتساوى الصفات ) .

ما الحل إذن ؟

كان لا بد لحكمة الله أن تتدخَّل لحل هذا الإشكال ...

وهكذا تدخل أقنوم الابن لحل الإشكال . والابن هو ( حكمة الله وقوة الله ) ( 1كو : 1: 24 ) . ويُسَمِّيه سفر الأمثال ( الحكمة ) ( أم 9 : 1 ) .. ويُسَمَّى الكلمة أو
اللوجوس ( العقل ) ( يو 1 : 1 ) .

 

كيف أمكن لحكمة الله حل هذا الإشكال ؟

كان الحل هو الكفارة والفداء ، لا بد أن يموت أحد عن الإنسان - فيفديه - لإنقاذه ، ولم يصلح لهذا الفداء أي كائن آخر ، غير الإنسان ذاته ... فلماذا ؟

 

لأن الحكم صدر ضد الإنسان , فيجب أن يموت الإنسان.

 

ولأن كل إنسان محدود، لا يمكن أن يقدم كفارة غير محدودة، توفي العقوبة غير المحدودة للخطية غير المحدودة..

كان الحل الوحيد هو التَّجَسُّد : أن ينزل أقنوم الكلمة إلى عالَمِنا مولوداً من امرأة ، فهو من حيث لاهوته غير محدود كإله ، يمكنه أن يقدم كفارة غير محدودة تكفي لمغفرة جميع الخطايا لجميع الناس ، في جميع الأجيال . وهو من حيث ناسوته يمكنه أن ينوب عن الإنسان المحكوم عليه . ينوب عنه في دفع ثمن الخطية* .

من أجل هذا السبب كان السيد المسيح يتعمَّد أن يسَمِّي نفسه : " ابن الإنسان " في كثير من المجالات ... هذا إذن هو السبب الأساسي لولادة المسيح من العذراء ومن الروح القدس حَتَّى لا يحمل في جسده خطية بل ليحمل خطِيَّتنا . ويموت عنها ، لينقذنا من عقوبتها …

 

 

الفداء في الإسلام

 

يقول فضيلة الشيخ د. أحمد الشرباصي* : " والقرآن الكريم هو أساس الإسلام ودستوره ، وهذا الكتاب الإلهي المجيد يلفت أبصارنا وبصائرنا إلى وجود التضحية والفداء منذ مطلع الخليقة ، فهو يحَدِّثنا في سورة ( المائدة /27 ) :

" وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ "

وفي القربان هنا معنى التضحية والفداء ، لأن القربان هو ما يتقَرَّب به الإنسان إلى الله ، وصار في التعارف اسماً للنسيكة ، أي الذبيحة ، وجَمْعُه قرابين .

(الفداء في الإسلام للدكتور أحمد الشرباصي – ص 17 – مصدر سابق)

 

وجاء في تفسير ابن كثير : ثم المشهور عند الجمهور أن الذي قَرَّب الشاةَ هو
هابيل ، وأن الذي قَرَّب الطعام هو قابيل ، وأنه تُقُبِّل من هابيل شاته ، حتى قال ابن عباس وغيره : إنه الكبش الذي فُدِيَ به الذَّبيح** ، وهو مناسب والله أعلم ( ولم يتقبل من قابيل ) .

  كذلك نَصّ عليه غير واحد من السَّلَف والخَلَف ، وهو المشهور عن مجاهد أيضاً ، ..

(تفسير ابن كثير – سورة المائدة – المجلد الثالث – ص 79 – طبعة دار الشعب 8أجزاء (تحقيق عبد العزيز غنيم – محمد أحمد عاشور – محمد إبراهيم البنا)

 

وذكر السدي في تفسيره عن مشايِخِه بأسانيده ....

فَقَرَّبَ قابيل حِزمة من زرع وكان صاحب زرع ، وقَرَّب هابيل جذعة سمينة وكان صاحب مواشٍ ، فنزلت نارٌ فأكلت قربان هابيل دون قابيل ، وكان ذلك سبب الشَّر بينهما ، وهذا هو المشهور .

(فتح الباري بشرح صحيح البخاري للعسقلاني – باب : خلق آدم وذريته – الجزء التاسع – العدد 90 – ص 597 – حديث 3335 – دار الغد العربي للنشر – توزيع الأهرام – 1994م)

 

 فكان هابيل أول إنسان من أولاد آدم تقرب إلى الله بذبيحة . فقَبِله تعالى ورضي
عنه . وأما قايين أخوه ، فلما أراد أن يتقرب بغير ذبيحة أي حِنطة ( زرع ) رفضه الله مع تقدِمَته . فكانت الذبيحة للإنسان البِدائي درس عملي فيه يعرف أنه بدون سفك دَم لا تحصل مغفرة .

وجاء في ( الصافات /107 ) : " وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ*** عَظِيمٍ " .

يقول الإمام البيضاوي في تفسيره لكلمة " عظيم " : عظيم الجُثّة سمين أو عظيم
القَدر
، لأن الله فدَى به نبياً .

(تفسير البيضاوي – سورة الصافات – تحقيق الشيخ عبد القادر عرفات – دار الفكر – بيروت)

 

ومن تفسير المُنتَخَب للآية : وفديناه بمذبوح عظيم القَدْر لكونه بامر الله
تعالى .              
(تفسير المنتخب – سورة الصافات – الطبعة 18 – مؤسسة الأهرام)

 

وقال الشيخ الشرباصي : أي جعلنا هذا المذبوح فداءً له ، وخَلَّصناه به من الذَّبح .

ويقول فضيلته : فقد رأى إبراهيم في نومه انه يذبح هذا الابن العزيز الغالي ، ورؤيا الأنبياء جزء من وحي الله تعالى إليهم .

(الفداء في الإسلام – فضيلة د. أحمد شرباصي – ص 16 ، 29 – مصدر سابق)

 

ثم يتكلم القرآن عن ذبيحة موسى ( البقرة / 67-73 ) ، وذبيحة إيليا ( آل عمران /183 ) ، وذبيحة الأضحى ( البقرة /195 ) ، ( الحِجّ/28 ، 36 ، 37 ) .

 

يقول فضيلة الشيخ مخلوف من ضمن ما قال عن الحكمة في مشروعية الأضحية :

" .. وتذكير المسلمين بالذِّبح العظيم " . (جريدة الأهرام – 15/8/1986م)

 

ويقول فضيلة د. الشرباصي : " وكأن القرآن الكريم يريد بهذا الحديث المتعدد المواطن أن يشيع فينا جو الفداء وذِكر الفِداء . وإذا كان القرآن لم يذكر مادة " التضحية " فإنه أشار إليها بكامة " النَّحر " وهو الذَّبح ، ولا يتحقق الذبح إلا بذبيحة ، وتقديمها تضحية وفداء ، فقال في سورة الكوثر/2 : " فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ " ، وجاء في الحديث الشريف : " إن على
كل أهل بيت اضحية كل عام
" .
         (الفداء في الإسلام – ص 18 – مصدر سابق)

 

وفي السُّنّة جاء الآتي :

روى البخاري ومسلم عن أنس قال : " ضحّى رسول الله ( ص ) بكبشَين أملحَين أقرَنَين ، ذبحهما بيده وسَمّى وكَبَّر ووضع رجله على صفحاتهما " . وبحديث أبي رملة بن مخنف قال : قال رسول الله ( ص ) ونحن وقوف معه بعرفات " يا أيها الناس إن على
كل أهل بيت في كل عام أضحية ... " [ رواه أبو داود والترمذي والنّسائي وغيرهم . وقال الترمذي حديث حَسَن ] .

وجاء في صحيح البخاري ومسلم أن النبي ( ص ) " ضَحّى في منى عن نسائه
بالبقر " . وجاء عن النبي ( ص ) : " ضحى بكبشين وقال : اللهم تقبل من محمد وآل
محمد " .

وعن عائشة قالت : " أن النبي ( ص ) ضحى عن نسائه بمنى في حجة
الوداع " . [ رواه البخاري ومسلم ] .



* القرآن لم يحدد مَن هو الذَّبيح ، والأحاديث بهذا الشأن ضعيفة او موضوعة ( فضيلة د. علي عبد الواحد وافي – جريدة الأخبار – 14/8/1987م ) .

*   هكذا يُسَمِّيهم القرآن – ووصفهم بالإيمان وبأنهم أنصار الله ( الصَّف/14 ) ، ( آل عمران/52 ) ، ( المائدة/111 ) – قال البيضاوي في تفسيره لكلمة " الحواريون " ( آل عمران/52 ) : حواري الرجل خاصَّته من الحَوَر وهو البياض الخالص ، ... سُمِّيَ به أصحاب عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام لخلوص نيتهم ونقاء سريرتهم . وفي الإسلام قيل عن بعض الصَّحابة المقربين المخلصين أنهم حواري النبي ( ص ) . وفي معاجِم اللغة " الحواري " هو النَّصير ( وقال محمد بن السَّائب أنه الخليل أو الحميم ... وهو ناصر الأنبياء ) . وفي معجم ألفاظ القرآن الكريم ( الحواري الخالص المُنَقّى من كل شيء ، وشاع استعماله في الخُلَصاء للأنبياء ) .

[ انظر تفسير البيضاوي – وانظر أيضاً " محمد والصّحابة " – دار سينا للنشر . وقد أخذ عن القاموس المحيط للفيروز آبادي - معجم ألفاظ القرآن الكريم إعداد مجمع اللغة العربية ] .

* قال الأستاذ العقاد ردّاً على الذين اتهموا الرسل ( الحواريين ) بالكذب : " ... لكننا نعتقد أن التاريخ الصحيح يَأبَى هذا الاتهام لأنه أصعب تصديقاً من القول بان أولئك الدُّعاة أبرياء من تَعَمُّد الكَذِب والاختلاق ، فشتان عمل المؤمن الذي لا يبالي الموت تصديقاً
لعقيدته ، وعمل المحتال الذي يكذب ويعلم أنه يكذب وأنه يدعو الناس إلى الأكاذيب ، مثل هذا لا يُقدِم على الموت في سبيل عقيدة مدخولة وهو أول مَن يعلم زيفها وخِداعها ، وهَيهات أن يوجد بين الكَذَبَة العامدين مَن يَستَبسِل في نشر دينه كما استبسل الرسل المسيحيون ( الحواريون ) . فإذا كان المؤرخ الصادق يأخذ بأقرب القولين إلى التصديق ، فأقرب القولين إلى التصديق أن الرُّسُل لم يكذبوا فيما رَوَوه وفيما قالوا أنهم رأوه أو سمعوا مِمَّن رآه ... " . [ عبقرية المسيح – ص 157 ] .

*  جاء في  في جامع الترمذي , في ثلاثة مواضع باب (سورة الأعراف )- ج 2 – ص 180 عن ابي هريرة قال (ص) : ".. فجحد آدم فجحدت ذريته , ونسي فنسيت ذريته , وخطئ آدم فخطئت ذريته . وقال أبو عيسي الترمذي حديث حسن صحيح . وللحديث اصل في الصحيحين انظر الأتحافات السنية في الأحاديث القدسية - الشيخ العلامة محمد المدني حديث رقم (50) – المكتبة الأزهرية للتراث- دار الغد العربي القاهرة .  

**  جاء في الصحيح : " كل ابن آدم خَطّاءون " ( اللواء الإسلامي 9/6/1983 ) .

*  قد يقول البعض : هل خطية آدم تستلزم تجسد الكلمة وإهانته وصًلبُه ؟ ألم يكن الله قادراً أن يتوب عليه دون كل ذلك ؟

أولاً : نرُد بقول الدكتور عبد المتعال الجبري : " المعصية لله كبيرة مهما كان ما عُصِيَ فيه من القيمة المادية " ، وكما قال الإمام الغزالي :" لا تنظر إلى عظمة أونوع المعصية ولكن إلى قيمة مَن تعصاه وعظمته " . [ كتاب شطحات مصطفى محمود في التفسيرات العصرية للقرآن الكريم – ص 112 ، 208 – دار الاعتصام – رقم الإيداع 5580/1976 – الترقيم الدولي  ISBN 7065-59-0 ] .

وبناءاً على هذا الكلام تكون خطية آدم عظيمة ( غير محدودة ) لأن عظمة الله غير محدودة – فإذا قدمت كفارة يجب أن تكون غير محدودة ، وهذا الأمر هو الذي استلزم تجسد الكلمة وقيامه بالفداء .

ثانياً : لابد من إيفاء عدل الله كما أوضحنا – فالله رحيم وعادل في نفس الوقت ، وليس رحيماً فقط .

*  المرحوم فضيلة د. احمد الشرباصي كان أستاذاً بجامعة الأزهر .

**  قال بذلك أيضاً السيوطي حيث قال في تفسير ( الصافات/107 ) : ( بذبح ) هو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه . أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس . [ مفحمات الأقران في مبهمات القرآن للسيوطي – ص174 – تحقيق آباد خالد الطباع – مؤسسة الرسالة – بيروت – ص.ب : 7460 – الطبعة الثانية 1409هـ - 1988م ] .

***  يلاحظ أنه لم يذكر أن الذبيحة حيوان – فلم يقل مثلاً وفديناه بكبشٍ عظيم .

 

اختلاف الكنائس

أهم الإختلافات بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية
 
الشماس الإكليريكى / عهدى سامى
 
فى العدد السابق عرضنا بإيجاز تاريخ دخول الكنيسة الكاثوليكية إلى مصر ، وكيف صار لها كيان رسمى معترف به ، وحان الوقت حتى نعرض – فى نقاط مختصرة – لأهم الإختلافات بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية. وهدفنا هو ليس توسيع هوة الخلاف بل أن نعرف حقائق إيماننا السليم ، ونشهد لأرثوذكسيتنا .  
ويمكن أن نقسم هذه الإختلافات إلى الأقسام التالية:
1- الإختلافات العقيدية وتشمل :
- الخلاف حول طبيعة السيد المسيح Christology
- الخلاف حول إنبثاق الروح القدس من الأب والإبن. Filioque
2- إختلافات طقسية :
- الخلاف فى القداس (أوشية الأباء / قانون الإيمان/مجمع القديسين) .
- الخلاف فى التناول ويشمل :  
- القربان عندهم من الفطير فقط (ليس فيه خمر)
- عدم الإلتزام بالإحتراس 9 ساعات قبل التناول
- إقامة أكثر من قداس على نفس المذبح فى يوم واحد
- يمكن للكاهن أن يصلى ويتناول فى أكثر من قداس فى اليوم الواحد
- عدم مناولة الأطفال وإجراء طقس المناولة الأولى من سن 8 سنوات
- مناولة غير المؤمنين (يمارسها الأساقفة الكاثوليك – خاصة فى الغرب – بدون قرار واضح رسمى من الفاتيكان).
3- إختلافات فى الأحوال الشخصية :
- لايسمحون بالطلاق على الإطلاق مخالفين بذلك ما ورد فى : مت5: 32 ، مت 19: 9 ، مر10: 11 ، لو 16: 18
- الزواج بغير المؤمنين (التفسيح البولسى) 1كو7
- بسبب منعهم الطلاق يتوسعون كثيراً فى أسباب بطلان الزواج
4- إختلافات من جهة القديسة العذراء مريم:
- عقيدة الحبل بلادنس (أى أن العذراء نفسها وُلدت من حنة ويواقيم وهى لاتحمل الخطية الأصلية) Immaculate Conception
- يرون أنها شريكة فى عمل الفداء
- يقولون أنه لاتأتى نعمة الى البشر إلا عن طريق العذراء ويسمونها "سيدة المطهر"
- عصمتها الكاملة من الخطأ
5- إختلافات فى موضوع الخلاص والغفران :
- المطهر Purgatory
- يؤمنون أن الإنسان يمكن أن ينال الغفرانات لعدد من السنين أو الأيام عن طريق تلاوة صلوات معنية أو زيارة أماكن مقدسة معينة بأوامر من بابا الكاثوليك .
- يؤمنون بزوائد القديسين أى أن بعض القديسين لهم زوائد من الغفرانات يمكن منحها أو توريثها لغيرهم
- يؤمنون بخلاص غير المؤمنين أى أن الذين حتى لم يؤمنوا ولم يعمدوا كالوثنيين والهندوس وغيرهم من الممكن أن يتناولوا ويتحقق خلاصهم بطريقة لايعلم  بها أحد إلا الله وحدة.
6- إختلافات بخصوص الرئاسة الكنسية:-
- رئاسة بطرس الرسول primacy of Peter
- عصمة البابا.
- رئاسة بابا روما للكنائس المسيحية فى العالم كله .
7- خلافات أخرى :
- تبرئة اليهود من دم المسيح ( المجمع الفاتيكانى الثانى سنة 1965 ) .
- إلغاء غالبية الاصوام .
- تأجيل مسح الأطفال بالميرون إلى سن 8 سنوات .
- عدم السماح بزواج الكهنة (خاصة اللاتين الكاثوليك)
وقد أمكن بنعمة الله توقيع اتفاق كريستولوجى مع الإخوة الكاثوليك فيما يختص بطبيعة المسيح وكان ذلك فى عام 1988 وفيما يلى نص هذا الإتفاق :
" نؤمن كلنا ان ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح الكلمة (اللوغوس) المتجسد هو كامل فى لاهوته وكامل فى ناسوته. وإنه جعل ناسوته واحداً مع لاهوته بغير إختلاط ولا إمتزاج ولاتغيير ولاتشويش وإن لاهوته لم ينفصل عن ناسوته حتى إلى لحظة أو طرفة عين. وفى نفس الوقت نحرم كلا من تعاليم نسطور وأوطاخى".
وبهذا نكون قد عرضنا لإخوتنا الكاثوليك ، فماذا عن إخوتنا البروتستانت وما هى أهم الخلافات بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة والبرتستانتية . فإلى العدد المقبل إن أحبت نعمة الرب وعشنا .