اختلاف الصحابة و السلف فلماذا لا نعذر بعضنا

 اختلاف الصحابة والسلف الصالح

لم يصل إلى التنازع والافتراق

اختلف الصحابة – رضي الله عنهم – بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسائل مهمة وأمور وأحكام كثيرة ، لكن اختلافهم كان ينتهي ( على مقتضى الكتاب والسنة ) إما بالإجماع أو العمل على ما يترجح ، أو يفصل في الأمور الخليفة ، أو أهل الحل والعقد ، أو يبقى الخلاف سائغاً ، وفي ذلك كله لم يصل الأمر عندهم إلي حد التنازع في الدين ، ولا الافتراق والخروج على الجماعة ، ولم يبغ بعضهم على بعض .

فقد اختلفوا في موت الرسول صلى الله عليه وسلم ، وانحسم النزاع بموقف أبي بكر وقوله : ( من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ) ، وتلا قوله تعالى : { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ }(آل عمران: من الآية144)

وبعد هذا النزاع [1]سلم الجميع لقضاء الله –سبحانه وتعالى –

ثم حدثت قصة السقيفة ، وتنازع الصحابة فيمن يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في إمامة المسلمين ، وانتهى النزاع واجتمعت الكلمة على أبي بكر – رضي الله عنه -[2] .

ثم اختلفوا في جيش أسامة هل يسيرونه أو لا ؟ وانتهى النزاع بعزم أبي بكر –رضي الله عنه – أمير المؤمنين –على إنفاذه[3].

ثم تنازعوا في مانعي الزكاة من أهل الردة ، وحسم النزاع بعزمة أبي بكر – رضي الله عنه – على قتالهم [4] ورجوع بقية الصحابة الذين كانوا خالفوا إلى قوله وموافقتهم له .

ثم إن الغالبية العظمى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشاركوا في صفين والجمل ، فإن الفتنة لما حدثت بعد مقتل عثمان – رضي الله عنه – اعتزلها أكثرُ الصحابة ، وما حضرها منهم إلا القليل ، والذين حضروا كانوا مجتهدين ، وما كانوا يريدون القتال إنما قصدهم الإصلاح ، بخلاف من دونهم من أهل الأهواء : السبئية – الخوارج والشيعة – فإنما هم أصحاب أهواء وفتنة ، وهم الذين تسببوا في القتال وحملوا الصحابة عليه .

قال عبد الله بن الإمام أحمد : ( حدثنا أبي ، حدثنا إسماعيل يعني ابن علية ، حدثنا أيوب السختياني ، عن محمد بن سيرين ، قال : هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف ، فما حضرها منهم مائة ، بل لم يبلغوا ثلاثين ) [5].

قال شيخ الإسلام : ( وهذا الإسناد من أصح إسناد على وجه الأرض ) [6] .

وقد جمع الله شمل الأمة بعد الفتنة بتنازل الحسن بن علي – رضي الله عنه – عن الخلافة لمعاوية – رضي الله عنه – عام الجماعة ( 41 هـ ) ، وقد ضاق أهل الأهواء – ولا يزالون – ذرعاً بهذا الصلح العظيم .

ثم إن الصحابة الذين اجتهدوا وشاركوا في تلكم الأحداث قليل ، ودعوى أن عامة الصحابة شاركوا ليست صحيحة ، وهي من افتراءات الإخباريين ، وأوهام الناس فقد أخرج الخلال في السنة بالسند السابق ، قال ( قرئ على عبد الله بن أحمد ، قال : حدثني أبي ، قال : ثنا إسماعيل قال : ثنا أيوب عن محمد بن سيرين ، قال : هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلف فما حضر فيها مائة بل لم يبلغوا ثلاثين ) [7] .

وقال : ( قرئ على عبد الله بن أحمد ، قال : حدثني أبي قال : ثنا سفيان ، قال ثنا منصور بن عبد الرحمن ، قال : قال الشعبي : لم يشهد الجمل من أصحاب النبي – عليه السلام – غير عليّ وعمار وطلحة والزبير فإن جاوزوا بخامس فأنا كذاب )[8] .

 

وربما كان يقصد بعض مشاهد الجمل ، إذ قد حضرها الحسن والحسين وعائشة – رضي الله عنهم أجمعين - .

 

وقال شيخ الإسلام : ( ولهذا لم تحدث في خلافة عثمان بدعة ظاهرة ، فلما قتل وتفرق الناس حدثت بدعتان متقابلتان :

بدعة الخوارج المكفرين لعلي ، وبدعة الرافضة المدعين لإمامته وعصمته ، أو نبوته أو إلاهيته .

   ثم لما كان في آخر عصر الصحابة ، في إمارة ابن الزبير وعبد الملك ، حدثت بدعة المرجئة والقدرية ، ثم لما كان في أول عصر التابعين في أواخر الخلافة الأموية حدثت بدعة الجهمية المعطلة والمشبهة الممثلة،ولم يكن على عهد الصحابة شيء من ذلك ) [9]

والذين بقوا من الصحابة بعد ظهور الفرق لم يقع من أحد منهم افتراق ، ولا بدع مخرجة عن السنة ، بل كانوا إلباً على اأهواء والبدع .

كذلك كان التابعون وتابعوهم وسائر السلف الصالح والحمد لله على توفيقه .

ويقول ابن القيم : ( وقد تنازل الصحابة – رضي الله عنهم – في كثر من مسائل الأحكام وهم سادات المؤمنين وأكمل الناس إيماناً ، ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال ) [10] .

 

كذلك بدع التأويل للصفات والغيبيات الأخرى ، لم تحدث في عهد الصحابة ولا منهم ، فإن جميع ما في القرآن والسنة ، من نصوص الصفات لم يحدث عن الصحابة تأويل لها على نحو ما فعل أهل الكلام ، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه طالع التفاسير المنقولة عن الصحابة وما رووه من الحديث في أكثر من مائة تفسير ، ولم يجد عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئاً من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف ، بل ثبت عنهم ما يخالف كلام المتأولين مالا يحصيه إلا الله [11].

وكل المسائل التي تنازع فيها الصحابة كانت من قبيل الاجتهادات والأحكام ولم تؤد إلى الفرقة ولا المنازعة بينهم .

ومع أن الفرق الأولى ( الشيعة والخوارج ثم القدرية ) نشأت في عهد الصحابة إلا أنهم كانوا خصومها كلهم ، ولم يكن أحد منهم يتهم بشيء من الأهواء ( حاشاهم ) ومن زعم شيئاً من ذلك فقد افترى .

فالصحابة لم يحدث منهم افتراق ولا بدع ، فلم يحدث من أحد منهم أن قال ببدعة أو فارق الجماعة ، ولم يكن أحد منهم من أهل البدع المشهورة ( كالخوارج والروافض والقدرية والمرجئة ) , فضلاً عن الجهمية والمعتزلة وأهل الكلام وقد حدثوا من بعدهم [12] .

كما أن الصحابة لم يكفر أحد منهم الآخر ، بل كانوا يعذر بعضهم بعضاً فيما اختلفوا فيه ، ولما حدثت الفتنة وانحاز بعض الصحابة إلى علي ، وآخرون إلى معاوية – رضي الله عنهم – لم يوجب ذلك عداوة بينهم ولم يكفر بعضهم بعضاً، ولم يكفر أحد منهم مخالفيه لا من الصحابة ولا من غيرهم .

 

[1]  - انظر منهاج السنة ، ( 6 / 323 ) .

 

[2]  - انظر منهاج السنة ( 6 / 325 ) ، والبداية والنهاية ( 6 / 245 – 250 ) .

 

[3]  - انظر البداية والنهاية ، لابن كثير ( 6 / 304 – 305 ) .

 

[4]  - المرجع السابق ، ( 6 / 311 ) .

 

[5]  - منهاج السنة ، ( 6 / 236 ) ، والسنة للخلال ( 1 / 446 ) .

 

[6]  - منهاج السنة ، ( 6 / 236- 237 ) .

 

[7]  - السنة للخلال ( 2 / 466 ) ، وقال المحقق : ( إسناده صحيح ) .

 

[8]  - السنة للخلال ( 2 / 466 ) ، وقال المحقق : ( إسناده صحيح )

 

[9]  - منهاج السنة ، ( 6 / 231 ) .

 

[10]  - إعلام الموقعين ( 1 / 71 ) .

 

[11]  - انظر الفتاوى ( 6 / 394 ) .

            

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق