حكم رفع البصر إلى السماء في الدعاء
عقب الصلاة
السؤال : ما حكم النظر في السماء
بالدعاء بعد الصلاة المفروضة ؟
تم النشر بتاريخ: 2008-07-17
الجواب :
الحمد لله
أولا:
الدعاء بعد الفريضة إن كان مع التزام
رفع اليدين ، أو كان جماعيا بصوت واحد ، أو يدعو الإمام ويؤمن المأمومون ، فهذا لا
أصل له ، وهو من البدع المنتشرة اليوم ، وإن خلا من هذه الأشياء فلا حرج فيه ؛
لثبوت الدعاء عنه صلى الله عليه وسلم قبل السلام من الصلاة وبعده .
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة
للإفتاء : هل الدعاء بعد صلاة الفرض سنة ؟ وهل الدعاء مقرون برفع اليدين ؟ وهل
ترفع مع الإمام أفضل أم لا ؟
فأجابوا : " ليس الدعاء بعد
الفرائض بسنة إذا كان ذلك برفع الأيدي ، سواء كان من الإمام وحده ، أو المأموم
وحده ، أو منهما جميعا، بل ذلك بدعة ؛ لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم
ولا عن أصحابه رضي الله عنهم، أما الدعاء بدون ذلك فلا بأس به لورود بعض الأحاديث
في ذلك " انتهى .
"فتاوى اللجنة الدائمة"
(7/103) .
وقالوا أيضا : " الدعاء جهرا
عقب الصلوات الخمس والسنن والرواتب أو الدعاء بعدها على الهيئة الاجتماعية على
سبيل الدوام بدعة منكرة ؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء من ذلك ،
ولا عن أصحابه رضي الله عنهم " انتهى نقلا من "فتاوى إسلامية"
(1/319) .
وينظر جواب السؤال رقم (26279) .
ثانيا :
جاء في النهي عن رفع المصلي بصره إلى
السماء : ما روى البخاري (750) عن أَنَس بْن مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا بَالُ أَقْوَامٍ
يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ
فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ : لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ
أَبْصَارُهُمْ ) .
والعلة في ذلك أن رفع البصر أثناء
الصلاة ينافي الخشوع ، ويعرض المصلي للانشغال بما يراه .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
: " فلما كان رفع البصر إلى السماء ينافي الخشوع حرمه النبي صلى الله عليه
وسلم وتوعد عليه" انتهى من "القواعد النورانية" (ص 46) .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
" قوله: ( ورفع بصره إلى السماء ) ، أي : يكره رفع بصره إلى السماء وهو يصلي
، سواء في حال القراءة أو في حال الركوع ، أو في حال الرفع من الركوع ، أو في أي
حال من الأحوال ؛ بدليل وتعليل: أما الدليل ، فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة ، أو لتخطفن أبصارهم ) أي :
إما أن ينتهوا ، وإما أن يعاقبوا بهذه العقوبة وهي : أن تخطف أبصارهم فلا ترجع
إليهم ، واشتد قوله صلى الله عليه وسلم في ذلك ... وأما التعليل : فلأن فيه سوء
أدب مع الله تعالى ؛ لأن المصلي بين يدي الله ، فينبغي أن يتأدب معه ، وأن لا يرفع
رأسه ، بل يكون خاضعا ، ولهذا قال عمرو بن العاص رضي الله عنه : إنه كان قبل أن
يسلم يكره النبي صلى الله عليه وسلم كراهة شديدة ، حتى كان يحب أن يتمكن منه
فيقتله ، فلما أسلم قال : ما كنت أطيق أن أملأ عيني منه ؛ إجلالا له ، ولو سئلت أن
أصفه ما أطقت .
ولهذا كان القول الراجح في رفع البصر
إلى السماء في الصلاة أنه حرام ، وليس بمكروه فقط " انتهى .
"الشرح الممتع" (3/226) .
وأما رفع البصر إلى السماء خارج
الصلاة ، فلا حرج فيه ؛ لعدم ما يدل على المنع منه ، بل ذهب بعض الفقهاء إلى أن
الرفع هو الأولى .
جاء في "الموسوعة الفقهية"
(8/99) : " نص الشافعية على أن الأولى في الدعاء خارج الصلاة رفع البصر إلى
السماء ، وقال الغزالي منهم : لا يرفع الداعي بصره إليها " انتهى .
وقال النووي رحمه الله في "شرح
مسلم" : " قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَة رَفْع
الْبَصَر إِلَى السَّمَاء فِي الدُّعَاء فِي غَيْر الصَّلَاة فَكَرِهَهُ شُرَيْح
وَآخَرُونَ , وَجَوَّزَهُ الْأَكْثَرُونَ " انتهى .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : "
ولا يكره رفع بصره إلى السماء في الدعاء ؛ لفعله صلى الله عليه وسلم ، وهو قول
مالك والشافعي ، ولا يستحب " انتهى .
"الفتاوى الكبرى" (5/338)
.
وبَوَّب البخاري رحمه الله في صحيحه
: باب رفع البصر إلى السماء ، وذكر قوله تعالى : ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت
وإلى السماء كيف رفعت ) الغاشية/17 ، 18 ، وقول عائشة رضي الله عنها : ( رفع النبي
صلى الله عليه وسلم رأسه إلى السماء ) ، أي : عند وفاته صلى الله عليه وسلم .
ومراد البخاري رحمه الله بيان جواز
رفع البصر إلى السماء ، وأن النهي خاص بحال الصلاة .
ودل على جواز رفع البصر إلى السماء
في الدعاء خارج الصلاة : ما رواه مسلم (2055) في قصة شرب المقداد رضي الله عنه
لشراب النبي صلى الله عليه وسلم دون علمه وفيه : ( ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ
فَصَلَّى ثُمَّ أَتَى شَرَابَهُ فَكَشَفَ عَنْهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا
فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ ، فَقُلْتُ : الْآنَ يَدْعُو عَلَيَّ فَأَهْلِكُ
. فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي ، وَأَسْقِ مَنْ أَسْقَانِي ) .
وروى أبو داود (3488) عَنْ ابْنِ
عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا عِنْدَ الرُّكْنِ قَالَ : فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى
السَّمَاءِ فَضَحِكَ ، فَقَالَ : ( لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ ثَلَاثًا ، إِنَّ
اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ الشُّحُومَ فَبَاعُوهَا ، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا ،
وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ
ثَمَنَهُ ) ، والحديث صححه النووي في المجموع ، والألباني في صحيح أبي داود .
والحاصل : أن رفع البصر إلى السماء
عند الدعاء خارج الصلاة ، جائز لا حرج فيه .
والله أعلم .