إثبات الوصية لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب


               العقد الثمين في إثبات وصاية أمير المؤمنين
                                 تأليف
القاضي الحافظ الضابط المحدث شيخ الإسلام محمد بن علي بن محمد الشوكاني
اليماني الصنعاني المتوقي بمدينة صنعاء في جمادى الآخرة 1250 هجرية
  عن ست و سبعين سنة و سبعة أشهر من مولده رحمه الله تعالى
                 و إيانا و المؤمنين جميع آمين
                                  تنبيـــــــــــــه
كتب المؤلف شيخ الإسلام الشوكاني في ظاهر هذه النسخة التي بخطه من هذه الرسالة  ما نصه
  "لم اذكر في هذه الرسالة الأحاديث التي في كتب أهل البيت عليهم السلام و لا التي في كتب الشيعة بل اقتصرت على ما في كتب المحدثين لإقامة الحجة على الخصم بما هو صحيح عنده فليعلم ذلك "
انتهى ما كتبه بلفظه و حروفه
و كتب هذا محمد بن محمد بن يحي زبارة الحسني الصنعاني غفر الله له و للمؤمنين آمين

مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
 و به الإعانة
أحمدك  لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك و أصلي و اسلم على ر رسولك و آله الأكرمين
و بعد فانه سألني بعض آل الرسول صلى الله عليه و اله و سلم  الجامعين بين  فضيلة العلم و الشرف من سكان المدينة المعمورة بالعلوم مدينة زبيد عن إنكار عائشة أم المؤمنين ( رضي الله عنها ) زوج النبي صلى الله عليه و اله و سلم لصدور الوصية من رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم لما ذكروا عندها أن أمير المؤمنين عليا عليه السلام كان وصيا لرسول الله صلى الله عليه و اله و سلم  و هذا ثابت من قولها في الصحيحين و النسائي عن طريق الأسود بن يزيد بلفظ  متى أوصى ؟
و قد كنت مسندته إلى صدري فدعا بطست فلق انخنث في حجري وما شعرت انه مات فمتى أوصى إليه ؟
و في رواية عنها أنها أنكرت الوصية مطلقا و لم تقيد بكونها إلى علي عليه السلام فقالت  و متى أوصى و قد مات بين سحري  و نحري
لا يحتج بقول صحابي يعارض حديث النبي صلى الله عليه و اله و سلم
و لنقدم قبل الشروع في الجواب مقدمة ينتفع بها السائل
فنقول ينبغي أن يعلم :
أولا إن قول الصحابي ليس بحجة, و إن المثبت أولى من النافي , و إن من علم حجة على من لم يعلم , و إن الموقوف لا يعارض المرفوع  على فرض حجيته و هذه الأمور قد قررت في الأصول .
و نيطت بأدلة تقصر عن نقضها أيدي الفحول . و إن تبالغت في الطول
و يعلم ثانيا ا نام المؤمنين رضي الله عنها كانت تسارع إلى رد ما خالف اجتهادها , و تبالغ في الإنكار على راويه  كما يقع مثل ذلك للمجتهدين  و تتمسك تارة بعموم لا يعارض  ذلك المروي كتغليظها لعمر رضي الله عنه لما روى مخاطبته  صلى الله عليه و اله و سلم لأهل قليب بدر  و قوله عند ذلك  يا رسول الله إنما تخاطب أمواتا  فقال له " ما انتم باسمع منهم " فردت هذه الرواية عائشة بعد موت عمر و تمسكت بقوله تعالى  ( و ما أنت بمسمع من في القبور )  و هذا التمسك غير صالح لرد هذه الرواية من مثل هذا الصحابي  و غاية ما فيه بعد تسليم صدقه على أهل القليب  انه عام و حديث  و حديث إسماعهم خاص  و الخاص مقدم على العام  و تخصيص عموميات  القران بما صح من أحاد السنة  هو مذهب الجمهور
و تارة تتمسك بما تحفظه كقولها لما بلغها رواية عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم  بلفظ  إن الميت ليعذب ببكاء أهله  "  فقالت يرحم  الله عمر ما حدث رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم  إن الميت ليعذب ببكاء أهله  و لكن قال " إن الله ليزيد الكافر عذابا  ببكاء أهله عليه  " ثم قالت حسبكم القران  ( و لا تزر وازرة وزر أخرى  ) أخرجه الشيخان و النسائي و في رواية  انه ذكر لها أن ابن عمر يقول إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه فقالت  يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما انه لم يكذب لكنه نسي أو خطئ إنما مر رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم  على يهودية يبكى عليها  فقال " أنها ليبكى عليها و أنها لتعذب في قبرها "  أخرجه الشيخان و مالك و الترمذي و النسائي و قد ثبت هذا في الصحيح في صحيح لبخاري و غيره من طريق المغيرة بلفظ " من ينح عليه يعذب بما نيح عليه  "  فهذا الحديث قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم من طريق ثلاثة من الصحابة ثم إن عائشة رضي الله عنها  ردت ذلك متمسكة بما تحفظه  و بعموم القران الكريم  و أنت تعلم أن الزيادة  مقبولة بالإجماع  إن وقعت غير منافية  و الزيادة ها هنا في رواية عمر و ابنه و المغيرة رضي الله عنهم لأنها متناولة بعمومها للميت من المسلمين  و لم تجعل عائشة روايتها مخصصة للعموم أو مقيدة للإطلاق حتى يكون قولها مقبولا من وجه
بل صرحت بخطأ الراوي أو نسيانه و جزمت بان رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم  لم يقل  ذلك
و أما تمسكها بقوله تعالى ( و لا تزر وازرة وزر أخرى  )  فهو لا يعارض الحديث لأنه عام  و الحديث خاص و لهذه الواقعات نظائر بينها رضي الله عنها  و بين جماعة من الصحابة كابي سعيد  و ابن عباس  و غيرهما  و من جملتها الواقعة المسئول عنها اعني إنكارها رضي الله عنها  الوصية منه صلى الله عليه و اله و سلم  إلى علي عليه السلام  و قد وافقها  في عدم وقوعها مطلقا منه صلى الله عليه و اله وسلم غير معتد بكونها إلى علي عليه السلام  ابن أبي أوفى رضي الله عنه  فاخرج عنه البخاري و مسلم و الترمذي و النسائي من طريق طلحة بن مصرف  قال سالت ابن أبي أوفى هل أوصى رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم ؟ قال لا  قلت فكيف كتب على الناس الوصية و أمر بها  و لم يوص  قال أوصى بكتاب الله تعالى 
و أنت تعلم أن قوله أوصى بكتاب الله تعالى  لا يتم معه قوله  لا في أول الحديث لان صدق اسم الوصية لا يعتبر فيه إن يكون بأمور  متعددة حتى يمتنع صدقه على الأمر  الواحد لا لغة و لا شرعا و لا عرفا للقطع بان من أوصى بأمر واحد  يقال له موصي لغة و شرعا و عرفا فلابد من تأويل قوله  لا  و إلا لم يصح قوله أوصى بكتاب الله تعلى  و قد تأوله بعضهم بأنه أراد انه لم يوص بالثلث كما فعله غيره و هو تأويل حسن لسلامة كلامه معه من التناقض
إذا عرفت هذه المقدمة
فالجواب على أصل السؤال ينحصر في بحثين
البحث الأول إثبات مطلق الوصية منه صلى الله عليه و اله و سلم
البحث الثاني  إثبات مقيدها اعني كونها إلى علي  عليه السلام
أما البحث الأول :
فاخرج مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم أوصى بثلاث  ( 1- أن يجيزوا الوفد بنحو ما كان يجيزهم  2- أن يخرجوا المشركين من جزيرة العرب   3--  نسيها   ) كما في الحديث
و في حديث انس عند النسائي و احمد و ابن سعد و اللفظ له " كانت غاية وصية رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم  حين حضره الموت  " الصلاة و ما ملكت إيمانكم  " و له شاهد من حديث عند أبي داود و ابن ماجة زاد " أدوا الزكاة بعد الصلاة " و أخرجه احمد و اخرج سيف بن عمرو في الفتوح من طريق ابن أبي مليكه عن عائشة رضي الله عنها  أن النبي صلى الله عليه و اله و سلم حذر من الفتن في مرض موته  و أمر بلزوم الجماعة و الطاعة و اخرج الواقدي من مرسل  العلاء بن عبد الرحمن  انه صلى الله عليه و اله و سلم  أوصى فاطمة " قولي إذا مت إنا لله و إنا إليه راجعون  "
و اخرج الطبراني في الأوسط من حديث عبد الرحمن بن عوف قالوا يا رسول الله أوصنا يعني في مرض موته قال " أوصيكم بالسابقين الأولين من المهاجرين و أبنائهم من بعدهم "  و قال لا يروى عن عبد الرحمن إلا بهذا الإسناد و تفرد به عتيق بن يعقوب و فيه من لا يعرف حاله  و في سنن ابن ماجة من حديث علي قال قال رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم " إذا إنا مت فغسلوني بسبع قرب من بئر أريس " و كان بقباء  و في مسند البوار و  مستدرك الحاكم بسند ضعيف  انه صلى الله عليه و اله سلم  أوصى أن يصلى عليه إرسالا بغير إمام  و اخرج احمد و ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم سال عائشة عن الذهبية في مرض موته  فقال " ما فعلت الذهبية ؟  قالت هي عندي  قال أنفقيها  " و اخرج ابن سعد من وجه أخر انه قال " ابعثي بها إلى علي ليتصدق بها "
و في المخازي لابن اسحق قال لم يوص رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم  عند موته إلا بثلاث  لكل من الداريين و الزهاوين و الاشعريين بخادم  و مائة وسق من خيبر  و أن لا يترك في جزيرة العرب  دينان  و أن ينفذ بعث أسامة  و قد سبق في حديث ابن أبي أوفى انه صلى الله عليه و اله و سلم قال " استوصوا بالأنصار خيرا استوصوا بالنساء خيرا  اخرجوا اليهود من جزيرة العرب  و نحو هذه الأمور التي كل واحد منها لو انفرد لم يصح أن يقال أن رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم لم يوص
و ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى أوصاني خليلي بثلاث و لعل من أنكر ذلك أراد انه صلى الله عليه و اله و سلم  لم يوص على الوجه الذي يقع من غيره من تحرير أمر مكتوب كما ارشد إلى ذلك بقوله " ما حق أمريء مسلم له شيء يريد إن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا و وصيته مكتوبة عنده  أخرجه البخاري و مسلم من حديث ابن عمر  و لم يلتفت إلى أن رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم  قد أنجز أموره قبل دنو الموت و كيف يظن برسول الله صلى الله عليه و اله و سلم  أن يترك الحالة الفضلى ؟
اعني تقديم التنجيز قبل هجوم الموت و بلوغها الحلقوم  و قد ارشد إلى ذلك و كرر و حذر و هو أجدر الناس بالأخذ بما ندب إليه و برهان ذلك أن رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم قد كان سبل أرضه ذكره النووي و أما السلاح و البغلة و الأثاث و سائر المنقولات فقد اخبر أنها صدقة كما ثبت في الصحيح  و قال في الذهبية  التي لم يترك سواها ما قال كما سلف
إذا عرفت هذا علمت انه لم يبق من أمور رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم عند موته ما يفتقر إلى مكتوب
نعم قد أراد صلى الله عليه و اله و سلم أن يكتب لامته مكتوبا عند موته يكون عصمة لها عن الضلالة  و جنة تدرا عنها ما تسبب من المصائب الناشبة عن اختلاف الأقوال فلم يجب إلى ذلك و حيل بينه و بين ما هنالك  و لهذا قال الحبر  ابن عباس : الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم  و بين كتابه كما ثبت ذلك عنه في صحيح البخاري 
فان قلت لا شك أن هذه الأدلة التي سقتها كفاية و إن المطلوب يثبت بدون هذا و إن عدم علم عائشة رضي الله عنها بالوصية لا يستلزم عدمها و نفيها لا ينافي الوقوع و غاية ما في كلامها الإخبار بعدم علمها و قد علم غيرها و من علم حجة على من لم يعلم  أو نفي الوصية حال الموت لا يلزم من نفيها في الوقت الخاص نفيها في كل وقت إلا أن ثمة إشكالا و هو ما ثبت انه صلى الله عليه و اله و سلم مات و عليه دين ليهودي آصع من شعير فكيف لم يوص به كما أوصى بسائر تركته ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق