الإجابات الشرعية التي صَدَرَتْ عن المرجعيات الدينية المعتبرة لعلماء المذهب الشيعي الإمامي (مدينة قم) العلمية
السؤال الأول: ما هى عقيدة الشيعة الإمامية الجعفرية في الله تعالى وتوحيده وما معنى البداء الذى ينسبونه إلى الله تعالى؟
هذا السؤال يشتمل على فقرتين:
الجواب:
الفقرة الأولى: عقيدة الشيعة الإمامية في الله تعالى وفي توحيده.
إن عقيدة المسلمين الشيعة الجعفرية الإثنا عشرية هى عقيدة التوحيد الحنيف التي تركنا عليها رسول الله (r) على المحجة البيضاء.
وهى أننا نؤمن بالله الواحد الأحد الفرد الصمد الذى لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له كفواً أحد.
وأنه سبحانه متصف بكل كمال يليق بذاته جل وعلا، لا شبيه له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله والقول الفصل قوله تعالى:
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)([1]).
وأنه سبحانه المتفرد بالعبادة والخلق والرزق والإيجاد والإماتة والإحياء والمنع والعطاء، فمن اعتقد أن لله شريكاً في هذه الأفعال فهو كافر مشرك والعياذ بالله، وأن طريق معرفته سبحانه إنما يكون بالنظر والتفكر في آلائه ومخلوقاته وليس بالخوض في ذاته وصفاته.
قال الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): في الحث على معرفة الله تعالى والتوحيد له:
(أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفته توحيده، ونظام توحيده نفي التشبيه عنه، جل عن أن تحله الصفات، لشهادة العقول أن كل من حلته الصفات مصنوع، وشهادة العقول أنه جَلَّ جلاله صانع ليس بمصنوع، بصنع الله يستدل عليه، وبالعقول تعتقد معرفته، وبالنظر تثبت حجته جعل الخلق دليلاً عليه فكشف به عن ربوبيته، هو الواحد الفرد في أزليته لا شريك له في إلوهية، ولا ند له في ربوبيته، بمضادته بين الأشياء المتضادة علم أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأمور المقترنة عُلم أن لا قرين له).
وقال الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه (رضى الله عنه) (م386 هـ ق) وهو من أكابر علماء الشيعة:
ومن نسب إلى الإمامية غير ما وصف في التوحيد فهو كاذب، وكل خبر يخالف ما ذكرت في التوحيد فهو موضوع مخترع، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو باطل".
هذه هى عقيدة الإمامية في توحيد الله المجمع عليها عندهم على سبيل الإيجاز والاختصار مما هو مبسوط في أمهات كتبهم، مثل الخطبة الأولى للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في نهج البلاغة([2]).
الجــواب عن شبهة البكاء:
يقال: إن الشيعة يقولون بالبداء في حق الله تعالى: فما هو البداء؟ البداء هو نسخ أو تغيير أو تبديل لأمر قضاه الله تعالى على عبدٍ من عباده، لسبب أو عمل علمه الله تعالى أزلاً: مثل: الإغناء بعد الافتقار، والإسعاد بعد الإشقاء، والمعافاة بعد الإمراض، التوسعة في الرزق بعد التقتير، بأسباب توجب ذلك وأعمال تقتضيه، وكل ذلك كان في علم الله تعالى...الخ.
وهذا المعنى لا يتعدى مفهوم قوله تعالى: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)([3])، كما قال تعالى: (...وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ)([4]).
والبداء يتصور في مقامين:
1- البداء ثبوتاً:
البداء في مقام الثبوت أي في مقام الواقع وتغيير المقدرات بأسباب خاصة، البداء ثبوتاً هو إمكان أن يبدل الله ما قدره لعبد من مرض أو موت أو مصيبة بشفاء واستمرار حياة وسعادة بسبب عمل صالح عمله العبد، كدعاء أو صدقة أو صلة رحم، وكذلك بالعكس، إذ ليس ما قدر، تقديراً محتوماً غير قابل للتغيير والتبديل، والله قادر على التغيير.
والبداء بهذا المعنى، أصل تربوي يبعث في الإنسان روح العزيمة على إصلاح حاله في المستقبل، إذا كانت سيئة فيما مضى، فهو كأنه مصباح رجاء ينير الطريق له، ليسلك طريق الصلاح، بعد ما كان سالكاً طريق الهلاك حتى يبدو له غيره.
فالقائل بالبداء وإن في مقدرته طلب تبديل ما قدر من الله بعمله الصالح، إنسان راج يبعثه رجاؤه إلى العمل الصالح ملبياً قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)([5]).
2- البداء إثباتاً:
المراد من وقوع البداء إثباتاً هو إمكان إخبار النبي أو الولي عن حادث أو أمر في المستقبل بتعلم وإخبار من الله لوجود المقتضى لها، ولكنه لم يقع لأجل وجود المانع عن تأثير المقتضى، فيكون المخبر صادقاً في إخباره لوجوده في لوح المحو والإثبات، غير أن النبي (r) حسب المصالح لم يكن واقفاً على المانع الذي يمنع عن تأثير المقتضى، فربما يخبر الله نبيه بالتقدير الأول، ولا يخبره بالتقدير الثاني الذى خصه الله في علمه، كما أمر إبراهيم (عليه السلام) بالذبح ولم يخبره حينئذ بالفداء والانصراف عن الذبح، ونظيره إخبار يونس (عليه السلام) عن نزول العذاب ومع ذلك لم ينزل، لأن قومه تابوا عن ذنوبهم فصار هذا مانعاً من نزول العذاب.
توضيح ذلك: أن لله سبحانه في مقام علمه الفعلي لَوْحيْن (التعبير باللوح من باب التشبيه) أي ما قدر الله على الخلق يكون على قسمين:
القسم الأول: اللوح المحفوظ والقضاء المحتوم الذى لا يتطرق إليه التغيير، فيرجع إلى الحقائق الثابتة التي أخبر بها الكتاب الكريم والسنة النبوية غير قابلة للتبديل، نظير قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)([6])، وقد أشار إليه سبحانه بقوله: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)([7]).
القسم الثاني: لوح المحو والإثبات والقضاء غير المحتوم، فهو عبارة عن كل تقدير يرجع إلى سعادة الإنسان وشقاوته فرداً أو قوماً قابلاً للتبديل حسب ما تتعلق به إرادته تعالى فيكتب فيه التقدير الأول، وهو وإن كان بظاهره مطلقاً وظاهراً في الاستمرار ألا أنه مشروط فإذا تغيرت الشروط انتهى أمر التقدير الأول وحان وقت التقدير الثاني، وإلى هذا اللوح أشار سبحانه بقوله: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)([8]).
وقد وردت كلمة البداء صراحة في صحيح البخاري في حديث الثلاثة: عن أبي هريرة أنه سمع النبي (r) يقول: "إن ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى "بدا لله أن يبتليهم" فبعث إليهم ملكاً، فأتى الأبرص، فقال: أي شئ أحب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن، قد قذرني الناس، قال فمسحه، فذهب عنه، فأعطى لونا حسناً وجلداً حسناً.. إلى آخر الحديث"([9]).
لاشك أن إطلاق البداء على الله سبحانه بالمعنى اللغوى، (إخباره بشئ ثم يظهر له خلافه) غير صحيح، ووصفه سبحانه به إنما هو من باب المشاكلة، وهو باب واسع في كلام العرب، فإنه سبحانه يعبر عن فعل نفسه في بعض الوارد بما يعبر به الناس عن فعلهم، وما ذلك إلا لأجل المشاكلة الظاهرية بين الفعلين، وإليك نماذج من هذا النوع من الاستعمال:
يقول سبحانه: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ)([10]). فنسبة الخدعة إلى الله كناية عن إبطال خدعتهم ومكرهم.
والبداء في الحقيقة هو إظهار من الله للناس شيئاً كانوا يعلمون خلافه، ولكنه يتوسع كما يتوسع في غيره من الألفاظ ويقال: بدا لله والمقصود أن الله أبدى لهم وأظهر ما كان خفي عنهم.
وبذلك يعلم أن النزاع في البداء أمر لفظي لا معنوي، وأن الفريقين متفقان على البداء ثبوتاً وإثباتاً، والذى صار سبباً لإنكار البداء والطعن على الشيعة به هو تصور أن المراد منه هو الظهور بعد الخفاء لله تبارك وتعالى عما يقول الظالمون، وقد عرفت أن المراد هو الإظهار بعد الإخفاء وأن إطلاق البداء في المقام من باب المشاكلة، فالبداء في عالم التكوين كالنسخ في عالم التشريع، فما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، إنما هو في علم الله تعالى قبل أن يخلق الخلق.
أما القول بأن البداء هو ظهور علم جديد لله تعالى لم يكن يعلمه فهو الكفر بعينه والعياذ بالله، ولا يقول به مسلم من الشيعة والسنة، يقول الإمام الصادق (ع).
"من زعم أن الله تعالى بدا له في شئ بداء ندامة فهو عندنا كافر بالله العظيم"([11]).
وقال (ع):
"من زعم أن الله تعالى بدا له في شئ ولم يعلمه أمس فإنني أبرأ منه"([12]). لأنه خلع ربقة الإسلام عن عنقه.
هذا ما نص عليه علماء الشيعة الأعلام، مثل الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي (رحمه الله) في اعتقادات الإمامية([13])، والشيخ العلامة كاشف الغطاء (رحمه الله) في أصل الشيعة وأصولها([14])، والسيد الخوئي رحمه الله وغيرهم من أعيان الإمامية([15]).
وعن أبي عثمان النهدي أن عمر بن الخطاب كان يطوف بالبيت وهو يبكى ويقول:
"اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة والذنب فأمحني وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة فأنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب"([16]).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: سمعت النبي (r) يقول: "من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في اثره فليصل رحمه"([17]).
وقد ورد في الحديث قوله (r):
"لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر"([18]).
([2]) نهج البلاغة الخطبة الأولي: "الحمد لله الذي لا يبلغ مدحه القائلون، ولا يحصي نعمائه العادون، ولا يؤدي حقه المجتهدون، الذي لا يدركه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حد محدود، ولا نعت موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل ممدود. فطر الخلائق بقدرته ونشر الرياح برحمته، ووتد بالصخور ميدان أرضه. أول الدين معرفته وكمال معرفته التصديق به وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزاه، ومن جزَّاه فقد جهله ومن جهله فقد أشار إليه، ومن حدَّه فقد عدَّه، ومن قال "فيم" فقد ضمنه، ومن قال "علام؟" فقد أخلي منه. كائن لا عن حدث موجود لا عن عدم. مع كل شيء لا بمقارنة وغير كل شيء لا بمزايلة".
([9]) صحيح البخاري، ج2، ص382 كتاب أحاديث الأنبياء، كذلك انظر: صحيح البخاري، ج2، ص171، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، دار طوق النجاة الأولى، 1322 هـ ق؛ المتقي الهندي، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، ج3، ص739.
([16]) القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وأي الفرقان، ج9، ص33، دار الكتب المصرية، القاهرة، الثانية، 1382هـ1962م.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق