السؤال السادس: عقيدة الشيعة الإماميّة في الأئمّة الاثنى عشر من آل البيت عليهم السلام.
ما هو حدّ الموالاة، والحكم الشرعي عند علماء المذهب على مَن ينكر الإيمان بولاية الأئمّة الاثنى عشر من أهل السنّة؟
الجواب:
الاعتقاد بالإمامة وأنهّا منحصرة في اثنى عشر إمامًا من لوازم الإيمان لأتباع المذهب الجعفري الاثنى عشر وما سُمّوا "بالإمامّية" إلاّ بهذا الاعتقاد، فمَن أنكر إمامتهم من المسلمين يكون مسلمًا بلا ريب، إلاّ أّنّه لا يكون في هذه الدرجة من الإيمان ولا يكون داخلاً في أتباع هذا المذهب.
ولا نعتقد في أئمتنا ما يعتقده الغلاة والحلوليون(كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً)([1])، بل عقيدتنا الخاصّة أَنَهم بشر مثلنا، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وإِنّما هم عباد مكرمون اختصّهم الله تعالى بكرامته وحباهم بولايته، إذ كانوا في أعلى درجات الكمال اللائقة في البشر من العلم والتقوى والشجاعة والكرم والعفة وجميع الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة، فصاروا خلفاء الرسول بين الأُمّة.
قال إمامنا جعفر الصادق عليه السلام:
"ما جاءَكُم عنّا ممّا يَجوزُ أن يكونَ في المَخلُوقِينَ وَلَم تَعلَموه وَلَم تَفهُموه فَلا تَجحَدُوهُ وَردُّوا إلينا، وَما جاءَكُم عنّا لا يَجوزُ أن يكون في المَخلُوقِينَ فاحجدوه وَلا تَردّوه إلينا" ([2]).
قال الشيخ الصدوق رحمه الله في نفي الغلو:
"اعتقادنا في الغلاة والمفوّضة أَنّهم كفّار بالله تعالى، وأّنّهم أشرّ من اليهود والنصارى والمجوس والقدرّية والحرورّية، ومن جميع أهل البدع والأهواء المضلّة، وأّنّه ما صغّر الله جلّ جلاله تصغيرهم شيء قال الله تعالى: (لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ)([3]).
ولا شكّ أَنّه تعالى لم يفرض حبّهم ومودّتهم إلاّ لأّنهم أهل للحبّ والولاء من ناحية قربهم إليه سبحانه، ومنزلتهم عنده، وطهارتهم من الشرك والمعاصي، ومن كلّ ما يبعد عن دار كرامته وساحة رضاه، ولا يمكن أن نتصوّر أّنّه تعالى يفرض حبّ مَن يرتكب المعاصي أو لا يطيعه حقّ طاعته، فإنّه ليس له قرابة مع أحد أو صداقة، وليس عنده الناس بالنسبة إليه إلاّ عبيدًا مخلوقين على حدّ سواء، وإنّما أكرمهم عند الله أتقاهم، فمَن اوجب حبّه على الناس كلّهم لابدّ أن يكون أتقاهم وأفضلهم، وإلاّ كان غيره أولى بذلك الحبّ، أو كان الله يفضل بعضًا على بعض في وجوب الحبّ والولاية عبثًا أو لهوًا بلا جهة استحقاق وكرامة.
وإنما الذي يهمّنا منه ما ذكرنا من لزوم الرجوع إليهم في الأخذ بأحكام الله الشرعيّة، وتحصيل ما جاء به الرسول الأكرم (r) على الوجه الصحيح الذي جاء به([4]).
دليل عدد الاثنى عشر:
ودليل علماء المذهب على هذا العدد المحصور، ما تعاضدت عليه النصوص وتساندت الروايات الصحيحة عند مدرستي الإماميّة والخلافة الدائرة في فلك معنى الحديث الصحيح: " لايزال أمر الناس ماضيًا ما وليهم إثنا عشر رجلاً كلّهم من قريش"([5])
فانظر ما رواه البخاري ([6])، وسلم ([7])، وجمبع أصحاب السنن في كتب أهل السنّة التي أشارت إلى هذا العدد([8]).
ولقد حار علماء أهل السنّة في بيان المقصود من الأثنى عشر فيما صحّ عن الصادق المصدق عليه السلام وتضاربت الأقوال التي يمكن الرجوع إليها في سبعة آراء ذكرت في [تاريخ الخلفاء للسيوطي وابن العربي على شرح الترمذي وتاريخ ابن كثير وابن الجوزي، وفتح الباري على شرح البخاري... وغيرهم].
بينما حدّد علماء الشيعة أسماء الاثنى عشر حيث لا يزيدون ولا ينقصون من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إلي الإمام المهدي عليه السلام.
ولم يتفرد علماء الشيعة الإمامّية بهذا القول بل وافقهم على ذلك بعض العلماء الثقات من أهل السنة منهم:
1. العلاّمة سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي في كتاب (ينابيع المودّة لذوي القربى) ج2، صفحة 593.
2. العلاّمة كمال الدين أبو سالم محمّد بن طلحة الشافعي في كتابه (مطالب السؤول في مناقب آل الرسول)، صفحة 4.
3. أحمد بن محمد بن حجر الهيثمي في كتاب (الصواعق المحرقة) ج2، ص 416.
4. عبد الوهاب الشعراني، في كتاب (اليواقيت والجواهر) ج2، ص 542.
كما أَنّنا على أساس هذا العدد المصرّح في كلام النبيّ الصادق (r) نعتقد بأنّ الإمام المهدي الذي وعد النبيّ (r) أُمّته بظهوره، وأَنّه يملأ الأرض قسطًا وعدلاً بعد ما ملئت ظلمًا وجورًا أَنّه ولد ويكون حّيًا.
الاعتقاد بولادة الإمام المهدي عليه السلام وغيبته:
نحن نعتقد بأنّ الإمام المهدي الموعود الذي وعد النبيَّ (r) أُمّته بظهوره، ولد في سنة 255 من الهجرة وغاب عن الأنظار بقدرة الله وسيظهر ويملأ الأرض قسطًا وعدلاً بعدما ملئت ظلمًا وجورًا، وذلك:
بتصريح بعض من علماء أهل السنة بولاة الإمام المهدي عليه السلام كما ذكرنا منهم محمّد بن طلحة الشافعي في كتاب "مطالب السؤول في مناق آل الرسول"([9]). وسبط ابن الجوزي في كتاب "تذكرة الخواص"([10])، وعبد الوهاب الشعراني في كتاب "اليواقيت والجواهر"([11])، وسليمان القندوزي في كتاب "ينابيع المودّة"([12])، والشبلنجي الشافعي في "نور الأبصار"([13]). وغيرهم من المصنفين من أهل السنة.
نعم، استبعد البعض طول عمره الشريف، ولكن الله القادر على خلق الإنسان من تراب يكون قادرًا على إبقائه مدّة ألف وآلاف سنة، بل هو أهون عليه، وهذا مع وقوع طول العمر في بعض الأنبياء عليه السلام كشيخ الأنبياء نوح وعزير وعيسى وغيرهم عليه السلام، وكيف يكون الإيمان بطول عمر المهدي عليه السلام مستبعد مع تصريح القرآن الكريم بإمكان مثله في قوله تعالى: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ )([14]) وحصوله بالنسبة إلى نوح عليه السلام في قوله تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ )([15]).
وبالنسبة إلى المسيح عليه السلام في قوله تعالى:
(وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا)([16]).
وقد أخبر الله تعالى أيضًا حياة إبليس وأَنّه من المنظرين إلى يوم الوقت الم علوم، ولم ينكر ذلك أحد من المسلمين ولم يستبعده؛ وكذلك روى مسلم في صحيحه في باب خروج الدجّال ومكثه في الأرض حديث تميم الداري، وهو صريح في أنّ الدجّال كان حّيًا في عصر النبيّ (r)، وأَنّه يخرج في آخر الزمان.
هكذا كله مع ما ثبت في علم الحياة وعلم منافع الأعضاء وعلم الطب من إمكان طول عمر الإنسان إذا واظب على رعاية قواعد حفظ الصحّة وإن موت الإنسان ليس سببه أَنّه عمّر تسعين أو ثمانين أو غيرهما، بل لعوارض التي تمنع من استمرار الحياة.
السؤال السابع: عقيدة الإمامَية في صحابة رسول الله (r):
الجواب:
لقد كان للصحابة فضل على غيرهم من طبقات المسلمين، وهو فضل المصاحبة ومشاهدة رسول الله (r)، ونحن نعتقد به، ولكنّ الصحابة كانوا متفاوتين في درجة العلم والإيمان والعلم، فإنّ بعضهم كانوا معه من أوّل البعثة إلى أن توفى (r)، كما أَنّهم كانوا متفاوتين في درجة الإيمان بدرجات متعددّة، فإنّ بعضهم بذلوا أنفسهم في غزواته وصاروا شهداء عند ربّهم ويرزقون وشفعاء نرجو أن يتقبل الله شفاعتهم فينا، وبعضهم كانوا من الثلاثة الذين خلّفوا من الجهاد،([17])أو إذا قيل لهم انفروا في سبيل الله اثّاقلوا إلى الأرض،([18]) أو كانوا يقتدون به في صلاة الجمعة ولكنّهم إذا رأوا تجارة أو لهوًا انفضوا إليها وتركوه قائمًا([19])، وهذه الطائفة الثانية وإن اعترضت عليهم كتب تراجم الصحابة، ونحن ننقد أعمالهم أيضًا ولكننا نعتقد بحرمة سبّهم بل نعتقد بحرمة سبّ الذين قاتلوا أئمّة آل البيت عليهم السلام كما قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لأصحابه حين جرى الذي جرى بينهم وبين أصحاب صفّين:
"إنِّني أكْرَهُ لَكُمْ أنْ تَكُونُوا سَبَّابينَ، وَلَكِنِّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أعْمَالَهُمْ، وَذَكَرْتُمْ حَالّهُمْ، كانَ أصْوبَ في الْقَوْلِ، وَأَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ، وَقُلْتُمْ مَكَانَ سَبَّكُمْ إِيَّاهُمْ: اللَّهُمَّ احْقِنْ دِماءَنَا وَدِمَاءَهُمْ، وَأصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنا وَبَيْنِهِمْ".([20])
نعم في كل طائفة علماء وجهّال يجب على العلماء إرشاد الجهّال ولا يأخذون سائر المذهب بجهالات جهّالهم.
وقد اقترح الإمام شرف الدين الموسري رحمه الله بدلاً من النقاش في الخلافات الماضية، قائلاً:
"فهلمّوا يا قومنا للنظر في سياستنا الحاضرة وعرجوا عمّا كان من شؤون السياسة الغابرة، فإنّ الأحوال حرجة والمآزق ضيقة، لا يناسبها نبش الدفائن، ولا يليق بها إثارة الضغائن، وقد آن للمسلمين أن يلتفتوا إلى ما حلّ بهم من هذه المنابذات والمشاغبات التي تركتهم طعمة للوحوش وفرائس الحشرات، وأي وجه لتكفير المسلمين بإنكار سياسة خالية وخلافة ماضية؟".([21])
غير أن التكريم وتوحيد الكلمة لا يمنع عن دراسة التاريخ وعلم الحديث وعلم الرجال على ضوء القواعد العلميّة بعيدًا عن التحيّز مقرونًا بالأدب والإنصاف.
السؤال الثامن: موقفنا من أم المؤمنين السيّدة عائشة رضي الله عنها وأزواجه أُمّهات المؤمنين.
الجواب:
لقد أجمع علماء الإماميّة على طهارة زوجات الأنبياء أجمعين فكيف بأمّهات المؤمنين زوجات سيّد الخلق أجمعين، لذلك مَن يتّهم السيّدة عائشة رضي الله عنها في عرضها ويرميها بالفاحشة والعياذ بالله فليس من المؤمنين بل يكون من المنافقين والتابعين لعبد الله بن أبيّ.
قال الشيخ الطوسي رحمه الله:
"ما زنت امرأة نبيّ قط لما من ذلك من التنفير عن الرسول وإلحاق الوصمة به، فمَن نسب أحدًا من زوجات النبيّ إلى الزنا فقد أخطأ خطًأ عظيمًا"([22])
ويقول الإمام شرف الدين الموسوي رحمه الله:
"إنها (عائشة) عند الإماميّة وفي الأمر والواقع أنقى جيبًا، وأطهر ثوبًا، وأغلى عرضًا، من أن يجوز عليها غير النزاهة، أو يمكن في حقّها إلاّ العفة والصيانة، وكتب الإماميّة قديمها وحديثها شاهد عدل بما أقول...الخ"([23]).
هذا مع تأكيد كثير من كبار علماء السنّة على أَنّه مجرّد اتّهام ينسب زورًا إلى الشيعة منهم العلامة الآلوسي رحمه الله في تفسير حول فخانتاهما...: " ولا نفسّره هاهنا بالفجور، لما أخرج غير واحد عن ابن عباس: (ما زنت امرأة نبيّ قط) ورفعه أشرس إلى النبي (r).. ونقل ابن عطية عن بعض تفاسيرها بالكفر والزنا وغيره، فقال: ولعمري لا يكاد يقول بذلك إلاّ ابن زنا، فالحقّ عندي أنّ عهر الزوجات كعهر الأُمّهات من المنفَرات التي قال لسعد: إنّ الحقّ منعها في حقّ الأنبياء عليهم السلام وما ينسب للشيعة ممّا يخالف ذلك في حقّ زوج سيّد الأنبياء عليهم السلام كذب عليهم وافتراء لا نعول عليه وإن كان شائعًا".([24])
ونَسِبَ للشيعة قذف عائشة رضي الله عنها بما برّأها الله تعالى منه، وهم ينكرون ذلك أشد الإنكار، وليس في كتبهم المعوّل عليها عندهم عين منه ولا أثر أصلاً، وكذلك ينكرون ما نسب إليهم من القول بوقوع ذلك منها بعد وفاته (r)، وليس له أيضًا في كتبهم عين ولا أثر"([25]). نعم نحن الشيعة نخطّؤها في خروجها من بيتها وفي حربها ضد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في موقعة الجمل.
وكما قال البلاذري:
"نعم أنهم يأخذون عليها خروجها من بيتها على إمام زمانها وقاتلت الإمام عليًّا بن أبي طالب عليه السلام خليفة رسول الله في ذلك الوقت، وما نتج عن ذلك من مآسي وقتل الآلاف من الصحابة في موقعة الجمل، وقد اعترفت بجريرتها وندمت على فعلتها". ولكنها عاشت وماتت أمًا للمؤمنين.
السؤال التاسع: موقف علماء الإمامّية من ظاهرة أنواع المراسم والمآتم في ذكرى واقعة عاشوراء وكربلاء.
الجواب:
إنّ الإمام الحسين عليه السلام هو سيّد شباب أهل الجّنة([26])، وريحانة النبيّ (r)([27])، وإمام قام أو قعد([28])، رَبّاهُ أفضل الأنبياء في حجره، وبكي على قتله في طفولتيه وأهدى قارورة مشتملة على تربة قبره إلى أم المؤمنين أم سلمة زوجته رضي الله عنه. حقًا([29])، إنّ الإمام الحسين عليه السلام هو سيّد الشهداء ورائد الثوّار الأتقياء، ومفجر ثورة حقّ وعدل لتصحي مسار القاطرة الإسلامّية التي انحرفت عن مسارها القرآني المحمّدي، فهو عليه السلام لم يخرج أشرًا ولا بطرًا ولا رياء ولا سمعة، وإنّما طاعة وتنفيذًا لتعاليم جدّه المصطفى الداعية إلى إنكار المنكر والصدع بكلمة الحقّ في وجه أي سلطان جائر ظالم متسلط على البلاد والعباد([30])، فإنه نادى بأعلى صوته عليه السلام في مسيرته إلى كربلاء:
"الا ترون أنّ الحقّ لا يعمل به وأنّ الباطل لا يتناهى عنه".
وقال:
"وعلى الإسلام السلام إذ قد بليت الأُمّة براعي مثل يزيد".
وقال:
"إن كان دين محمّد لم يستقم إلاّ بقتلي فياسيوف خذيني"([31]).
فثورته ثورة إسلاميّة إنسانيّة إصلاحيّة، ولم تكن صراعًا طائفيًا وليست حالة مذهبيّة شيعيَة. إنهّا جامعة فكريّة ذات عِزّة ثوريّة يجب أن تُستلهم منها الدروس والعظات والعبر لتفعيل كلّ مقوّمات الحقّ والعدل في مواجهة الظلم والانحراف وقوى الباطل في كلّ زمان ومكان.
ولا يكون ذلك إلا بالفكر الرسالي الربّاني القرآني المحمّدي الواحد الموحّد بأن يتآلف المسلمون ويتعاونون على إحقاق الحقّ وإنكار المنكر ليستفيء المسلمون جميعهم بظل واحة القرآن وراية النبي العدنان.
فإنّ ثورته في كربلاء تكون من أعظم شعائر الله، وإحياء ذكراها يكون تعظيمًا لشعائر الله: (ذَلِكّ وَمَنْ يُعَظِّم شَعَائرِ الله فإنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) ([32])، ينبغي أن يبيّن في مراسيم ذكري عاشوراء أسرار ثورته ضد الظلم والطغيان وتحكي صموده في مقابل الهجوم الوحشي لعشرات الآلاف من المرتزقة للدولة اليزيديّة، وتشرح المظالم الثقيلة التي أجروها عليه وعلى عائلته، آل رسول الله (r) من القتل وقطع الرؤوس ونهب الأموال وإحراق الخيم وأسر بنات الرسول (r)، لتكون ثورته عبرةً ودرسًا لجميع المسلمين في الأعصار المتعددة فلا يخضعون للظلمة والمستكبرين المعتدين على الأُمّة الإسلاميّة.
كما أّنَه جدير أنّ يُحكى مظالمه ويبكي على مظلوميته ومظلومية آل بيت النبيّ (r) اقتداء بالنبيّ الأكرم (r) عندما خرج من الليل إلى كربلاء وأتى بتربة منه وسلّمها إلى أُمّ سلمة وبكى للحسين عليه السلام. ([33]).
وكم من عادة ينعت من جهل العوام في كلّ مذهب وطغت على جلال العبادة فلا ينبغي إسنادها إلى المذهب، فقد ثبت في فقه الإمامية أنَّ كل ما يضر بالنفس ضررًا معتدّا به يكون حرامًا بمقتضى قاعدة "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" فكما لا ينبغي أن يؤخذ علماء السنّة بتكفير بعض مترفيهم والمشايخ العظام من الصوفية ببعض البدع الصادرة عن جهّالهم، لا ينبغي أن يؤخذ علماء الشيعة بما قد صدر عن بعض عوامّهم، فإنّ العوام في كلّ مذهب قد لا يخضعون لتوصيات علمائهم، واللازم أخذ عقائد وآراء وفتاوي كلّ مذهب من علمائهم لا من العوام والجهّال، أتباع الهوى والبدع (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)([34])، أو من أعدائهم الغاشمين الذين يجهدون في طريق توسيع الخلاف بين المسلمين وبعضهم بعضًا ليصطادوا من الماء العكر.
السؤال العاشر: موقف علماء المذهب من القنوات الفضائية التي تنتهج ثقافة الغلو والتكفير وتنال من رموز الأُمّة ...الخ
الجواب:
إن أعداء الإسلام والمسلمين والمنافقين المندسّين في صفوف المسلمين ما انفكّوا عبر مسيرة التاريخ من إثارة الفتن وإشاعة ما يوغر الصدور وينشر ثقافة التباغض والتدابر بين المسلمين.
ومن هذه المعاول الهدّامة بعض القنوات الفضائية التي يديرها ويمولها سماسرة الفتنة وأبواق الشيطان، منها ما يرفع لواء "التشيّع" فتهاجم السنّة وتنال من صحابة رسول الله (r) بسوء الكلم وقبيح الصفات، ومنها ما يرفع لواء "السّنة" فتتطاول على الشيعة بالضلال والمروق والتكفير.
ويؤكد علماء الشيعة الإماميّة أن هذه القنوات التي تباشر عملها وإرسالها من دول غربّية لا سيّما الدولة الأمريكيّة الشيطان الأكبر، والدولة البريطانيّة المشؤمة، أو الدول المتطرّفة التي تموّلها جهات مشبوهة لا تريد الخير للإسلام ولا مصلحة المسلمين وهي لا تعبر عن رأي المذهب، وعلماء المذهب منها براء.
هذه إجابات مختصرة، ومن أراد المزيد من الأدلّة فليراجع إلى بعض الكتب المختصرة لعلماء المذهب الشيعي الإمامي.
جنّبنا الله شرّ الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأّلّف بين قلوب المسلمين على ما فيه الحقّ ونصرة الدين.
الحمد لله رب العالمين
([6])انظر: صحيح البخاري، ج9، ص 81؛ سنن الترمذي، ج 5، ص 501؛ سنن ابي داود، ج 1، ص 104؛ سنن الترمذي، ج 2، ص 71.
([8])صحيح ابن حيان، ج 15 ، ص 22؛ مسند أبي يعلى، ج 13 ، ص 254؛ شرح السنّة للبغوي، ج 15 ، ص 30؛ مشكاة المصابيح، ج3، ص 1387؛ النهاية في الفتن والملاحم. ج1، ص 22: دلائل النبوة لأبي نعيم الإصبهاني، ج1، ص 880؛ دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للبيهقي، ج 4، 520؛ جامع الأصول في أحاديث الرسول للجزري، ص 2 ، 25؛ المستدرك.
([17]) سورة التوبة، الآية: 18 (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ)
([18]) سورة التوبة الآية: 38 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ)
([19]) سورة الجمعة الآية: 11 (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)
([24]) الآلوسي، أبو الفضل شهاب الدين، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، ج28، ص 142.
([26]) الدر المنثور، ج5، ص 2559، سنن ابن ماجه، ج1، ص 122، فضائل الصحابة، ج2، ص 771: مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج17، ص 31؛ شرح مشكل الآثار، ح5، ص 221: المعجم الأوسط، ج2، ص 327؛ المستدرك على الصحيحين، ج3، ص 182؛ حلية الأولياء وطبقات الاصفياء، ج5، ص 17؛ سنن الترمذي، ج5، ص 404، الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، ج 3، ص 378؛ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج5، ص 145.
([29]) المعجم الكبير للطبراني، ج 3، ص 108؛ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج9، ص 189؛ الخصائص الكبرى، ج2، ص 213؛ الكامل في التاريخ، ج3، ص 194؛ تاريخ الخلفاء، ص 158؛ أسد الغابة، ج1، ص 500 (عن أم سلمة قالت: كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي النبي صلى الل عليه وآله وسلم في بيتي فنزل جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إن امتك تقتل ابنك هذا من بعدك، فأوما بيده إلى الحسين فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وضمه إلى صدره ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "وديعة عندي هذه التربة"، فشمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: "يا ويح كرب وبلاء"، قالت: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يا أم سلمة إذا تحولت هذه التربة دمًا فاعلمي أن ابني قد قتل" قال: فجعلتها أم سلمة في قارورة ثم جعلت تنظر إليها كل يوم وتقول: "إن يومًا تحولين دمًا ليوم عظيم".