الفداء في الاديان الثلاثة

الكَفَّارَة بِالفِـداء

ومعنى الشَّفَاعَة

في

الأديان الثلاثة

 

 

 

 

 

 

 

 

" إن لَمْ تَقَع حَبَّةُ الحِنْطَة في الأرض وتَمُت فهِيَ تَبقَى وحدَها ..

ولكن إن ماتَت تَأْتِ بثَمَرٍ كثير "

يوحنا 12 : 24 ))

 
  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمــة :

" كلمة الفداء " في أصل معناها اللغوي تدل على جعل شيء فدية لشيء ومقابلاً لتحقيقه .

ومادة الفداء في لغة العرب تدل على جعل شيء مكان شيء حِمىً له ، تقول : فديته أفديه ، كأنك تحميه بنفسك أو بشيء يعوّض عنه ، فيُقال : فَدَيتُه بمالي وفدَيتُه بأبي وأمّي ، كأنه اشتراه بما قَدَّم ، ومن هنا جاءت كلمة " الفدية " وهي ما يقي به الإنسان
نفسه ...

وهناك كلمات تُستعمل بمعنى كلمة " الفداء " مثل كلمة " البَذْل " .

وكذلك تُستعمل كلمة " التضحية " بمعنى الفِداء والضحِيَّة أو الأُضْحِيَة في الشرع هي الذبيحة التي يقدمها الإنسان لمقصد ديني ، ولعل استعمال كلمة " التضحية " بمعنى
" الفِداء " كان على تشبيه الإنسان الذي يقدم روحه فداءاً لعقيدته ، بِمَن يَذبح هذه الروح ويجعلها ضحية وفداء ، وعلى هذا جاء قوله تعالى في شأن الذَّبيح إسماعيل
* :

[ وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيْم ] أي جعلنا هذا المَذبوح فِداءً لَه ، وخلصناه به من الذَّبح ".

(فضيلة د. أحمد الشرباصي – الفداء في الإسلام – كتاب إقرأ 314 – فبراير 1969 – دار المعارف بمصر – ص 14 إلى 25 – طبعة ثانية – سبتمبر 1971م – رقم الإيداع 4995/1971)

 

وكلمة " الكفارة " ( في اللغة القبطية ) مشتقة من كلمة " الرحمة " ، وهي مأخوذة ايضاً من كلمة covering  أي تغطية أو ستر ، وبذلك نقول كفّرها أي غفرها أو
غطّاها . والفعل " كفَر " ( بوجود فَتحَة على الفاء ) يراد به في اللغتين العبرية والعربية معاً " سَتَر " . فنحن نقول كفَر الفلاح الحبوب ، أي " سترها " بالتراب ، والفعل " كفَّر "
( بوجود شَدَّة على الفاء ) يراد به المبالغة في الستر مثل الفعلين : فتَّح وقَفَّل .

أما إذا استعمل حرف الجر " عن " بعد الفعل الأخير " كَفّر " فيكون المراد به تقديم التعويض اللازم عن الخطيئة أو عن إنسان مُذْنِب .

 

فنحن نقول : " كفّر فلان عن ذنوبه " ، أي قدّم التعويض اللازم عنها حتى تُرفع عنه عقوبتها . ونقول " كفّر فلان عن المذنبين " أي قدم التعويض اللازم عنهم لكي لا يلحقهم أذى من جَرّاء ذنوبِهم ( لاويين 5 : 5-19 ، 16 : 30-34 ، 17 : 11 ).

(الفدية والكفارة – الأب متى المسكين – رقم (7) في سلسلة ألقاب المسيح – دير القديس أنبا مقار – برية شهيت – وانظر كفارة المسيح – عوض سمعان – كنيسة قصر الدوبارة – رقم الإيداع 4533/88 )

إذَاً بالتكفير يكون الغُفران !

 

الفداء في اليهودية

(الفداء في اليهودية – مأخوذ ( ملخص ) عن مقالات للبابا شنودة الثالث – مجلة الكرازة – الأعداد 15 ، 16 لعام 1994 + 1 ، 2 لعام 1996 + 13 ، 14 لعام 1996م)

*        كيف نشأ وكيف تطَوَّر ؟

1-      كان الإنسان الأول بسيطاً جداً ، في منتهى البراءة والنقاء . كان عُرياناً ولا يخجل من ذلك ولا يشعر أنه عريان . فلما اخطأ بدأ يشعر بعُريِه ويخجَل . فغَطَّى نفسَه بأوراق التِّين . ولكن الله لم تُعْجِبُه التغطية بأوراق الشجر . وهنا يقول الكتاب :
" وصَنَع الرَّب لآدَم وامرَأَته أقمِصَة من جِلد وأَلبَسَهُما " ( تك 3 : 21 ) . وقطعاً هذا الجِلد أتى من ذبيحة ، فما هو المعنى الذي يُفهَم من هذا ؟

إنه كان يعني أن الخطية تسبب العُري ، ولكن الذبيحة نتيجتها السَّتر والغَطاء .

2-      وبالتقليد وصلت فكرة الذبيحة من آدم إلى ابنه هابيل .. حيث لم تكن هناك وصية مكتوبة تأمر بتقديم ذبيحة للرب . وهنا يقول الكتاب : " وقَدَّم هابيل من أبْكار غَنَمِه ومِن سِمانِها ، فنظَر الرب إلى هابيل وقُربانه " ( تك 4 : 4 ) . ومن هذا الأمر نخرج بمعنى آخر عن الذبيحة ، وهو : تقديم البِكر ذبيحة وتقديم الأفضل .

3-      في الأمر بتقديم إسحَاق مُحرَقَة ، قال الرب لإبراهيم : " خُذ إبنَك وحيدك الذِي
تُحِبُّه ، إسحاق ، وأَصْعِده مُحرَقة على الجبل الذي أُريك إياه " ( تك 22 : 2 ) .

وهنا أخذت البشرية مبدأً ثالثاً ، وهو : تقديم الابن الوحيد المحبوب .

4-      وقد تتابَع تقديم الذَّبائِح في حياة الآباء الأُوَل ولم يَخْلُ جيل منها . وهذا واضح في حياة أبينا إبراهيم أَبِي الآباء والأنبياء : " فبنى مَذبحاً للرب الذي ظهر له " ( تك 12: 7 ) . " بنى مذبحاً للرب ودعا باسم الرب " ( تك 12 : 8 ) ( تك 13 : 4 ) . وفي بلوطات مَمْرا " بنى هناك مذبحاً للرب " ( تك 13 : 18 ) . واستمر ذلك معه . كذلك نرى إسحاق يبني مذبحاً للرب ( تك 26 : 25 ) . ويعقوب يبني أيضاً مذبحاً في بيت إيل ( تك 35 : 7 ) . وفي شكيم ( تك 33 : 20 ) . وفيما هو ذاهب إلى مصر لمقابلة يوسف نراه أيضاً يبني مذبحاً للرب . ( تك 46 : 1 ) . " وذبح ذبائح لإله أبيه " .

5-      ثم نَظَّم الله الذبائح في شريعة موسى ، وأول هذه الذبائح كان خروف الفِصح الذي بدمه نجا الأبكار من ضربة الملاك المُهلِك . يقول الرب : " ولما أرَى الدَّم أعبر عنكم " ( خر 12 : 13 ) . وهنا اخذ العبرانيون درساً آخر ، وهو :

الدم وسيلة للخلاص من الموت . إذ قد سُفِك دم خروف الفِصح فداءً لهم .

 

وعملية الكفارة التي قدمها لنا كتاب العهد القديم ، وبخاصة في شرائع
موسى ( سفر اللاويين ) كانت تتضمّن ثلاثة عناصر أساسية ، وهي
:

1-       العنصر الأول هو التعويض أو الضحية .. أي نفس تؤخذ عِوضاً عن نفس . نفس
طاهرة توضع مكان نفس نجسة . نفس لم تعرف الخطية ولم ترتكب إثماً عوضاً عن نفس خاطئة تستحق الموت .

2-       العنصر الثاني هو نقل الخطية .. نقلها من النفس الخاطئة إلى النفس الطاهرة – بحيث تحملها النفس البارة . لذلك كان الخاطئ يضع يده على الذبيحة ، إشارة إلى إنابتها عنه ، وانتقال خطاياه إليها. ولذلك فالذبيحة ليست خاطئة وإنما حاملة خطايا.

أما الخاطئ فقد صار بالذبيحة طاهراً ، إذ انتُزِعَت خطيته منه بانتقالها إلى الذبيحة ، لذلك كان يشعر بالمغفرة والاطمئنان .

3-       العنصر الثالث هو الموت بإراقة الدم .. لماذا إراقة الدم ؟!

 

أهمية سفك الدم في الحصول على التكفير والحصول على المغفرة :

كان الموت هو عقوبة الخطية منذ آدم وحواء ( تك 2 : 17 ) ، ( تك 3 : 3 ) . لذلك كان لابد من موت حامل الخطية وإراقة دمه . وهكذا كان أهم شيء أمام الله في التكفير هو دم الذبيحة ، لأن الدم يعبر عن النفس .. قال الرب : " إن نفس الجسد هي في الدم . فأنا أعطيكم إياه على المذبح للتكفير عن نفوسكم . لأن الدم يُكَفِّر عن النفس " ( لا 17 : 11 ) . فدم الذبائح الذي كان يُسفَك في خيمة الاجتماع ، يعني الحياة التي أُخذَت بسبب الخطية .

وهكذا كانت الخطية تعني الموت وكانت نتيجة الذبائح هي الحياة .

مما تقدم يتضح لنا اعتراف البشر ومنهم الآباء الأنبياء بأنهم خُطاة وأنهم يستحقون القصاص الأبدي بسبب خطاياهم . ثم تقديمهم بعد ذلك ذبائح عِوَضاً عن نفوسهم .

 

شروط أضحية العهد القديم :

إن الذبائح بصفة عامة كان من الواجب أن تكون بلا عيب .. ومن الحيوانات
الطاهرة .. ( لا 22 : 21 – 25 )
 .

الفداء في المسيحية

(معظم هذه النقطة مأخوذة عن كتاب كفارة المسيح لعوض سمعان (مصدر سابق) وكتاب الفدية والكفارة – للأب متى المسكين(مصدر سابق))

 

المسيحية تؤمن بكل ما جاء في العهد القديم .

وتؤمن أن أُجْرَة الخطية هي موت ( رو 6 : 23 ) .

وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة ( عب 9 : 22 ) .

لكن المسيحية تعتبر أن كل الذبائح والمُحرَقات في العهد القديم كانت ترمُز إلى ذبيحة المسيح على الصليب، وذلك للأسباب الآتية :

 

أولاً : الأسباب التي اعتمدت على النَّقل ( اي ما جاء في الكتب المقدسة ) :

أ. شهادة أنبياء العهد القديم عن موت المسيح كفارة :

1- قال داود النبي بروح النبوة سنة 1000 ق.م على لسان المسيح : " أكثَرُ مِنْ شَعْرِ رأسي الذين يُبغِضونَني بلا سَبب ( مشيراً إلى كراهية اليهود له وصلبهم إياه ) ، حينئذٍ ردَدت الذي لم أخطفه " ( مزمور 69 : 4 ) قاصداً بذلك أن المسيح مع أنه لم يخطف شيئاً ( أو بالحرِيِّ لم يسلب الله حقاً من حقوقه ) لأن الذي فعل ذلك هُم البشر وحدهم ، غير أنه رد بنفسه لله ما خطفوه وسلبوه ، أو بمعنى آخر قام بإيفاء مطالب عدالة الله في نفسه نيابةً عنهم .

2- وقال إشعياء النبي بروح النبوة سنة 700 ق.م عن المسيح : " وهو مجروح لأجل معاصينا " ( وليس لأجل معاصي ارتكبها ) . " مسحوق لأجل آثامنا " ( وليس لأجل آثام اقترفها ) ، " تأديب سلامنا عليه " ( أي أن ما نستحقه من قصاص – حتى تتحقق عدالة الله من جهتنا ويصفو الجو بيننا وبينه – قد احتمله المسيح عِوضاً عنّا ) ، " وبِحَبرِه " ( أي جروحه ) " شُفينا " ( من مرض الخطية القَتَّال ) . " كلنا كغنم ضللنا ، مِلنا كل واحد إلى طريقه ، والرب وضع عليه إثم جميعنا " ( أش53 : 5 ، 6 ) عِوَضاً عن أن يُبقيه علينا ويحملنا مسئوليته وقصاصه .

3- وقال الملاك جبرائيل لدانيال النبي الذي عاش سنة 550 ق.م في رؤية خاصة :

" سبعون أسبوعاً ( أي 490 سنة ) قُضيت على شعبك ( أي على اليهود ) وعلى مدينتك المقدسة ( أورشليم ) لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ( التي حدثت برفضهم للمسيح ) ولكفارة الاثم ( أي لإزالة معصيتهم والانتهاء من أمر خطاياهم ) ، وليُؤتَى بالبر الأبدي
( الذي يَدُم إلى الأبد على أساس الكفارة المذكورة ) ولخَتم الرؤيا والنبوة ( أي لإتمامهما وتحقيقهما ) ، ولمَسح قدوس القديسين ( أيضاً ) ، فاعلم وافهم أنه من الأمر بتجديد أورشليم وبنائها – الذي حدث في عهد أرتحشستا الملك " ( نحميا 2 : 1 – 8 ) – إلى المسيح الرئيس ( في مجيئه الأول ) سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعاً ( أي 49 سنة +434 سنة = 483 سنة ) .

وبعد اثنين وستين أسبوعاً ( أي 434 ) ، يُقطَع المسيح ( أي يُرفَض ويُقتَل ) وليس
له ( أي ليس له المُلك الذي يحق له ) ( دانيال 9 : 24 – 26 ) .

والأسبوع هنا هو أسبوع السنين ، فقد قال الله لحزقيال النبي عن الأزمنة الخاصة بالنبوات التي أعلنها له ، أنه جعل له اليوم عِوضاً عن سنة ( حزقيال 4 : 5 ) . أما عندما يكون المراد بالأسبوع سبعة أيام عادية ، فإن الكتاب المقدس ينص على ذلك ، وقد ذُكِر في موضع آخر أن دانيال قال : " في تلك الأيام أنا دانيال كنت نائماً ثلاثة أسابيع أيام " ( دانيال 10 : 2 ) .

وقد أجمع علماء التاريخ أمثال " ياهين " ، " هنجسبرج " ، " سايس " ، " أنولد " ،
" كوبر " على أن صدور أمر أرتحشستا لتجديد أورشليم كان سنة 455 ق.م ، وبذلك يكون الباقي بعد خصم هذا التاريخ من الـ 69 أسبوع السنين ( أي الـ 483 سنة ) هو ما يعادل 28 سنة بعد الميلاد بالنسبة إلى تاريخ روما .

وبعد إضافة سنة الفرق بين التاريخ القديم والحديث ( الذي رأى العلماء وجوب إضافته لضبط التواريخ ) يكون التاريخ 29 سنة ميلادية ، وهذه هي السنة التي صُلِبَ المسيح فيها ، لأن المؤرخين القدامى قَدَّروا تاريخ ميلاد المسيح بما اكتشف فيما بعد أنه يوافق
سنة 4 ق.م ، وذلك عندما قورن بتاريخ روما الذي كان يسود العالم وقتئذٍ . وبإضافة 29
إلى 4 يكون الناتج 33 ، وهذا هو السِّن الذي صُلِب فيه المسيح .

ب. شهادة الإنجيل عن موت المسيح كفارة أو فِديَة :

1- شهادة ملاك الرب :

قال الملاك ليوسف خطيب العذراء مريم – أنها : " ستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع لأنه يُخَلِّص شعبَه من خطاياهم " ( متى 1 : 21 ) . ولا خلاص من الخطايا إلا بالتكفير
عنها ( كما وضحنا سابقاً ) ، فيكون المسيح هو الشخص الذي يُكَفِّر عن الخطايا .

2- شهادة زكريا الكاهن ( أبو يوحنا المعمدان ) مُتَنَبِّئاً عن فداء الله في المسيح :

قال : " مبارك الرب إله إسرائيل لأنه افتقد وصنع فداءً لشعبه " ( لوقا 1 : 68 ) .

 

3- شهادة سمعان الشيخ :

قال سمعان الشيخ لله عندما حَمَلَ المسيحَ في طفولته : " الآن تُطلِق عَبدَك ياسيّد ( من العالم ) حسب قولك بسلام ، لأن عَيْنَي قد ابصرتا خلاصك الذي أعددته قدام وجه جميع الشعوب " ( لوقا 2 : 29 – 31 ) . الأمر الذي يدل على أن هذا الشيخ قد اطمأن من جهة مستقبله الأبدي ، لأنه رأى في المسيح الخلاص الذي كان الله قد أعده للنجاة من شر الخطية وقصاصِها .

4- شهادة يوحنا المعمدان :

قال : " هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم وذلك لما نظر يسوع مقبلاً
إليه " ( يوحنا 1 : 29 ) . وفي موضع آخر : " فنظر يسوع ماشياً فقال : هوذا حمل
الله " ( يوحنا 1 : 36 ) . فهنا يتجه لقب المسيح ( حمل الله ) اتجاهاً شديداً ومباشراً نحو الصليب . فلا وظيفة للحمل في تدبير الله إلا أن يكون ذبيحة ، وأساس الذبيحة في العهد
القديم – على وجهٍ عام هو تغطية الخطية . لذلك حرص المعمدان أن يعطيه صفة تحدد قوة عمل الذبيحة في العهد الجديد فقال : " هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم " .

5- شهادة قيافا رئيس كهنة اليهود :

قال بروح النبوة أن يسوع مُزْمِعٌ أن يموت عن الأمة ، وليس عن الأمة فقط ، بل ليجمع ابناء الله المتفرقين ( في جميع أنحاء العالم ) إلى واحد ( يوحنا 11 : 49 – 52 ) .

6- شهادة المسيح نفسه عن موته كفارة :

قال المسيح عن نفسه قبل حادثة الصَّلب : " أنا هو الراعي الصالح ، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخِراف " ( يوحنا 10 : 11 ) قاصداً بالخراف المؤمنين الحقيقيين ، وأوجه الشبه بينهما أن الخِراف تكره القذارة وتطيع راعيها ، والمؤمنين الحقيقيين يكرهون الشر ويطيعون الله .

وقال : " كما رفع موسى الحية في البرية ، هكذا ينبغي أن يُرفع ابن الإنسان ( على الصليب ) لكي لا يهلك كل مَن يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية . لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل مَن يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية " ( يوحنا 3 : 14–16 ).

وقال : " وأنا أضع نفسي عن الخِراف " ( يوحنا 10 : 15 ) .

وقال : " لأني أضع نفسي لآخذها أيضاً . ليس أحد يأخذها منّي ، بل أنا أضعها من ذاتي . لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها " ( يوحنا 10 : 17 – 18 ) .

وقال : " إن ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدَم ، بل ليَخدِم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين " أو بالحري عوضاً عنهم ( مرقس 10 : 45 ) ، ( متى 20 : 28 ) .

وقال : " لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يُخَلِّص ما قد هَلَك " ( متى 18 : 11 ) .

وعندما شَبَّه نفسه بحبة الحِنطة قال : " وإن لم تقع حبة الحِنطَة وتَمُت فهي تبقى وحدها ، ولكن إن ماتت تأتِ بثمر كثير " ( يوحنا 12 : 24 ) مشيراً بذلك إلى أنه على أساس موته ستكون لكثير من الناس حياة أبدية ، أو بالحري سيكون موته موتاً كفارياً .

وعندما تحدث عن نفسه كالخبز النازل من السماء ليهب حياة أبدية للذين يتناولون
منه قال : " والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي ، الذي أبذله من أجل حياة العالم " ( يوحنا 6 : 51 ) . كما قال لتلاميذه مرة أن جسده سيُبذَل وأن دمه سَيُسفَك عنهم وعن كثيرين

( لوقا 22 : 19 ، 20 ) الأمر الذي يدل على أن موت المسيح لم يكن مجرد استشهاد – بل كان أولاً كفارة عن الخطاة ، لذلك أخبر أنه قد أتى من أجل هذه الساعة ( يوحنا 12 : 27 ).

7- شهادة رُسُل المسيح ( الحواريين )* عن موت المسيح فدية وكفارة :

أ. الفدية عند القديس بطرس الرسول :

" عالمين أنكم افتُدِيتُم لا بأشياء تفنَى ، بفِضَّةٍ أو ذهَب ، من سيرَتِكُم الباطِلَة الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوها من الآباء ، بل بِدَمٍ كَرِيْمٍ كما مِن حَمَلٍ بلا عَيْبٍ ولا دَنَسٍ ، دَمِ المَسيح ، معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالَم ، ولكن قد أُظهِر في الأزمِنَة الأخيرة من أجلكم " ( 1بط1: 18-20 ) " الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا
للبر " ( 1بط 2 : 24 ) .

 

 

ب- الفِديَة والكَفَّارة عند القِدِّيس يوحَنَّا الرَّسول :

" بهذا أُظهِرَت المحبَّة : أَنَّ ذاك ( الذي هو المسيح ) وضع نفسَه لأجلِنا " ( 1يو 3 : 16 ) ، وأيضاً : " في هذا هي المحبة ليس أننا أحببنا الله ، بل هو أحبَّنا وأرسل ابنه كفَّارة لخطايانا " ( 1يو 4 : 10 ) .

 

جـ- الفِديَة والكَفَّارَة عند القِدِّيس بولس الرسول :

قال بولس الرسول لأهل كورنثوس عن المسيح أنَّه : " مات من أجل خطايانا حَسَب
الكُتُب ( النَّبَوِيَّة ) " .

وقال أيضاً عنه : " وهو مات لأجل الجميع ، كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات لأجلهم وقام " . وأيضاً : " إن الله جعل ( المسيح ) الذي لم يعرف
خطية ( ذبيحة ) خطية لأجلنا لنصير نحن بِرَّ الله فيه " ( 1كو 15 : 3 ) ، ( 2كو 5 : 
15 – 21 ) .

فالمسيح لم يعرف خطية ، لكنه كان على الصَّليب حاملاً خطايا العالم .

وقال لأهل رومية : " فإنه بالجهد يموت أحد لأجل بار ، ربما لأجل الصالح يجسر أحد أيضاً أن يموت . ولكن الله بَيَّن مَحَبَّتَه لَنا ، لأَنَّه ونَحْنُ بَعْدُ خُطاة ، مات المَسيح
لأَجْلِنا " ( رو5 : 7 ، 8 ) .

وقال أيضاً : " مُتَبَرِّرين مَجَّاناً بنِعمَتِه بالفِداء الذي بيسوع المَسيح الذي قَدَّمَه الله
كَفَّارة " ( رو 3 : 24 ، 25 ) .

وأيضاً : " لأن الموت الذي ماته قد ماته للخطية مرة واحدة " ( رو 6 : 10 ) .

وقال لأهل كولوسي عن المسيح : " لأنه فيه سُرَّ أَن يَحِلّ كُلّ المِلء ( أي اللاهوت
كله ) وأن يصالح به الكُلّ لنفسه عاملاً الصُّلح بدم صليبه بواسطته "(كولوسي1 : 19 ،
20 ) .

كما قال لهم : " وإن كنتم أمواتاً ... أحياكم معه مسامحاً لكم بجميع الخطايا ، إذ محا الصَّك ( دَين الخطايا ) الذي علينا في الفرائض الذي كان ضداً لنا . وقد رفعه من الوسط مُسَمِّراً إياه على الصَّليب " ( كولوسي 2 : 13 ، 14 ) .

وقال لأهل أفسس عن المسيح : " الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غِنَى نِعمَتِه " ( أفسس 1 : 7 ) ، وأنه صالحنا " في جسد واحد مع الله بالصليب قاتلاً العداوة به "
( أفسس 2 : 16 ) . وأنه : " أسلم نفسه لأجلنا قرباناً وذبيحة لله رائحة طيبة " ( أفسس 5 : 2 ) .

وأنه : " أحب المؤمنين وأَسْلَمَ نفسه لأجلهم لكي يحضرهم لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غَضَن " ( أفسس 5 : 27 ) .

أما ( الغَضَن ) : هو التَّجَعُّد الذي يعلو الوجه عند الشيخوخة أو الإعياء . والمراد بالعبارة المذكورة أعلاه أن الله سيُحضِر المؤمنين الحقيقيين إليه كاملين كل الكمال ، بفضل كفارة المسيح الثمينة لأجلهم على الصليب ، وعمله الروحي في قلوبهم طوال وجودهم على الأرض .

وقال للعبرانيين عن المسيح : " لِكَي يذوق بنِعمة الله الموت لأجل كل
واحد " ( عبرانيين 2 : 9 ) . لأن المسيح عندما كان على الصليب ، كان يُمَثِّل كل إنسان في موقفه كمُذنِب أمام الله في الدينونة ، فحمل كل خطاياه من بداية حياته إلى آخرها ، الأمر الذي يعطي كُلَّ مؤمنٍ حقيقي الاطمئنان الكامل من جهة قبوله أمام الله على أساس كفارة المسيح . كما قال : " إنه أُظهِر مرة عند انقضاء الدهور ليُبطِل الخطية بذبيحة نفسه " ( عب 9: 26 ) . كما قال عنه : " فبعدما قَدَّم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله "
           ( عب 10 : 12 ) .

وأنه : " لكي يقدس الشعب بدم نفسه تأَلَّم خارج الباب " ( عب 13 : 12 ) ، أو بالحَرِيّ خارج باب المدينة حيث كانت تُحرَق الذبائح الكفارية عوضاً عن الخُطاة في العهد القديم . واقرأ الأصحاح التاسع من الرسالة إلى العبرانيين .

وقال لتلميذه تيموثاوس عن المسيح : " إنه بذل نفسه فدية لأجل الجميع "              ( 1تيموثاوس 2 : 6 ) لكي يفتدينا من كل إثم .

ويكفي أن بولس الرسول وهو اكبر لاهوتي في العالم - وبِآنٍ واحدٍ أكبر خاطيء – لما أدرك دقائق سِرّ الفِداء وفَهِم لغة الله وسمع دقات قلبه وشرح كل أعمال فدية الابن على الصليب ، أنه عبر عن الفداء بتسبحة أخذ يتغَنَّى بها طول حياته ( حتى استُشْهِد ) من ثلاث كلمات ونِصف ، تحوي كل سِرَّ اللاهوت : " أحَبَّنِي وأَسْلَمَ نَفْسَه لأجْلِي " ( غل 2 : 20 ) .

فالرسل ( الحواريون* ) بشهادتهم أن المسيح مات كفّارة عن البَشَر ، كانوا يُعلِنون لليَهود زوال فائدة الذَّبائح الحيوانية التي كانوا يقدمونها لله على أيدي كهنتهم ، مُؤكِّدين لهم أتها كانت مجرد رموز إلى كفارة المسيح . وبما أن هذه الشهادة كانت تثير هؤلاء الكهنة ضد الرُّسُل وتَدْفَعُهُم لشَنّ الاضطهاد عليهم ، لأن بامتناع اليهود عن تقديم الذبائح المذكورة يحرم الكهنة من موارد رزقهم .

وبما أنه لو لم يكن المسيح قد مات فعلاً كفارة عن البشر ، لَما كان قد خطر ببال الرُّسُل أن ينطقوا بمِثل هذه الشهادة ويُجمِعوا عليها ، لأنه ليس من المعقول أن يختلقوا ( وهم جماعة متباينة من الناس كما هو معروف ) موضوعاً لا حقيقة له ، وفي الوقت نفسه يتعرضون بسببه للاضطهاد والعذاب بل للموت . كما أنه على الرغم من تَهاطُل هذا وذاك عليهم يستَمِرُّون في إذاعته بكُل ما لديهم من قوة ونشاط ، لذلك لا بد أن شهادتهم عن موت المسيح كفارة شهادة صادقة .

جـ. الأدلة الكِتابية ( النَّقليَّة ) على تَفَرُّد الله بمهمة الفِداء :

1- شهادة التوراة :

أ- قال موسى النَّبي لله : " تُرشِد برَأفَتِك الشَّعب الذي فدَيته " ( خروج 15 : 13 ) . وقال موسى ايضاً لله : " اغفر لشعبك إسرائيل الذي فدَيت يا رب " ( تث 12 : 8 ) .

ب- وقال حزقيال الملك التَّقِيّ : " الرب صالح يُكَفِّر عن كُل مَن هَيَّأَ قَلبَه لطلب الله " ( 2أخبار أيام 30 : 18 ، 19 ) .

جـ- وقال أيوب عن الله : " فَدَى نَفْسِي من العُبور إلى الحُفرَة ، فترى حياتي
النّور " ( أيوب 33 : 28 ) .

د- وقال داود النبي : " الرب فادي نفوس عبيده " . وقال أيضاً : " إنما الله يفدي نفسي من يَد الهاوية " ( مز 49 : 15 ) . كما خاطَب نفسَه قائلاً عن الله : " الذي يفدي من الحُفرَةِ حياتَكِ ، الذي يُكَلِّلُكِ بالرحمة والرأفة " ( مز 13 : 4 ) ، لأنه : " إله خلاصي " ( مز 25 : 5 ) .

ولذلك خاطب الله بالقول : " معاصينا أنتَ تُكَفِّر عنها " ( مز 65 : 3 ) .

هـ- وقال الله للشعب الخاطئ : " ارجِع إلَيَّ لأَنِّي فَدَيْتُك " ( إش 44 : 22 ) .

و- وقال إشعياء النبي : " فادينا رب الجنود اسمه " (إش 47 : 4 ) . وقال
أيضاً : " الرب قد فدَى يعقوب " ( إش 44 : 23 ) . وقال الله عن نفسه : " إله بار
ومُخَلِّص ، ليس سواي " ( إش 45 : 21 ) . والبار هو العادل ، والمُخَلِّص هو الرَّحيم ،

ومِن ثَمَّ لا سبيل إلى الجمع بينهما ، إلا إذا قَبِل المُخَلِّص تَحَمُّل نتائج خطايانا عِوَضاً عَنّا تحقيقاً للعدالة . وإلا كان الخلاص رحمة لا سند لها من العدالة ، ومِن ثَمّ لا تكون ثابتة أو راسخة ، فرحمة الله لا تعني التنازل عن ثَمن خطايانا ، أو بمعنى آخر لا تعني تعطيل صفة العدل في الله .

2- شهادة الإنجيل :

أ- قالت العذراء مريم عن الله : " الله مُخَلِّصِي " ( لو1 : 47 ) ، قاصدة بذلك أنه المُخَلِّص لها من الخَطِيئة ، لأنه لم تكن لديها وقتئذٍ مشكلة دنيوية ترجو الخلاص منها .

ب- وقال زكريا عندما الهمه الله أن ابنه يوحنا سيعد الطريق أمام المسيح : " مبارك الرب لأنه افتقد وصنع فداءً لشعبه " ( لو 1 : 68 ) .

جـ- وقال بولس الرسول عن الله أنه " يفدينا من كل إثم " ( تيطس 2 : 14 ) ،
وأنه : " افتدانا من لعنة النَّاموس " ( غلاطية 3 : 13 ) ، وأنه : " يُكَفِّر الخطايا " ( عبرانيين 2 : 17 ) ، وأنه : " خَلَّصَنا ( من خطايانا ) ودعانا دعوة مقدّسة " ( 2تيموثاوس 1 : 9 ) . وأنه بمقتضى رحمته خَلَّصنا من خطايانا ( تيطس 3 : 5 ) .

د- وقال بطرس الرسول أن : " الذي مثاله يُخَلِّصنا " ( 1بط 3 : 21 ) .

هـ- وقال يوحنا الرسول عن الله أنه : " يُطَهِّرنا من كل إثم " ( 1يو 1 : 9 ) . والتطهير من كل إثم يتضمّن الخلاص منه .

و- وقال يهوذا عن الله أنه : " الإله الحكيم الوحيد مُخَلِّصنا " ( آية 25 ) .

ثانياً : لماذا الله ؟ ألا يصلح أى كائن آخر للقيام بعملية الفداء؟!

 

الأجابة : لقد أخطأ الإنسان الأول ، وكانت خطيته ضد الله وكانت البشرية في صُلب آدم في ذلك الوقت ( جزءاً منه ) ، فالحُكم الذي وقع على آدم : " يوم تأكل منها ( الشجرة ) موتاً تموت " ( تك 2 : 17 ) وقع على ذريته أيضاً ، بالإضافة إلى أن البشرية ورثت عن آدم الخطية* فالكل يخطئ ويتعَدَّى على وصايا الله** وهذا واقع ملموس ، فهذه كلها تعديات وعصيان من البشر ( آدم وذريته ) موجهة ضد الله ، والله غير محدود ، لذلك صارت خطايا البشر غير محدودة والخطايا غير المحدودة عقوبتها غير محدودة وإن قدمت عنها كفارة ينبغي أن تكون كفارة غير محدودة ...

عدل الله أن يموت الإنسان ( اي ينفصل عن الله ) " موتاً تموت " ( تك 2 : 17 ) ، ورحمة الله أن يحيا الإنسان ( الوجود مع الله ) لأنه ضحية الشيطان ( تك 3 : 1-6 ) ، كما قال القديس أثناسيوس . وصفات الله لا تنفصل ( فعدل الله مملوء رحمة ورحمة الله مملوءة عدلاً ) . إذا نظرنا لرحمة الله فقط نكون قد عطلنا صفة العدل ( حاشا ) لأن هذا لا يتفق وكمال الله ( حيث تتساوى الصفات ) .

ما الحل إذن ؟

كان لا بد لحكمة الله أن تتدخَّل لحل هذا الإشكال ...

وهكذا تدخل أقنوم الابن لحل الإشكال . والابن هو ( حكمة الله وقوة الله ) ( 1كو : 1: 24 ) . ويُسَمِّيه سفر الأمثال ( الحكمة ) ( أم 9 : 1 ) .. ويُسَمَّى الكلمة أو
اللوجوس ( العقل ) ( يو 1 : 1 ) .

 

كيف أمكن لحكمة الله حل هذا الإشكال ؟

كان الحل هو الكفارة والفداء ، لا بد أن يموت أحد عن الإنسان - فيفديه - لإنقاذه ، ولم يصلح لهذا الفداء أي كائن آخر ، غير الإنسان ذاته ... فلماذا ؟

 

لأن الحكم صدر ضد الإنسان , فيجب أن يموت الإنسان.

 

ولأن كل إنسان محدود، لا يمكن أن يقدم كفارة غير محدودة، توفي العقوبة غير المحدودة للخطية غير المحدودة..

كان الحل الوحيد هو التَّجَسُّد : أن ينزل أقنوم الكلمة إلى عالَمِنا مولوداً من امرأة ، فهو من حيث لاهوته غير محدود كإله ، يمكنه أن يقدم كفارة غير محدودة تكفي لمغفرة جميع الخطايا لجميع الناس ، في جميع الأجيال . وهو من حيث ناسوته يمكنه أن ينوب عن الإنسان المحكوم عليه . ينوب عنه في دفع ثمن الخطية* .

من أجل هذا السبب كان السيد المسيح يتعمَّد أن يسَمِّي نفسه : " ابن الإنسان " في كثير من المجالات ... هذا إذن هو السبب الأساسي لولادة المسيح من العذراء ومن الروح القدس حَتَّى لا يحمل في جسده خطية بل ليحمل خطِيَّتنا . ويموت عنها ، لينقذنا من عقوبتها …

 

 

الفداء في الإسلام

 

يقول فضيلة الشيخ د. أحمد الشرباصي* : " والقرآن الكريم هو أساس الإسلام ودستوره ، وهذا الكتاب الإلهي المجيد يلفت أبصارنا وبصائرنا إلى وجود التضحية والفداء منذ مطلع الخليقة ، فهو يحَدِّثنا في سورة ( المائدة /27 ) :

" وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ "

وفي القربان هنا معنى التضحية والفداء ، لأن القربان هو ما يتقَرَّب به الإنسان إلى الله ، وصار في التعارف اسماً للنسيكة ، أي الذبيحة ، وجَمْعُه قرابين .

(الفداء في الإسلام للدكتور أحمد الشرباصي – ص 17 – مصدر سابق)

 

وجاء في تفسير ابن كثير : ثم المشهور عند الجمهور أن الذي قَرَّب الشاةَ هو
هابيل ، وأن الذي قَرَّب الطعام هو قابيل ، وأنه تُقُبِّل من هابيل شاته ، حتى قال ابن عباس وغيره : إنه الكبش الذي فُدِيَ به الذَّبيح** ، وهو مناسب والله أعلم ( ولم يتقبل من قابيل ) .

  كذلك نَصّ عليه غير واحد من السَّلَف والخَلَف ، وهو المشهور عن مجاهد أيضاً ، ..

(تفسير ابن كثير – سورة المائدة – المجلد الثالث – ص 79 – طبعة دار الشعب 8أجزاء (تحقيق عبد العزيز غنيم – محمد أحمد عاشور – محمد إبراهيم البنا)

 

وذكر السدي في تفسيره عن مشايِخِه بأسانيده ....

فَقَرَّبَ قابيل حِزمة من زرع وكان صاحب زرع ، وقَرَّب هابيل جذعة سمينة وكان صاحب مواشٍ ، فنزلت نارٌ فأكلت قربان هابيل دون قابيل ، وكان ذلك سبب الشَّر بينهما ، وهذا هو المشهور .

(فتح الباري بشرح صحيح البخاري للعسقلاني – باب : خلق آدم وذريته – الجزء التاسع – العدد 90 – ص 597 – حديث 3335 – دار الغد العربي للنشر – توزيع الأهرام – 1994م)

 

 فكان هابيل أول إنسان من أولاد آدم تقرب إلى الله بذبيحة . فقَبِله تعالى ورضي
عنه . وأما قايين أخوه ، فلما أراد أن يتقرب بغير ذبيحة أي حِنطة ( زرع ) رفضه الله مع تقدِمَته . فكانت الذبيحة للإنسان البِدائي درس عملي فيه يعرف أنه بدون سفك دَم لا تحصل مغفرة .

وجاء في ( الصافات /107 ) : " وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ*** عَظِيمٍ " .

يقول الإمام البيضاوي في تفسيره لكلمة " عظيم " : عظيم الجُثّة سمين أو عظيم
القَدر
، لأن الله فدَى به نبياً .

(تفسير البيضاوي – سورة الصافات – تحقيق الشيخ عبد القادر عرفات – دار الفكر – بيروت)

 

ومن تفسير المُنتَخَب للآية : وفديناه بمذبوح عظيم القَدْر لكونه بامر الله
تعالى .              
(تفسير المنتخب – سورة الصافات – الطبعة 18 – مؤسسة الأهرام)

 

وقال الشيخ الشرباصي : أي جعلنا هذا المذبوح فداءً له ، وخَلَّصناه به من الذَّبح .

ويقول فضيلته : فقد رأى إبراهيم في نومه انه يذبح هذا الابن العزيز الغالي ، ورؤيا الأنبياء جزء من وحي الله تعالى إليهم .

(الفداء في الإسلام – فضيلة د. أحمد شرباصي – ص 16 ، 29 – مصدر سابق)

 

ثم يتكلم القرآن عن ذبيحة موسى ( البقرة / 67-73 ) ، وذبيحة إيليا ( آل عمران /183 ) ، وذبيحة الأضحى ( البقرة /195 ) ، ( الحِجّ/28 ، 36 ، 37 ) .

 

يقول فضيلة الشيخ مخلوف من ضمن ما قال عن الحكمة في مشروعية الأضحية :

" .. وتذكير المسلمين بالذِّبح العظيم " . (جريدة الأهرام – 15/8/1986م)

 

ويقول فضيلة د. الشرباصي : " وكأن القرآن الكريم يريد بهذا الحديث المتعدد المواطن أن يشيع فينا جو الفداء وذِكر الفِداء . وإذا كان القرآن لم يذكر مادة " التضحية " فإنه أشار إليها بكامة " النَّحر " وهو الذَّبح ، ولا يتحقق الذبح إلا بذبيحة ، وتقديمها تضحية وفداء ، فقال في سورة الكوثر/2 : " فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ " ، وجاء في الحديث الشريف : " إن على
كل أهل بيت اضحية كل عام
" .
         (الفداء في الإسلام – ص 18 – مصدر سابق)

 

وفي السُّنّة جاء الآتي :

روى البخاري ومسلم عن أنس قال : " ضحّى رسول الله ( ص ) بكبشَين أملحَين أقرَنَين ، ذبحهما بيده وسَمّى وكَبَّر ووضع رجله على صفحاتهما " . وبحديث أبي رملة بن مخنف قال : قال رسول الله ( ص ) ونحن وقوف معه بعرفات " يا أيها الناس إن على
كل أهل بيت في كل عام أضحية ... " [ رواه أبو داود والترمذي والنّسائي وغيرهم . وقال الترمذي حديث حَسَن ] .

وجاء في صحيح البخاري ومسلم أن النبي ( ص ) " ضَحّى في منى عن نسائه
بالبقر " . وجاء عن النبي ( ص ) : " ضحى بكبشين وقال : اللهم تقبل من محمد وآل
محمد " .

وعن عائشة قالت : " أن النبي ( ص ) ضحى عن نسائه بمنى في حجة
الوداع " . [ رواه البخاري ومسلم ] .



* القرآن لم يحدد مَن هو الذَّبيح ، والأحاديث بهذا الشأن ضعيفة او موضوعة ( فضيلة د. علي عبد الواحد وافي – جريدة الأخبار – 14/8/1987م ) .

*   هكذا يُسَمِّيهم القرآن – ووصفهم بالإيمان وبأنهم أنصار الله ( الصَّف/14 ) ، ( آل عمران/52 ) ، ( المائدة/111 ) – قال البيضاوي في تفسيره لكلمة " الحواريون " ( آل عمران/52 ) : حواري الرجل خاصَّته من الحَوَر وهو البياض الخالص ، ... سُمِّيَ به أصحاب عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام لخلوص نيتهم ونقاء سريرتهم . وفي الإسلام قيل عن بعض الصَّحابة المقربين المخلصين أنهم حواري النبي ( ص ) . وفي معاجِم اللغة " الحواري " هو النَّصير ( وقال محمد بن السَّائب أنه الخليل أو الحميم ... وهو ناصر الأنبياء ) . وفي معجم ألفاظ القرآن الكريم ( الحواري الخالص المُنَقّى من كل شيء ، وشاع استعماله في الخُلَصاء للأنبياء ) .

[ انظر تفسير البيضاوي – وانظر أيضاً " محمد والصّحابة " – دار سينا للنشر . وقد أخذ عن القاموس المحيط للفيروز آبادي - معجم ألفاظ القرآن الكريم إعداد مجمع اللغة العربية ] .

* قال الأستاذ العقاد ردّاً على الذين اتهموا الرسل ( الحواريين ) بالكذب : " ... لكننا نعتقد أن التاريخ الصحيح يَأبَى هذا الاتهام لأنه أصعب تصديقاً من القول بان أولئك الدُّعاة أبرياء من تَعَمُّد الكَذِب والاختلاق ، فشتان عمل المؤمن الذي لا يبالي الموت تصديقاً
لعقيدته ، وعمل المحتال الذي يكذب ويعلم أنه يكذب وأنه يدعو الناس إلى الأكاذيب ، مثل هذا لا يُقدِم على الموت في سبيل عقيدة مدخولة وهو أول مَن يعلم زيفها وخِداعها ، وهَيهات أن يوجد بين الكَذَبَة العامدين مَن يَستَبسِل في نشر دينه كما استبسل الرسل المسيحيون ( الحواريون ) . فإذا كان المؤرخ الصادق يأخذ بأقرب القولين إلى التصديق ، فأقرب القولين إلى التصديق أن الرُّسُل لم يكذبوا فيما رَوَوه وفيما قالوا أنهم رأوه أو سمعوا مِمَّن رآه ... " . [ عبقرية المسيح – ص 157 ] .

*  جاء في  في جامع الترمذي , في ثلاثة مواضع باب (سورة الأعراف )- ج 2 – ص 180 عن ابي هريرة قال (ص) : ".. فجحد آدم فجحدت ذريته , ونسي فنسيت ذريته , وخطئ آدم فخطئت ذريته . وقال أبو عيسي الترمذي حديث حسن صحيح . وللحديث اصل في الصحيحين انظر الأتحافات السنية في الأحاديث القدسية - الشيخ العلامة محمد المدني حديث رقم (50) – المكتبة الأزهرية للتراث- دار الغد العربي القاهرة .  

**  جاء في الصحيح : " كل ابن آدم خَطّاءون " ( اللواء الإسلامي 9/6/1983 ) .

*  قد يقول البعض : هل خطية آدم تستلزم تجسد الكلمة وإهانته وصًلبُه ؟ ألم يكن الله قادراً أن يتوب عليه دون كل ذلك ؟

أولاً : نرُد بقول الدكتور عبد المتعال الجبري : " المعصية لله كبيرة مهما كان ما عُصِيَ فيه من القيمة المادية " ، وكما قال الإمام الغزالي :" لا تنظر إلى عظمة أونوع المعصية ولكن إلى قيمة مَن تعصاه وعظمته " . [ كتاب شطحات مصطفى محمود في التفسيرات العصرية للقرآن الكريم – ص 112 ، 208 – دار الاعتصام – رقم الإيداع 5580/1976 – الترقيم الدولي  ISBN 7065-59-0 ] .

وبناءاً على هذا الكلام تكون خطية آدم عظيمة ( غير محدودة ) لأن عظمة الله غير محدودة – فإذا قدمت كفارة يجب أن تكون غير محدودة ، وهذا الأمر هو الذي استلزم تجسد الكلمة وقيامه بالفداء .

ثانياً : لابد من إيفاء عدل الله كما أوضحنا – فالله رحيم وعادل في نفس الوقت ، وليس رحيماً فقط .

*  المرحوم فضيلة د. احمد الشرباصي كان أستاذاً بجامعة الأزهر .

**  قال بذلك أيضاً السيوطي حيث قال في تفسير ( الصافات/107 ) : ( بذبح ) هو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه . أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس . [ مفحمات الأقران في مبهمات القرآن للسيوطي – ص174 – تحقيق آباد خالد الطباع – مؤسسة الرسالة – بيروت – ص.ب : 7460 – الطبعة الثانية 1409هـ - 1988م ] .

***  يلاحظ أنه لم يذكر أن الذبيحة حيوان – فلم يقل مثلاً وفديناه بكبشٍ عظيم .

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق