شعر عمار

 

 

‏21 فبراير، 2013‏، الساعة ‏05:00 صباحاً‏

سمعت جذري بيطقطق

 

وعيداني صالبة دمها المغشوش 

وقع الورق مني .. وملحقتوش

...

كام خطوة ؟ .. كام قدم .. قلعت طريقها

 

ورسّخت في القلب لفكرة الترحال ؟!

 

"يا وزني بتعطّل"

...

شايف عنيا .. و شايف عنيا .. ولسّه برايا

 

وبمد إيدي لإيدي .. ومطولتش 

كات رجلي عريانة والقرار عريان 

مكشوفةرغبة " في حدود الجسم .. وماخفتش

 

كملت .. أو مكملتش

 

(( يا دبيب الأرض رج السما .. لم يزل في الجو بعض العرق ))

 

يا مسفلتة زي الزحام والكر

 

فارد عليا كتير ورق

 

قربي !!

 

قربي المعنى .. قربي

 

قربي المعنى ... قربي

 

قربي .. كأنك بعيدة وبندهك

 

كأنك بعيدة .. بنتظر

 

والصدى قاسي .. قاسي الصدى

....

هو ؟ ولا مش هو ؟

 

شبهي ؟ ولا مش شبهي ؟

 

نفس النفس والضحكة في الدخان والمعركة

 

مقولتش المعركة

 

نفس الدبيب والفرقعة والدم

 

مقولتش الدم

...

سألت نفس الأسئلة

 

إنت ؟

 

إنتوا ؟

 

إحنا ؟

 

إنت العديد ولا العدد ؟

 

إنتوا الزحام ولا المدد ؟

 

إحنا الفرشاة ولا المصبغة ؟

 

إذن .. هنادي

 

لعلّك !! ...

 

يمكن صحيح الصدى يتحمّل المشوار

 

وأنتظر الإشارة أو الرموز

 

وننخفض للكحل

 

وننحني للمبهم

 

أو .. دم زي الدم زي الدم

...

إسود ؟ مكملتش ملاحظة .

 

أبيض ؟ معرفتش أواجهه .

 

مولود في لحظة م إستنتجوا بكرة

 

فـ ملوا الحلم

 

سلموا إديهم لسكة .. أو سلموا

 

وافقوا البداية ورتّبوا للنعش

 

(( ألوان تساوم رغبتي فـ ألوان ))

...

حاسبي .. هنا المكان الرقيق

 

هنا .. أو هنا .. أو هنا لو مش هناك

 

إمسكي إيديا مش صوابعي ورغبتي في المد

 

إمسكي الكف .. تبتي في سخونة الشريان

 

عسى البرد يتوقف ضجيجه

 

عسى يتخف وزني من فكرة الترحال

 

زغزغي بقدمك تراب

 

فرجيني الضحك .. معرفهوش

 

المعرفة والعلم والواضح

 

عن جهل هطلب "ضهري"

 

عن جهل همسح ...

 

مقولتش .. لأ مقولتش

...

شافني

 

عَرَض واضح .. وجسم صحيح

 

عين .. صابها تغيير في اللغة أو في الحروف

 

منهمك .. وعروقي منفوخة وموضحة اللحامات

 

ساند جدار مايل وبحاول أقيمه

 

والربكة مالية الصخر والأسمت و " أنا "

 

ببلع السكة ولم أعطش

 

وبحاول أقيمه

 

ناعمة المسافة ربما ؟ .. ربما ناعمة المسافة !!

 

ولكن عيني متبتة في الأرض

 

يا أرض .. يا أرض .. يا أرض

...

سألني عنّه وعني وعنها

 

جاوبته .. مصدقنيش

 

مبررتش الزحمة

 

مبررتش الباهت اللي إتحولت له ملامحي

 

ولا كنت قد عضة ندم

 

ولا أملك صوابع

 

مصدقنيش

 

رفضته .. ولم يرفضني

 

حكالي عن علمه ..

 

عن الأصفر الواضح

 

والأبيض المغلوط

 

عن الملمس

 

وعن خشونة التضاريس

 

عن الدواير

 

وإزاي بتتجلّى الطبيعة في إبتسامة بنت

 

ولا قالش بنت

 

حكالي عن المسافات

 

وإزاي تكون "رغبة"

 

وإزاي "تكون"

 

صرخت منه

 

مصدقنيش

 

رفضته ولم يرفضني

 

(( أيا دليلي في الليالي الكحل .. فينك يا دليلي في الليالي الكحل ))

 

كأني شرخ واضح للعيان .. ولم يتلم

 

ماسك خطوتي عن جهل

 

ورافض فكرة التوحيد

 

سألني .. سألته

 

ليه لم يساع اللفظ إنتوا أو أنا ؟

 

ليه نفس هذا المعنى ميتغيرش ؟

 

سكت .. وهز الشمس فـ عنيا

 

ولم أسكت

 

أنابيب نحاس في عضامي عاملة ضجيج

 

وعروق بترسم شكل إستفهام

 

وبنحني للكحل

 

وأنخفض للمبهم

 

وأخلع كلامي والتخاطب

 

وأخلع أنا وإنتوا وإحنا

 

كان الأمر مرعب

 

كان الأمر مرعب

 

على حد حلمي الأمر مرعب

 

كان ممكن يسوء أكتر

 

بنفس تلك الأسئلة القليلة

 

لذلك ..

 

قشرت جلدي

 

خلعت عيني

 

رميت دروعي

 

وفتحت صدري لبكرة اللي مش معروف

 

هنزف ساعتها .. ضروري

 

ساعتها هتنتهي المأساة

 

حين ينتهي الضجيج

 

أنابيب النحاس

 

والطرقعة في الدواير المفرغة

 

والسؤال يوسع

 

ويتغذى جسمي ع الاحتمالات الكتيرة

 

والعالم اللي مش مفهوم

 

هناك ... هناك ... هناك ... هناك ....................-....

 

 

الحرام الذي سبب فتنة في مصر

 

الحرام فى مصر..فتاوى تحرم شم النسيم وتهنئة المسيحيين.. وتحية العلم.. والنشيد الوطنى.. وبعض شيوخ التطرف حرموا المصايف والشواطئ ومداعبة الأزواج وجلوس المرأة على الكرسى

السبت، 4 مايو 2013 - 09:14

الشيخ وجدى غنيم والشيخ ياسر برهامى وابو إسلام الشيخ وجدى غنيم والشيخ ياسر برهامى وابو إسلام

كتب محمد الدسوقى رشدى

معذور المواطن المصرى، كل الأشياء من حوله أصبحت قابلة للانفجار فى وجهه، أصبح يعيش فى قلب حقل من الألغام، يتحسس خطواته فى حذر يسرق منه ضحكته وراحة باله وحقه الإنسانى فى حياة هادئة وأوقات فراغ يستمتع خلالها بالتفكير والتخطيط للمستقبل.

معذور المواطن المصرى يسير وبداخل قلبه وعقله يقين راسخ بأن خطوته القادمة إن نجت من أفخاخ الانفلات الأمنى، فلن تنجو من قنبلة اقتصادية تحول أسرته إلى أشلاء، وإن نجا من الأولى والثانية فلن ينجو أبدا من انفجار لغم قرار سياسى غير حكيم من رئيس غير مسؤول ولا يعرف للاتزان النفسى والعقلى معنى، وإن نجا من الأولى والثانية والثالثة فلن ينجو من انفجار لغم غباء أهل السلطة فى وجهه وفى وجه مستقبله بقرار مثل الصكوك أو الاقتراض الخارجى، وإن تحسس المصرى خطواته وأفلح ببركة المولى عز وجل فى تجاوز الأولى والثانية والثالثة والرابعة، فهو بكل تأكيد ضحية اللغم الأكبر والأخطر.. لغم التحريم.

التحريم وما أدراك ما التحريم.. هذه السحابة السوداء التى أصبحت تظلل كل بقاع تحركاتك وحياتك على أرض مصر منذ أن تخيل هؤلاء الذين يقدمون أنفسهم فى أثواب رجال الدين أن السلطة قد دنت وتدلت وتهادت بين أيديهم التى كانت مغلولة من قبل بكلابشات الخوف من أمن الدولة، وانطلقوا لا للإصلاح أو المساهمة فى نشر خطاب دينى مختلف يحرص على لم شمل الوطن الممزق، بل نحو إشهار سلاح التحريم على كل صغيرة وكبيرة وكل شهيق وزفير يخص الأراضى المصرية والمواطن المصرى بكل أنواعه.

شهوة ما بعدها شهوة انطلقت دون ضابط أو رابط لتحرم هذا، وتفتى بعدم جواز ذلك، وبحرمانية تلك، وعدم مشروعية الفعل الفلانى، أو الإقرار بأن هذا إثم وهذه فى النار، وبعض من هؤلاء مهدور دمهم، والابتسامة فى وجه أولئك تأخذك إلى جهنم.

حينما أحدثك عن فتاوى التشدد والغلو والتطرف، عن ثقافة التحريم التى تتسرب وتتوغل وتنتشر فى مجتمعنا وفى أرضنا وتحتل الكثير من مساحات الحركة فى أيامنا، فأنا لا أدعوك إلى جدل فقهى أو بحثى فى مسألة دينية، أنا فقط أختبر معك نوعا آخر من النقاش يخص التوقيت الصعب والظروف القاسية والمرتبكة التى نعيشها ولا يشعر بها شيوخ التطرف والغلو ويخلطون الأولويات فيتركون ظلم الحكام وفسادهم وجوع الأطفال وتشردهم ويهرولون نحو تحريم أعياد ميلادك وعيد أمهاتك وتهانى إخوانك فى الوطن وغيرها من التفاصيل الحياتية الصغيرة والبسيطة التى تمارسها يوميا وأنت ترفع شعار طلب الستر والبركة من الله.

باب الحرام الذى فتحه شيوخ التطرف علينا وسمحوا لريح التخلف والقتل والتعصب والكره بأن تمر من خلاله وصل بنا إلى حيث تحريم إلقاء التهنئة على أخيك وجارك وشريك عملك وهمومك فى يوم عيده وفرحته فقط لأنه مسيحى الديانة مثلما فعل الدكتور عبدالرحمن البر، عضو مكتب الإرشاد، المعروف بـ«مفتى الإخوان»، وأفتى بأنه لا يجوز تهنئة الأقباط بعيد القيامة قائلاً: «إن عيد القيامة يخالف عقيدة المسلمين لأن المسيح عيسى «عليه السلام» لم يمت ولم يصلب، لذلك لا نهنئهم بشىء لا نعتقده، أما الأعياد التى لا تصادم عقيدة المسلمين مثل عيد الميلاد فيجوز تهنئتهم بها». شهوة التحريم عند عبدالبر كانت موجودة بمستوى أعلى عند الجبهة السلفية التى أعلنت قبل أيام من عيد القيامة فتوى أخرى تقول فيها إنه لا يجوز تهنئة الأقباط بأعيادهم الدينية، واصفة من يذهب من المسلمين إلى الكنائس لتهنئتهم بأعيادهم الدينية بأنه «آثم»، وهى نفس الفتوى التى خرجت من الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح وقالوا من خلالها «مشاركة وتهنئة النصارى وأهل الملل فى المناسبات الدينية التى هى من أخص ما تتمايز به الشرائع غير محللة باتفاق الأصـل»، وتتماشى تلك الفتوى مع ما ذهب إليه الشيخ عبدالعزيز بن محمد آل الشيخ مفتى السعودية، الذى قال فى فتوى له: «إن مشاركة غير المسلمين فى أعيادهم الدينية محرم بإجماع علماء الأمة جميعاً، مبيناً أن الخلاف ورد فى تهنئتهم فى أعيادهم غير الدينية فقط».

تحريم تهنئة الأقباط بعيدهم واعتبار من يفعل ذلك آثما فتح الباب لتحريم آخر خاص بعدم جواز احتفال المسلمين بأعياد شم النسيم بل وحض المسلمين على منع مشاركة الآخرين بهذه الاحتفالات، وفى هذا الخصوص ومن على موقع صيد الفوائد يقول الشيخ محمد بن إبراهيم أنه لا يجوز الاحتفال بشم النسيم، أو مشاركة المحتفلين به فى احتفالهم، أو حضور الاحتفال به؛ وذلك لما فيه من التشبه بالفراعنة الوثنيين ثم باليهود والنصارى، والتشبه بهم فيما يخصهم محرم فكيف بالتشبه بهم فى شعائرهم؟! كما يجب على المسلم عدم إعانة من يحتفل به من الكفار أقباطاً كانوا أم يهوداً أم غيرهم بأى نوع من أنواع الإعانة، كالإهداء لهم، أو الإعلان عن وقت هذا العيد أو مراسيمه أو مكان الاحتفال به، أو إعارة ما يعين على إقامته، أو بيع ذلك لهم، فكل ذلك محرم؛ لأن فيه إعانة على ظهور شعائر الكفر وإعلانها، فمن أعانهم على ذلك فكأنه يقرهم عليه، ولهذا حرم ذلك كله.

ولا يجوز للتجار المصريين من المسلمين أو فى أى بلاد يحتفل فيها بشم النسيم أن يتاجروا بالهدايا الخاصة بهذا العيد من بيض منقوش، أو مصبوغ مخصص لهذا العيد، أو سمك مملح لأجله، أو بطاقات تهنئة به، أو غير ذلك مما هو مختص به؛ لأن المتاجرة بذلك فيها إعانة على المنكر الذى لا يرضاه الله تعالى ولا رسوله -صلى الله عليه وسلم- كما لا يحل لمن أهديت له هدية هذا العيد أن يقبلها؛ لأن فى قبولها إقراراً لهذا العيد، ورضاً به.

الدكتور ياسر برهامى نائب رئيس الدعوة السلفية نزل على عقولنا بفتوى أخرى لتغلق كل الأبواب الممكنة حرم فيها تأجير الشواطئ السياحية يوم شم النسيم لتشابهه مع أعياد الكفار، ولما يتضمنه الشاطئ فى هذا اليوم من المنكرات وكشف العورات.

عيد الأم الذى لا يشمل أى احتفال أو رقص أو منكرات أى حفلات لم ينج هو الآخر من حملات التحريم والتكفير وخرج علينا عدد كبير من الشيوخ المتطرفين وأكدوا أن عيد الأم بدعة والاحتفال به حرام، وعلى موقع طريق الإسلام وموقع صيد الفوائد أفتى الدكتور محمد الخضيرى قائلا: «قد تابع جهلة هذه الأمة ومبتدعتها وزنادقتها الأمم السابقة من اليهود والنصارى والفرس فى عقائدهم ومناهجهم وأخلاقهم وهيئاتهم، ومنها الاحتفال بيوم عيد الأم الذى ابتدعه النصارى تكريما -فى زعمهم- للأم، فصار يوما معظما تعطل فيه الدوائر ويصل فيه الناس أمهاتهم ويبعثون لهن الهدايا والرسائل الرقيقة، عيد الأم هو من أعياد الجاهلية الحديثة التى لا يجوز بحال أن يشارك فيها المسلمون، وعلى هذا لا يجوز تقديم الهدايا للأم بهذه المناسبة.

ما نال عيد الأم من تحريم وتكفير من يحتفل به نال أيضاً عيد الحب، الذى ابتكره البشر لنشر التراحم بين البشر وبعضهم وإعلاء قيمة المشاعر على الماديات، فقال الشيخ «مصطفى العدوى»، عضو مجلس شورى العلماء، المحسوب على التيار السلفى، إنه «عيد مبتدع ويلوث بلاد المسلمين؛ ففيه ترتدى النسوة والشباب ملابس حمراء وغيرها من البدع والضلالات، وهو إحياء للشر والفساد فى النفوس»، وأكد العدوى، فى فتواه، أن «الأعياد يشرعها الله»، ولقد قال عز وجل: «وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا»، وبذلك فما غير عيدى الأضحى والفطر والجمعة، فهو مبتدع.

الشراهة التى أصابت شيوخ التحريم لم تمنع بعضهم بأن يفتى بحرمانية ممارسة الجنس بين الزوجين وهم عرايا تماما، ودفعت آخر لأن يفتى بحرمانية جلوس المرأة على الكرسى، ودفع آخر ثالث بأن يفتى بحرمانية قيادة المرأة للسيارة أو جلوس المرأة على الإنترنت بدون محرم، هذه الشراهة لم تتوقف عند الأحياء بل امتدت لتكسر حاجز قدسية الموتى وإجلالهم وظهر أحدهم وهو المدعو خالد سعيد المتحدث باسم الجبهة السلفية وحرم الصلاة على اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات السابق قائلاً: «لا يجوز حضور جنازة عمر سليمان رئيس جهاز المخابرات السابق، أو الصلاة عليه»، مستدلا بقول الله تعالى «وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ»، وأضاف أن عمر سليمان يصنف على أنه من المجرمين والقوم الفاسقين، لافتا إلى أنه كان من جنود وأعوان مبارك الظالمين، الذين أفسدوا وأجرموا فى حق الوطن خلال 30 عامًا.

خالد سعيد لم يكن الأول والأخير الذى فعل ذلك فقد سبقه العديد من شيوخ التيار السلفى الذين رفضوا الترحم على البابا شنودة أو المشاركة فى جنازته أو حتى الوقوف دقيقة حدادا على روحه، وإذا كان ياسر برهامى أقل قسوة من غيره وأقر بأنه لا مانع من تقديم واجب العزاء فإنه عاد وحرم الترحم على البابا شنودة أو الاستغفار له أو لأى ميت على ديانة أخرى. ومن على موقع إسلام ويب فتوى أخرى تقول إنه إذا ثبت أن شخصا ما مشركا أو يهوديا أو نصرانيا أو غيرهم من ملل الكفر، وأنه مات على شركه وكفره من غير توبة، فإنه لا يجوز الترحم عليه ولا الدعاء له بعد موته، لأن الله تعالى قد قضى عليه بالخلود فى النار، والدعاء له بالرحمة طلب لتغيير قضاء الله المبرم الذى لا يغير ولا يبدل بالدعاء.

أصحاب الفتوى بتحريم الترحم على البابا شنودة أو غيره من إخوتنا الأقباط نسوا تماما أن شوارع مصر عودتنا على أنها قادرة على جمع كل المتضادات، وغسل كل الخصومات فى أوقات الحزن، عودتنا على أن كل الخلافات تتنحى جانبا، وتتلاشى تماما، حينما يقرر الحزن أن يزور البيوت، وفى الأوقات التى تنال المصائب الكبيرة من هذا الوطن، اعتدنا أن نجد الكتف فى الكتف، لا أن يظهر أحدهم ليحدد لنا الطريقة التى يجب أن نشاطر بها إخواننا فى الوطن أحزانهم.

المشاعر الإنسانية تتضافر وتتضامن بالكلمات التى تأتى من القلب إلى اللسان مباشرة، وبالأحضان وبالدموع، ولا يمكنها أن تفهم السبب وراء تحريم الحديث عن رحمة الله بشخص متوفى، الفطرة الإنسانية تعرف أن رحمة الله تسع كل شىء، وتعرف أن الرحمة بيد الخالق، يمنحها من يشاء، ويمنعها عمن يشاء، وما على الإنسان إلا الطلب، طلب الرحمة الربانية التى تقينا صعاب الانتقال إلى الحياة الآخرة، وتسهل على جميع الأخيار أيا كان دينهم، أو عقيدتهم أهوال ما بعد الموت.

الرحمة يا سيدى هى ألا تطلب منع الرحمة عن قلوب أخرى، مهما كانت جنسيتها أو ملتها، فتلك ممتلكات الله، يجود بها على من يشاء، ويمنعها عمن يشاء، لأنه هو سبحانه وتعالى الأعلم بما فى القلوب، وفى دواخل الأنفس.

ولأن شهوة التحريم أكبر من كل توقعاتنا، كان غريبا أن نسمع ونرى أعضاء سلفيين فى الجمعية التأسيسية التى وضعت الدستور المأسوف على حاله يرفضون الوقوف أثناء تحية العلم والنشيد الوطنى بل يجاهرون علنا بأن ذلك أمر من المحرمات ولا يجوز شرعا تحية العلم أو الوقوف أثناء النشيد الوطنى، حتى التحية العسكرية نهوا عنها واعتبروها فعلا من أفعال الحرام وفى ذلك صدرت عدة فتاوى منها فتوى تقول: «التحية العسكرية التى تكون بين الجنود بعضهم البعض، وتكون بالإشارة باليد»، هى تحية منهى عنها شرعاً، وإنما تحية المسلمين تكون بقول: السلام عليكم. روى الترمذى «695» عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ الْإِشَارَةُ بِالْأَصَابِعِ، وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الْإِشَارَةُ بِالْأَكُفّ» وحسنه الألبانى فى صحيح الترمذى.

وعن جابر بن عبدالله رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسلموا تسليم اليهود، فإن تسليمهم بالرؤوس والأكف والإشارة» رواه النسائى «فى عمل اليوم والليلة» «340» وأبويعلى والطبرانى فى «الأوسط»، وقال الحافظ فى «الفتح» «11/12»: إسناده جيد، وحسنه الألبانى فى «السلسلة الصحيحة» «1783».

وأما تحية العلم فهى بدعة محدثة، لا يجوز المشاركة فيها، فى الجيش أو المدرسة أو غيرها كما بين أهل العلم.

وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: هل يجوز الوقوف تعظيما لأى سلام وطنى أو علم وطنى؟

فأجابوا: لا يجوز للمسلم القيام إعظاماً لأى علم وطنى أو سلام وطنى، بل هو من البدع المنكرة التى لم تكن فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فى عهد خلفائه الراشدين رضى الله عنهم، وهى منافية لكمال التوحيد الواجب وإخلاص التعظيم لله وحده، وذريعة إلى الشرك، وفيها مشابهة للكفار وتقليد لهم فى عاداتهم القبيحة ومجاراة لهم فى غلوهم فى رؤسائهم ومراسيمهم، وقد نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن مشابهتهم أو التشبه بهم.

وبالمثل أكد الدكتور عبدالآخر حماد، مفتى الجماعة الإسلامية أن الوقوف للسلام الوطنى وتحية العلم فيهما تعظيم لمن لا يرد الشرع بتعظيمها، فنحن أمرنا بتعظيم شرع الله وأمر رسوله «صلى الله عليه وسلم»، أما غير ذلك فليس لنا نقف معظمين لعلم أو لغيره، فالناس يقفون للعلم وقفة خاشعة كأنهم يصلون بل أكثر من ذلك. وبالنسبة للسلام الوطنى، أضاف حماد، أن السلام الوطنى فيه موسيقى وأجمع الأئمة الأربعة فى الإسلام على تحريمها، كما أن كل السلف قد أجمعوا على أن مجموعة من الأمور منهى عنها ومنها الموسيقى.

وحتى تكتمل مظومة التحريم لا بد أن تعرف أن فتاوى عديدة صدرت لتحرم العمل فى السياحة، لأن الآثار الفرعونية التى يصبو إليها سائحو الغرب، رحلة تتخللها محظورات شرعية كثيرة: منها: زيارة ديار الهالكين من الظالمين سواء فى منطقة الأهرامات، أو معبد أبوسمبل أو الكرنك أو غيرها، وقد نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن دخول ديارهم إلا خائفين باكين ولكن زائرى هذه الأماكن تكون لغتهم فى التعريف بهذه الآثار هى غالباً لغة التعظيم والإكبار والإعجاب، ومن المعلوم أن ذلك مما يتنافى مع عقيدة الولاء والبراء، التى هى أصل من أصول عقيدة الإسلام. وفى موقع «طريق السلف» فتوى أخرى تقول «لا يجوز العمل فى هذا المجال حيث إن السياح يأتون للمنكرات من ملاه ليلية وزيارة معابد الكفار غير العظة وفعل الفواحش والمنكرات، ولا دين لهم يحجزهم عن الفجور».

أما فيما يخص أمور السياسة فهناك عشرات الفتاوى التى ترى الديمقراطية كفرا والانتخابات حرام، والمظاهرات والخروج على الحاكم من المحرمات الكبرى، وفى ذلك هناك فتوى تقول: الإصلاح والنصيحة لا تكون بالمظاهرات وهذا ما قرره علماء البلاد قديماً وحديثاً من تحريمها، كما نحذر من الارتباطات الفكرية والحزبية، لأن الأمة جماعة واحدة متمسكة بما عليه السلف الصالح، وفى فتوى أخرى عن الشيخ «ابن باز» قال إن المظاهرات والمسيرات والهتافات ليست طريق الإصلاح لأن النبى -عليه السلام- مكث ثلاثة عشر عاماً فى مكة ولم يقم بمظاهرات أو مسيرات، وفى مصر قال عبدالمنعم الشحات إن الديمقراطية كفر، وقال شيوخ السلف إن الانتخابات حرام ولكن المشاركة بها هذه الفترة وسيلة لتمكين الإسلاميين، ثم خرج علينا، محمود عامر القيادى بالتيار السلفى ليؤكد حرمانية التصويت فى الانتخابات البرلمانية بشكل عام، معتبراً أن من يصوت لصالح أحد المرشحين هو آثم، وخائن للأمانة.، ثم عاد وجدد فتاوى بعدم حرمة التصويت لليبرالى والعلمانى والقبطى والمسلم الذى لا يصلى، وقال «التصويت لهؤلاء حرام شرعاً، ومن يفعل ذلك فقد ارتكب إثما كبيرا، وتجب عليه الكفارة»، وفى الفترة نفسها خلال الانتخابات البرلمانية الماضية أيضاً أفتى القيادى بجماعة الإخوان المسلمين أحمدى قاسم، وكان أحد المرشحين فى الفيوم، خلال لقاء انتخابى بأن الانضمام لحزب الحرية والعدالة ما هو إلا صورة من صور العبادة والتقرب إلى الله فى خدمة الشعب المصرى.

فضيلة الصدق

 

بيان حقيقة الصدق ومعناه ومراتبه

اعلم أن لفظ الصدق يستعمل في ستة معان: صدق في القول، وصدق في النية والإرادة، وصدق في العزم، وصدق في الوفاء بالعزم، وصدق في العمل، وصدق في تحقيق مقامات الدين كلها، فمن اتصف بالصدق في جميع ذلك فهو صديق لأنه مبالغة في الصدق. ثم هم أيضاً على درجات فمن كان له حظ في الصدق في شيء من الجملة فهو صادق بالإضافة إلى ما فيه صدقه. الصدق الأول: صدق اللسان وذلك لا يكون إلا في الإخبار أو فيما يتضمن الإخبار وينبه عليه، والخبر إما أن يتعلق بالماضي أو بالمستقبل، وفيه يدخل الوفاء بالوعد والخلف فيه. وحق على كل عبد أن يحفظ ألفاظه فلا يتكلم إلا بالصدق، وهذا هو أشهر أنواع الصدق وأظهرها، فمن حفظ لسانه عن الإخبار عن الأشياء على خلاف ما هي عليه فهو صادق ولكن لهذا الصدق كمالان: أحدهما الاحتراز عن المعاريض؛ فقد قيل: في المعاريض مندوحة عن الكذب وذلك لأنها تقوم مقام الكذب، إذ المحذور من الكذب تفهيم الشيء على خلاف ما هو في نفسه، إلا أن ذلك مما تمس إليه الحاجة وتقتضيه المصلحة في الأحوال وفي تأديب الصبيان والنسوان ومن يجري مجراهم وفي الحذر عن الظلمة وفي قتال الأعداء والاحتراز عن إطلاعهم على أسرار الملك، فمن اضطر إلى شيء من ذلك فصدقه فيه أن يكون نطقه فيه لله فيما يأمره الحق به ويقتضيه الدين، فإذا نطق به فهو صادق وإن كان كلامه مفهماً غير ما هو عليه، لأن الصدق ما أريد لذاته بل للدلالة على الحق والدعاء إليه فلا ينظر إلى صورته بل إلى معناه، نعم في مثل هذا الموضع ينبغي أن يعدل إلى المعاريض ما وجد إليه سبيلاً، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توجه إلى سفر ورى بغيره، وذلك كي لا ينتهي الخبر إلى الأعداء فيقصد، وليس هذا من الكذب في شيء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيراً أو أنمى خيراً" ورخص في النطق على وفق المصلحة في ثلاثة مواضع: من أصلح بين اثنين، ومن كان له زوجتان، ومن كان في مصالح الحرب. والصدق ههنا يتحول إلى النية فلا يراعي فيه إلا صدق النية وإرادة الخير، فمهما صح قصده وصدقت نيته وتجردت للخير إرادته صار صادقاً وصديقاً كيفما كان لفظه، ثم التعريض فيه أولى. وطريقه ما حكي عن بعضهم، أنه كان يطلبه بعض الظلمة وهو في داره فقال لزوجته: خطي بإصبعك دائرة وضعي الإصبع على الدائرة وقولي ليس هو ههنا، واحترز بذلك عن الكذب ودفع الظالم عن نفسه، فكان قوله صدق وأفهم الظالم أنه ليس في الدار. فالكمال الأول في اللفظ أن يحترز عن صريح اللفظ وعن المعاريض أيضاً إلا عند الضرورة.

والكمال الثاني: أن يراعي معنى الصدق في ألفاظه التي يناجي بها ربه كقوله: " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض " فإن قلبه إن كان منصرفاً عن الله تعالى مشغولاً بأماني الدنيا وشهواته فهو كذب. وكقوله: "إياك نعبد " وقوله: أنا عبد الله، فإنه إذا لم يتصف بحقيقة العبودية وكان له مطلب سوى الله لم يكن كلامه صدقاً، ولو طولب يوم القيامة بالصدق في قوله: أنا عبد الله، لعجز تحقيقه فإنه كان عبداً لنفسه أو عبداً لدنيا أو عبداً لشهواته لم يكن صادقاً في قوله. وكل ما تقيد العبد به فهو عبد له كما قال عيسى عليه السلام: يا عبيد الدنيا! وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: " تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم وعبد الحلة وعبد الخميصة" فسمى كل من تقيد بشيء عبداً له.

وإنما العبد الحق - لله عز وجل - من أعتق أولاً من غير الله تعالى فصار حراً مطلقاً، فإذا تقدمت هذه الحرية صار القلب فارغاً فحلت فيه العبودية لله فتشغله بالله وبمحبته وتقيد باطنه وظاهره بطاعته فلا يكون له مراد إلا الله تعالى، ثم تجاوز هذا إلى مقام آخر أسمى منه يسمى الحرية وهو أن يعتق أيضاً عن إرادته لله من حيث هو بل يقنع بما يريد الله له من تقريب أو إبعاد فتفنى إرادته في إرادة الله تعالى، وهذا عبد عتق عن غير الله فصار حراً، ثم عاد وعتق عن نفسه فصار حراً، وصار مفقوداً لنفسه موجوداً لسيده ومولاه إن حركه تحرك وإن سكنه سكن وإن ابتلاه رضي، لم يبق فيه متسع لطلب والتماس واعتراض، بل هو بين يدي الله كالميت بين يدي الغاسل وهذا منتهى الصدق في العبودية لله تعالى، فالعبد الحق هو الذي وجوده لمولاه لا لنفسه وهذه درجة الصديقين. وأما الحرية عن غير الله فدرجات الصادقين، وبعدها تتحقق العبودية لله تعالى، وما قبل هذا فلا يستحق صاحبه أن يسمى صادقاً ولا صديقاً، فهذا هو معنى الصدق في القول. الصدق الثاني: في النية والإرادة! ويرجع ذلك إلى الإخلاص وهو أن لا يكون له باعث في الحركات والسكنات إلا الله تعالى، فإن مازجه شوب من حظوظ النفس بطل صدق النية وصاحبه يجوز أن يسمى كاذباً - كما روينا في فضيلة الإخلاص من حديث الثلاثة حين يسأل العالم ما عملت فيما علمت؟ فقال: فعلت كذا وكذا، فقال الله تعالى: كذبت بل أردت أن يقال فلان عالم- فإنه لم يكذبه ولم يقل له لم تعمل ولكنه كذبه في إرادته ونيته.

وقد قال بعضهم: الصدق صحة التوحيد في القصد.

وكذلك قول الله تعالى: " والله يشهد إن المنافقين لكاذبون " وقد قالوا إنك لرسول الله وهذا صدق، ولكن كذبهم لا من حيث نطق اللسان بل من حيث ضمير القلب وكان التكذيب يتطرق إلى الخبر. وهذا القول يتضمن إخباراً بقرينة الحال إذ صاحبه يظهر من نفسه أن يعتقد ما يقول فكذب في دلالته بقرينة الحال على ما في قلبه، فإنه كذب ولم يكذب فيما يلفظ به، فيرجع أحد معاني الصدق إلى خلوص النية وهو الإخلاص فكل صادق فلا بد وأن يكون مخلصاً.

الصدق الثالث: صدق العزم؛ فإن الإنسان قد يقدم العزم على العمل فيقول في نفسه. إن رزقني الله مالاً تصدقت بجميعه - أو بشطره. أو إن لقيت عدواً في سبيل الله تعالى قاتلت ولم أبال وإن قتلت، وإن أعطاني الله تعالى ولاية عدلت فيها ولم أعص الله تعالى بظلم وميل إلى خلق. فهذه العزيمة قد يصادفها من نفسه وهي عزيمة جازمة صادقة، وقد يكون في عزمه نوع ميل وتردد وضعف يضاد الصدق في العزيمة، فكان الصدق ههنا عبارة عن التمام والقوة كما يقال: لفلان شهوة صادقة. ويقال: هذا المريض شهوته كاذبة، مهما لم تكن شهوته عن سبب ثابت قوي أو كانت ضعيفة، فقد يطلق الصدق ويراد به هذا المعنى. والصادق والصديق هو الذي تصادف عزيمته في الخيرات كلها قوة تامة ليس فيها ميل ولا ضعف ولا تردد، بل تسخو نفسه أبداً بالعزم المصمم الجازم على الخيرات وهو كما قال عمر رضي الله عنه: لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر - رضي الله عنه - فإنه قد وجد من نفسه العزم الجازم، والمحبة الصادقة بأنه لا يتأمر مع وجود أبي بكر رضي الله عنه، وأكد ذلك بما ذكره من القتل.

ومراتب الصديقين في العزائم تختلف؛ فقد يصادف العزم ولا ينتهي به إلى أن يرضى بالقتل فيه ولكن إذا خلي ورأيه لم يقدم، ولو ذكر له حديث القتل لم ينقض عزمه، بل في الصادقين والمؤمنين من لو خير بين أن يقتل هو أو أبو بكر كانت حياته أحب من حياة أبي بكر الصديق.

الصدق الرابع: في الوفاء بالعزم، فإن النفس قد تسخو بالعزم في الحال إذ لا مشقة في الوعد والعزم والمؤنة فيه خفيفة، فإذا حقت الحقائق وحصل التمكن وهاجت الشهوات انحلت العزيمة وغلبت الشهوات ولم يتفق الوفاء بالعزم، وهذا يضاد الصدق فيه، ولذلك قال الله تعالى: "رجال صدقوا الله ما عاهدوا الله عليه "، فقد روي عن أنس أن عمه أنس بن النضر لم يشهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق ذلك على قلبه وقال: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه أما والله لئن أراني الله مشهداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أصنع! قال: فشهد أحداً في العام القابل فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو إلى أين؟ فقال: واها لريح الجنة! إني أجد ريحها دون أحد. فقاتل حتى قتل فوجد في جسده بضع وثمانون ما بين رمية وضربة وطعنة فقالت أخته بنت النضر: ما عرفت أخي إلا بثيابه، فنزلت هذه الآية " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ".

ووقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على مصعب بن عمير - وقد سقط على وجهه يوم أحد شهيداً وكان صاحب لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام: " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ".وقال فضالة بن عبيد: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الشهداء أربعة: رجل مؤمن جيد الإيمان لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذلك الذي يرفع الناس إليه أعينهم يوم القيامة هكذا " ورفع رأسه حتى وقعت قلنسوته، قال الراوي: فلا أدري قلنسوة عمر أو قلنسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، " ورجل جيد الإيمان إذا لقي العدو فكأنما يضرب وجهه بشوك الطلح أتاه سهم عاثر فقتله فهو في الدرجة الثانية، ورجل مؤمن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذلك في الدرجة الثالثة، ورجل أسرف على نفسه لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذاك في الدرجة الرابعة".

وقال مجاهد: رجلان خرجا على ملأ من الناس قعود فقالا: إن رزقنا الله تعالى لنتصدقن فبخلوا به فنزلت " ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ".

وقال بعضهم: إنما هو شيء نووه في أنفسهم لم يتكلموا به فقال " ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضين فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون " فجعل العزم عهداً وجعل الخلف فيه كذباً والوفاء به صدقاً. وهذا الصدق أشد من الصدق الثالث، فإن الناس قد تسخو بالعزم ثم تكيع عند الوفاء لشدته عليها ولهيجان الشهوة عند التمكن وحصول الأسباب. ولذلك استثنى عمر رضي الله عنه فقال: لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر اللهم إلا أن تسول لي نفسي عند القتل شيئاً لا أجده الآن لأني لا آمن أن يثقل عليها ذلك فتتغير عن عزمها. أشار بذلك إلى شدة الوفاء بالعزم.

وقال أبو سعيد الخراز: رأيت في المنام كأن ملكين نزلا من السماء فقالا لي: ما الصدق؟ قلت: الوفاء بالعهد، فقالا لي: صدقت، وعرجا إلى السماء.

الصدق الخامس: في الأعمال، وهو أن يجتهد حتى لا تدل أعماله الظاهرة على أمر في باطنه لا يتصف هو به، لا بأن يترك الأعمال ولكن بأن يستجر الباطن إلى تصديق الظاهر، وهذا مخالف ما ذكرناه من ترك الرياء لأن المرائي هو الذي يقصد ذلك، ورب واقف على هيئة الخشوع في صلاته ليس يقصد به مشاهدة غيره ولكن قلبه غافل عن الصلاة، فمن ينظر إليه يراه قائماً بين يدي الله تعالى وهو بالباطن قائم في السوق بين يدي شهوة من شهواته فهذه أعمال تعرب بلسان الحال عن الباطن إعراباً هو فيه كاذب وهو مطلب بالصدق في الأعمال وكذلك قد يمشي الرجل على هيئة السكون والوقار وليس باطنه موصوفاً بذلك الوقار، فهذا غير صادق في عمله وإن لم يكن ملتفتاً إلى الخلق ولا مرائياً إياهم، ولا ينجو من هذا إلا باستواء السريرة والعلانية بأن يكون باطنه مثل ظاهره أو خيراً من ظاهره. ومن خيفة ذلك اختار بعضهم تشويش الظاهر ولبس ثياب الأشرار كيلا يظن به الخير بسبب ظاهره فيكون كاذباً في دلالة الظاهر على الباطن.

إذن مخالفة الظاهر للباطن إن كانت عن قصد سميت رياء ويفوت بها الإخلاص، وإن كانت عن غير قصد فيفوت بها الصدق.

ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اجعل سريرتي خيراً من علانيتي واجعل علانيتي صالحة".

وقال يزيد بن الحارث: إذا استوت سريرة العبد وعلانيته فذلك النصف، وإن كانت سريرته أفضل من علانيته فذلك الفضل، وإن كانت علانيته أفضل من سريرته فذلك الجور. وأنشدوا:  

إذا السر والإعلان في المؤمن استوى

 

فقد عز في الدارين واستوجب الثنـا

فإن خالف الإعلان سراً فـمـا لـه

 

على سعيه فضل سوى الكد والعنـا

فما خالص الدينار في السوق نافـق

 

ومغشوشه المردود لا يتقضى المنـا

وقال عطية بن عبد الغافر: إذا وافقت سريرة المؤمن علانيته باهى الله به الملائكة يقول: هذا عبدي حقاً.

وقال معاوية بن قرة: من يدلني على بكاء بالليل بسام بالنهار.

وقال عبد الواحد بن زيد: كان الحسن إذا أمر بشيء كان من أعمل الناس به وإذا نهي عن شيء كان من أترك الناس له، ولم أر أحداً قط أشبه سريرة بعلانية منه.

وكان أبو عبد الرحمن الزاهد يقول: إلهي عاملت الناس فيما بيني وبينهم بالأمانة، وعاملتك فيما بيني وبينك بالخيانة - ويبكي. وقال أبو يعقوب النهرجوري: الصدق موافقة الحق في السر والعلانية.

فإذن مساواة السريرة للعلانية أحد أنواع الصدق.

الصدق السادس: وهو أعلى الدرجات وأعزها؛ الصدق في مقامات الدين، كالصدق في الخوف والرجاء والتعظيم والزهد والرضا والتوكل والحب وسائر هذه الأمور. فإن هذه الأمور لها مباد ينطلق الاسم بظهورها، ثم لها غايات وحقائق والصادق المحقق من نال حقيقتها، وإذا غلب الشيء وتمت حقيقته سمي صاحبه صادقاً فيه، كما يقال: فلان صدق القتال. ويقال: هذا هو الخوف الصادق، وهذه هي الشهوة الصادقة. وقال الله تعالى " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا " إلى قوله " أولئك هم الصادقون ".

وقال تعالى: " ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر " إلى قوله " أولئك الذين صدقوا ".

وسئل أبو ذر عن الإيمان فقرأ هذه الآية فقيل له: سألناك عن الإيمان؟ فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقرأ هذه الآية.

ولنضرب للخوف مثلاً: فما من عبد يؤمن بالله واليوم الآخر إلا وهو خائف من الله خوفاً ينطلق عليه الاسم، ولكنه خوف غير صادق أي غير بالغ درجة الحقيقة، أما تراه إذا خاف، سلطاناً أو قاطع طريق في سفره كيف يصفر لونه وترتعد فرائصه ويتنغص عليه عيشه ويتعذر عليه أكله ونومه وينقسم عليه فكره، حتى لا ينتفع به أهله وولده، وقد ينزعج عن الوطن فيستبدل بالأنس الوحشة، وبالراحة التعب والمشقة والتعرض للأخطار، كل ذلك خوفاً من درك المحذور. ثم إنه يخاف النار ولا يظهر عليه شيء من ذلك عند جريان معصية عليه. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " لم أر مثل النار نام هاربها ولا مثل الجنة نام طالبها" فالتحقيق في هذه الأمور عزيز جداً ولا غاية لهذه المقامات حتى ينال تمامها، ولكن لكل عبد منه حفظ يحسب حاله إما ضعيف وإما قوي، فإذا قوي سمي صادقاً فيه. فمعرفة الله تعالى وتعظيمه والخوف منه لا نهاية لها ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام: " أحب أن أراك في صورتك التي هي صورتك " فقال: لا تطيق ذلك، قال: " بل أرني " فواعده بالبقيع في ليلة مقمرة فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو به قد سد الأفق - يعني جوانب السماء - فوقع النبي صلى الله عليه وسلم مغشياً عليه فأفاق وقد عاد جبريل لصورته الأولى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما ظننت أن أحداً من خلق الله هكذا " قال: وكيف لو رأيت إسرافيل؟ إن العرش لعلى كاهله، وإن رجليه قد مرقتا تخوم الأرض السفلى وإنه ليتصاغر من عظمة الله حتى يصير كالوصع، يعني العصفور الصغير، فانظر ما الذي يغشاه من العظمة والهيبة حتى يرجع إلى ذلك الحد؟ وسائر الملائكة ليسوا كذلك لتفاوتهم في المعرفة فهذا هو الصدق في التعظيم.

وقال جابر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مررت ليلة أسري بي وجبريل بالملأ الأعلى كالحلس البالي من خشية الله تعالى" يعني الكساء الذي يلقى على ظهر البعير، وكذلك الصحابة كانوا خائفين وما كانوا بلغوا خوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما: لن تبلغ حقيقة الإيمان حتى تنظر الناس كلهم حمقى في دين الله.

وقال مطرف: ما من الناس أحد إلا وهو أحمق فيما بينه وبين ربه إلا أن بعض الحمق أهون من بعض.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى ينظر إلى الناس كالأباعر في جنب الله ثم يرجع إلى نفسه فيجدها أحقر حقير". فالصادق إذن في جميع هذه المقامات عزيز. ثم درجات الصدق لا نهاية لها وقد يكون للعبد صدق في بعض الأمور دون بعض، فإن كان صادقاً في الجميع فهو الصديق حقاً. قال سعد بن معاذ: ثلاثة أنا فيهن قوي وفيما سواهن ضعيف: ما صليت صلاة منذ أسلمت فحدثت نفسي حتى أفرغ منها، ولا شيعت جنازة فحدثت نفسي بغير ما هي قائلة وما هو مقول لها حتى يفرغ من دفنها، وما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قولاً إلا علمت أنه حق، فقال ابن المسيب: ما ظننت أن هذه الخصال تجتمع إلا في النبي عليه السلام. فهذا صدق في هذه الأمور، وكم قوم من جلة الصحابة قد أدوا الصلاة واتبعوا الجنائز ولم يبلغوا هذا المبلغ؟ فهذه هي درجات الصدق ومعانيه. والكلمات المأثورة عن المشايخ في حقيقة الصدق في الأغلب لا تتعرض إلا لآحاد لهذه المعاني نعم قد قال أبو بكر الوراق: الصدق ثلاثة: صدق التوحيد، وصدق الطاعة، وصدق المعرفة. فصدق التوحيد لعامة المؤمنين، قال الله تعالى: " والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون " وصدق الطاعة لأهل العلم والورع، وصدق المعرفة لأهل الولاية الذين هم أوتاد الأرض - وكل هذا يدور على ما ذكرناه في الصدق السادس، ولكنه ذكر أقسام ما فيه الصدق وهو أيضاً غير محيط بجميع الأقسام - وقال جعفر الصادق: الصدق هو المجاهدة وأن لا تختار على الله غيره كما لم يختر عليك غيرك فقال تعالى " هو اجتباكم "، وقيل أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: إني إذا أحببت عبداً ابتليته ببلايا لا تقوم لها الجبال لأنظر كيف صدقه، فإن وجدته صابراً اتخذته ولياً وحبيباً، وإن وجدته جزوعاً يشكوني إلى خلقي خذلته ولا أبالي. فإذن من علامات الصدق كتمان المصائب والطاعات جميعاً وكراهة إطلاع الخلق عليها.

تم كتاب الصدق والإخلاص، يتلوه كتاب المراقبة والمحاسبة، والحمد لله.