نظام الحكم في الاسلام

 

 

 

 


نظرية الدولة في الإسلام


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


نظرية الدولة في الإسلام

دروس من فكر الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره

 

 

 


بسم الله الرحمن الرحيم
المقدّمة

 

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمّد وعلى آله الطيّبين الأطهار.

 

تُعدّ أطروحة الشهيد الصدر قدس سره حول مفهوم الدولة وأصالة نشأتها التاريخيّة من أبرز ما أنتجته منظومته الموسوعيّة في الفكر السياسيّ الإسلاميّ المعاصر، حيث انطلق قدس سره في أطروحته من منظور إسلاميّ، قدّم فيها رؤية الفكر الإسلاميّ لنشأة الدولة وتطورّها الاجتماعيّ والسياسيّ عبر الحِقَب التأريخيّة، وبالتحديد منذ بروز أسس الدولة على يد الأنبياء عليهم السلام، مروراً بدولة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وانتهاءاً بقيام الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران على يد الإمام الخمينيّ قدس سره، كامتداد لدولة الأنبياء عليهم السلام، وكتمهيد لدولة صاحب العصر والزمان الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف.


 

 

ولأهميّة هذا البحث قام مركز نون للتأليف والترجمة باختياره من كلمات الشهيد الصدر قدس سره، حيث تمّ تهذيبها وتشذيبها من بعض المكرّرات، مع التصرّف البسيط في العبارة وإعادة ترتيب بعضه, وذلك بغية المحافظة قدر الإمكان على عبارة الشهيد، هذا إلى جانب إضافة بعض العناوين للفقرات والأبحاث.

 

ويعدّ هذا البحث تلخيصاً لجواب الشهيد السعيد قدس سره على رسالة وجّهت إليه من قبل جماعة من علماء الدين في لبنان عام 1979م.، يستوضحون فيها عن رؤيته الفقهيّة وتصوّراته الأساس حول أطروحة الجمهوريّة الإسلاميّة الّتي رفع رايتها الإمام الخمينيّ قدس سره.

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الأهداف

 

1ـ التعرّف إلى الرؤية الإسلاميّة حول نشأة الدولة تاريخيّاً وتطوّرها اجتماعيّاً وسياسيّاً.

 

2 ـ التعرّف إلى دور الأنبياء والأئمّة عليهم السلام.

 

3 ـ فهم دور الفقهاء تجاه بناء الدولة الصالحة ولا سيّما دور الإمام الخمينيّ قدس سره في العصر الحديث.

 

4 ـ تعداد ركائز الدولة الصالحة في الإسلام وأهمّ أهدافها الرسالية العالميّة.

 

5 ـ المقارنة بين الرؤية الإسلاميّة والرؤية الوضعيّة حول بناء الدولة المعاصرة.

 



 نشأة الدولة في الفكر الإسلاميّ:

 

تُعتبر الدولة ـ في الفكر السياسيّ الإسلاميّ المعاصر ـ ظاهرة اجتماعيّة أصيلة في حياة الإنسان، وقد نشأت على يد الأنبياء عليهم السلام ورسالات السماء، ومن ثمّ اتّخذت صيغتها السويّة ومارست دورها السليم في قيادة المجتمع الإنسانيّ وتوجيهه, من خلال ما حقّقه الأنبياء عليهم السلام في هذا المجال من تنظيم اجتماعيّ قائم على أساس الجهد والعدل الّذي يستهدف الحفاظ على وحدة البشريّة وتطوير نموّها في مسارها الصحيح.

 

قال الله تعالى في كتابه العزيز: "كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ

 

 


 

 

إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ"1.

 

نُلاحظ من خلال هذا النصّ القرآنيّ, أنّ الناس كانّوا أمّةً واحدةً في مرحلةٍ تسودها الفطرة وتوحِّد بينها تصوّرات بدائيّة للحياة، وهموم محدّدة، وحاجات بسيطة. ثمّ نمت ـ من خلال الممارسة الاجتماعيّة للحياة ـ المواهبُ والقابليّات، وبرزت الامكانات المتفاوتة، واتّسعت آفاق النظر، وتنوّعت التطلّعات، وتعقّدت الحاجات، حينها نشأ الاختلاف وبدأ التناقض بين القويّ والضعيف، وأصبحت الحياة الاجتماعيّة بحاجة إلى موازين تُحدِّد الحقّ وتُجسِّد العدل، وتضمن استمرار وحدة الناس في إطار سليم، وتصبّ كلّ تلك القابليّات والإمكانات ـ الّتي نمّتها التجربة الاجتماعية ـ في محور إيجابيّ، يعود على الجميع بالخير

 


1-سورة البقرة، الآية: 213.


 والرخاء والاستقرار، بدلاً عن أن يكون مصدراً للتناقض وأساساً للصراع والاستغلال.

 

وفي هذه المرحلة ـ بالتحديد ـ ظهرت فكرة الدولة على يد الأنبياء عليهم السلام الّذين قاموا بدورهم في بناء الدولة السليمة، طبقاً للأسس والقواعد الّتي سنّها الله تعالى.

 

بناء الدولة الصالحة:

 

ظلّ الأنبياء يواصلون بشكل أو بآخر دورهم العظيم في بناء الدولة الصالحة، وقد تولّى عدد كبير منهم الإشراف المباشر على الدولة, كداوود وسليمان عليهما السلام وغيرهما. وقضى بعض الأنبياء كلّ حياته وهو يسعى في هذا السبيل, كالنبيّ موسى عليه السلام، واستطاع خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم أنْ يتوِّج جهود سلفه الطاهرة بإقامة أنظف وأطهر دولة في التأريخ، شكّلت بحقّ منعطفاً عظيماً في تأريخ الإنسان، وجسّدت مبادئ الدولة الصالحة تجسيداً كاملاً ورائعاً.

 


وعلى الرغم من أنّ هذه الدولة بعد وفاة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم قد تولّاها في كثير من الأحيان قادة لا يعيشون أهدافها الحقيقيّة ورسالتها العظيمة، فإنّ الإمامة الّتي كانت امتداداً روحيّاً وعقائديّاً للنبوّة، ووريثاً لرسالات السماء، مارست باستمرار دورها في محاولة تصحيح مسار هذه الدولة وإعادتها إلى طريقها النبويّ الصحيح.

 

وقد قدّم الأئمّة عليهم السلام في هذا السبيل زخماً هائلاً من التضحيات، توجّها استشهاد أبي الأحرار وسيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين عليه السلام مع الصفوة من أهل بيته وأصحابه في كربلاء.

 

دور الفقهاء في بناء الدولة الصالحة:

 

كما كانت الإمامة امتداداً للنبوّة، كانت المرجعيّة الدينيّة بعد عصر الغيبة امتداداً بدورها للإمامة، وتحمّلت المرجعيّة أعباء هذه الرسالة العظيمة، وقامت على مرّ التأريخ بأشكال مختلفة من العمل في هذا السبيل أو التمهيد له بطريقة وبأُخرى.

 

 


لذا عاش العالم المسلم الشيعيّ دائماً مع كلِّ الصالحين وكلِّ المستضعَفين من أبناء هذه الأمة الخيّرة، عيشة الرفض لكلِّ ألوان الباطل والإصرار على التعلُّق بدولة الأنبياء والأئمّة عليهم السلام، بدولة الحقّ والعدل الّتي ناضل وجاهد من أجلها كلُّ أبرار البشريّة وأخيارها الصالحين.

 

أوّل دولة إسلاميّة في العصر الحديث:

 

وفي العصر الحديث استطاع الشعب الإيرانيّ المسلم أن يُشكِّل القاعدة الكبرى للرفض البطوليّ، والثبات على طريق دولة الأنبياء والأئمّة والصدّيقين عليهم السلام، باعتباره الجزء الأكثر التحاماً مع المرجعية الدينية وأسسها الدينية والمذهبية. وقد بلغت هذه القاعدة الرشيدة بفضل القيادة الحكيمة للمرجعية الصالحة الّتي جسّدها الإمام الخمينيّ قدس سره  قمّة وعيها الرساليّ والسياسيّ الرشيد, من خلال صراعها المرير مع طواغيت الكفر، ومقاومتها الشجاعة لفرعون إيران الحديث، حتّى استطاعت أن تُلحق به وبكلِّ ما يُمثِّله

 

 


من قوى الاستعمار الكافر أكبر هزيمة يُمنى بها المُستعمِر الكافر في عالمنا الإسلاميّ العظيم.

 

ومن هنا كان طرح المرجعية الرشيدة (الوليّ الفقيه) للجمهوريّة الإسلاميّة شعاراً وهدفاً وحقيقة تعبيراً حيّاً عن ضمير الأمّة، وتتويجاً لنضالها الطويل، وضماناً لاستمرار هذا الشعب في طريق النصر الّذي شقّه له الإسلام، ليُشكِّل بذلك قاعدة للإشعاع على العالم الإسلاميّ وعلى العالم كلّه، في لحظات عصيبة من تأريخ هذه الإنسانية، الّتي تتلفّت فيها كلّ شعوب العالم الإسلاميّ إلى المنقذ من هيمنة الإنسان الأوروبيّ والغربيّ وحضارته المُستغِلّة، وتشعر فيها كلّ شعوب العالم بالحاجة إلى رسالة تضع حدّاً لاستغلال الإنسان للإنسان.

 

خروج الإسلام من قمقم الاستعمار:

 

إنّ الإسلام الّذي حجزه الاستعمار عسكريّاً وسياسيّاً في قمقم، ليصبغ العالم الإسلاميّ بما يشاء من ألوان، قد

 


انطلق من قمقمه في إيران فكان زلزالاً على الظالمين، ومثلاً أعلى في بناء الشعب المجاهد والمضحّي، وسيفاً مصلتاً على الطغاة ومصالح الاستعمار، وقاعدة لبناء الأمّة من جديد.

 

ولم يُبرهن الإمام الخمينيّ قدس سره بإطلاقه للإسلام من القمقم على قدرته الفائقة، وبطولة الشعب الإيرانيّ فحسب، وإنّما فضح أيضاً ضخامة الجناية الّتي يُمارسها كلُّ من يُساهم في حجز الإسلام في القمقم، وتجميد طاقاته الهائلة والبنّاءة، وإبعادها عن مجال البناء الحضاريّ لهذه الأمّة.

 

فهذا النور الجديد الّذي قُدِّر للشعب الإيرانيّ أن يحمله إلى العالم، سوف يُعرّي تلك الأنظمة الّتي حملت اسم الإسلام زوراً، بنفس الدرجة الّتي يُدين بها الأنظمة الّتي رفضت الإسلام بالمطلق.

 

 


مرتكزات الرؤية الإسلاميّة في بناء الدولة المعاصرة:

 

تستند مرتكزات الدولة الإسلاميّة في عصر غيبة المعصوم عليه السلام إلى المنظومة التشريعيّة الشموليّة لكلِّ مناحي الحياة، والّتي قد وضع معالمها وقواعدها الله تعالى في القرآن الكريم، ثمّ قام رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام من بعده بتفصيلها وتبيانها للناس, لكي يسيروا على هديها نحو بناء الدولة الإسلاميّة.

 

وتُقسّم هذه المرتكزات إلى ثلاث ركائز أساس في الفقه الإسلاميّ، على النحو التالي:

 

1 - الله تعالى مصدر السلطات جميعاً.

 

يقوم التشريع الإسلاميّ على ركيزة أساس وأوّليّة، ألا وهي الإيمان المطلق بأنّ الله تعالى هو مصدر السلطات جميعاً، و هو المصدر الّذي يستمدّ منه الدستور شرعيّته،

 

 


 وتُشرّع على ضوئه القوانين1 في بناء الدولة.

 

وهذه الحقيقة الكبرى تُعتبر أعظم ثورة قام بها الأنبياء عليهم السلام, ومارسوها في معركتهم, من أجل تحرير الإنسان من عبودية الإنسان, أي إنّ الإنسان حرٌّ ولا سيادة لإنسان آخر أو لطبقة أو لأيّ مجموعة بشريّة عليه، وإنّما السيادة لله وحده، وبهذا يوضع حدّ نهائيّ لكلِّ ألوان التحكُّم وأشكال الاستغلال وسيطرة الإنسان على الإنسان.

 

طبعاً إنّ هذه السيادة لله تعالى والّتي دعا إليها الأنبياء والأولياء عليهم السلام على مرّ التأريخ، تختلف اختلافاً أساساً عن نظريّة الحقّ الإلهيّ، الّتي استغلّها الطغاة والملوك قروناً من الزمن للتحكُّم والسيطرة على الآخرين، فإنّ هؤلاء وضعوا

 


1- ملاحظة هامّة: تقسم قوانين الشريعة الإسلاميّة إلى قسمين:

أ ـ قوانين ثابتة, أي لا تتغيّر مع تغيّر الزمان أو المكان، وليس لأحد حقّ التصرُّف فيها (مثال: قوانين الإرث والنكاح وغيرها...).

ب ـ قوانين متغيّرة, أي تتغيّر مع تغيّر الزمان والمكان وتواكب المتغيّرات والمستجدّات، بحيث يستطيع الفقيه سنّ مثل هذه القوانين انطلاقاً من الالتزام بالأصول والثوابت الإسلاميّة العامّة وما تتطلبه ضرورات المجتمع الإسلامي. (مثال: تقديم الأهمّ على المهمّ في مسألة هدم منزل شخص ما بغية توسيع طريق لعموم الناس وتحقيقاً لمصلحتهم). وهذه القوانين يُطلق عليها (الأحكام الولائيّة) ضمن منطقة الفراغ كما يُسميّها الشهيد الصدر قدس سره.


 السيادة اسميّاً لله لكي يحتكروها واقعيّاً، ويُنصّبوا أنفسهم خلفاء الله على الأرض.

 

أمّا الأنبياء والأولياء عليهم السلام وكلُّ من سار على خطاهم في طريق تحرير الإنسان من عبودية الإنسان، فقد آمنوا بهذه السيادة الإلهيّة، وحرّروا بها أنفسهم الإنسانية وغيرهم من سلطة الإنسان المزوّرة على مرّ التأريخ. إنّهم أعطوا لهذه الحقيقة مدلولها الموضوعيّ المُتمثِّل في الشريعة النازلة بالوحي من السماء، فلم يعد بالإمكان أنْ تُستغلّ لتكريس سلطة فرد أو عائلة أو طبقة بوصفها سلطة إلهيّة، بل إنّما السيادة والسلطة لله وحده.

 

والنتيجة: ما دام الله تعالى مصدر السلطات، وكانت الشريعة هي التعبير الموضوعيّ المحدّد عن الله تعالى، فمن الطبيعيّ أنْ تحدّد الطريقة الّتي تُمارَس بها هذه السلطات عن طريق الشريعة الإسلاميّة.

 

2 - المرجعيّة الرشيدة (الوليّ الفقيه):

 

تُعتبر المرجعيّة الدينيّة حقيقة اجتماعيّة موضوعيّة في

 

 


 الأمّة، وتقوم على أساس الموازين الشرعيّة العامّة، بمعنى أنّ المرجعية الرشيدة هي المُعبِّر الشرعيّ عن الإسلام، والمرجع هو النائب العامّ عن الإمام عليه السلام من الناحية الشرعيّة، وله الولاية والقيمومة على تطبيق الشريعة، وحقّ الإشراف الكامل من هذه الزاوية، وهذا ما نصَّ عليه إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف حينما قال: "وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله"1.

 

لذا لا بُدَّ أن تتّصف هذه المرجعيّة الرشيدة بمجموعة صفات محدَّدة، منها:

 

1 ـ الاجتهاد الفقهيّ المطلق.

 

2 ـ العدالة والكفاءة.

 

3 ـ الإيمان بالدولة الإسلاميّة وضرورة حمايتها.

 

4 ـ أن تُرشّحه أكثرية أعضاء مجلس المرجعيّة (مجلس الخبراء).

 


1- المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، مؤسّسة الوفاء، الطبعة الثانية المصحَّحة، ج35، ص180.

 


ومن هذا المنطلق تتولّى المرجعيّة الرشيدة وظائف عدّة، منها:

 

1 ـ المرجع هو المُمثِّل الأعلى للدولة والقائد الأعلى للجيش.

 

2 ـ المرجع هو الّذي يُرشِّح أو يُمضي ترشيح الفرد الفائز بمنصب رئاسة السلطة التنفيذيّة.

 

3 ـ على المرجعيّة البتّ في دستوريّة القوانين الّتي يُعيّنها مجلس أهل الحلّ والعقد (مجلس الشورى الإسلاميّ) وذلك لملء منطقة الفراغ التشريعيّ.

 

3 - دور الأمّة (الشعب):

 

أُسندت السلطة التشريعيّة والسلطة التنفيذيّة ممارستها إلى الأمّة، فالأمّة هي صاحبة الحقّ في ممارسة هاتين السلطتين بالطريقة الّتي يُعيِّنها الدستور الإسلاميّ.

 

وهذا الحقّ حقّ استخلاف ورعاية مستمدّ من مصدر السلطات الحقيقيّ وهو الله تعالى، وبهذا ترتفع الأمّة وهي تُمارس السلطة إلى قِمّة شعورها بالمسؤوليّة, لأنّها تُدرك أنّها تتصرّف بوصفها خليفة الله في الأرض.

 

 


ولذا ليست الأمّة هي صاحبة السلطان، وإنّما هي المسؤولة أمام الله سبحانه عن حمل الأمانة وأدائها، قال تعالى: "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ"1.

 

طرق ممارسة حقّ الرعاية:

 

ويُمكن للأمّة (الشعب) أن تُحقِّق هذه الرعاية وتُمارِس حقّ الاستخلاف بالطرق التالية:

 

1 - يعود إلى الأمّة انتخاب رئيس السلطة التنفيذيّة بعد أن يتمَّ ترشيحه من قبل المرجعيّة ـ كما أشرنا سابقاً ـ ويتولّى الرئيس المُنتَخَب بعد ذلك بنفسه تكوين أعضاء الحكومة.

 

2 - ينبثق عن الأمّة بالانتخاب المباشر مجلس أهل الحلّ والعقد (مجلس الشورى الإسلاميّ)، ويقوم هذا

 


1-سورة الأحزاب، الآية: 72 .

 


 المجلس بوظائف عدّة، منها:

 

أ - إقرار أعضاء الحكومة الّتي شكّلها رئيس السلطة التنفيذيّة.

 

ب - ملء منطقة الفراغ بتشريع قوانين مناسبة.

 

ج - الإشراف على سير تطبيق الدستور والقوانين.

 

د - مراقبة أداء السلطة التنفيذيّة ومساءلتها.

 

أهداف الدولة الإسلاميّة:

 

انطلاقاً من رسالة الإسلام العزيز الّذي تحمل مشعله ـ اليوم ـ الجمهوريّةُ الإسلاميّة في إيران، يترتّب عليها مسؤوليّات عظمى في تحقيق أهداف الإسلام المنشودة، وذلك على مستوى الداخل الإيرانيّ أو خارجه:

 

أوّلاً ـ في الداخل الإيرانيّ:

 

1 ـ تطبيق الإسلام في مختلف مجالات الحياة.

 

2 ـ تحقيق المساواة بين جميع أفراد الأمّة أمام القانون في حقّ الرعاية وحمل الأمانة، فضلاً عن السماح بممارسة

 

 


هذا الحقّ من خلال التعبير عن آرائهم وأفكارهم، وممارسة العمل السياسيّ بمختلف أنواعه.

 

3 ـ حقّ ممارسة الشعائر الدينيّة والمذهبيّة لجميع مكوِّنات المجتمع، وتتعهّد الدولة بتوفير ذلك إلى المسلمين من مواطنيها الّذين يؤمنون بالانتماء السياسيّ إليها.

 

4 ـ تجسيد روح الإسلام بإقامة مبادئ العدالة الاجتماعيّة، والقضاء على الفوارق بين الطبقات في المعيشة، وتوفير الحدِّ الأدنى من الحياة الكريمة لكلِّ مواطن، وذلك عبر التوزيع العادل للثروة.

 

5 ـ تثقيف المواطنين على الإسلام تثقيفاً واعياً، وبناء الشخصيّة الإسلاميّة العقائديّة في كلِّ المجالات، لتتكوّن القاعدة الفكريّة الراسخة الّتي تُمكِّن الأمّة من مواصلة حمايتها للثورة.

 

ثانياً ـ في الخارج الإيرانيّ:

 

1 ـ حمل نور الإسلام ومشعل هذه الرسالة العظيمة

 

 


 إلى العالم كلِّه.

 

2 ـ الوقوف إلى جانب الحقّ والعدل في القضايا الدوليّة، وتقديم المثل الأعلى للإسلام من خلال ذلك.

 

3 ـ مساعدة كلِّ المستضعفين والمعذّبين في الأرض، ومقاومة الاستعمار والطغيان.

 

سرُّ قوّة الجمهوريّة الإسلاميّة:

 

إنّ دولة القرآن العظيمة لا تستنفد أهدافه, لأنّ كلمات الله تعالى لا تنفد، والسير نحوه لا ينقطع، والتحرّك في اتجاه المطلق لا يتوقّف. وهذا هو سرّ الطاقة في الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، وقدرتها على التطوّر والإبداع المستمرّ في مسيرة الإنسان نحو الله: "قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا"1.

 


1-سورة الكهف، الآية: 109.


بين الفكر الإسلاميّ والفكر الوضعيّ:

 

عند المقارنة بين الفكر السياسيّ الإسلاميّ والفكر السياسيّ الوضعيّ (العلمانيّ) ضمن المجال الفقهيّ القانونيّ الدستوريّ، يتبيّن لنا أنّ هناك تباينات واختلافات متعدِّدة فيما بينهما، سواء على مستوى الرؤية الإيديولوجيّة أم الأهداف والغايات. وهذا ما يُمكن ملاحظته من نواحٍ مختلفة:

 

أوّلاً ـ من ناحية تكوّن الدولة ونشوئها تأريخيّاً:

 

حيث يرفض الفكر الإسلاميّ جميع النظريات المفسِّرة لأصل النشأة التأريخيّة للدولة كما يتبنّاها الفكر السياسيّ الوضعيّ، سواء كانت النظريات العقدية كـ(نظريّة العقد الاجتماعي)1 ، أم النظريات غير العقدية كـ(نظريّة القوّة

 


1- نظريّة العقد الاجتماعيّ: هي نظريّة تقوم على اعتبار الدولة ظاهرة إراديّة قامت نتيجة اتفاق حرّ واختياريّ بين مجموعة من الناس فضّلوا الانتقال من حالة طبيعيّة إلى حالة المجتمع المدنيّ والسياسيّ، بما نتج عن ذلك قيام سلطة سياسيّة حاكمة في مقابل مواطنين محكومين، قد تنازلوا عن كلّ أو بعض حقوقهم الطبيعيّة لصالح السلطة الحاكمة.

وقد ارتبطت هذه النظريّة في تأريخ الفكر السياسيّ بأسماء ثلاثة مفكرين أوروبيّين، وهم: توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو.

 


 والتغلُّب، ونظريّة التفويض الإلهيّ الإجباريّ، ونظريّة تطوّر الدولة عن العائلة)1. في المقابل يؤمن الفكر الإسلاميّ بأنّ الدولة هي ظاهرة نبويّة بدأت في مرحلة معيّنة من حياة البشريّة، كما تمَّ تفصيله فيما سبق.

 

ثانياً: من ناحية وظيفة الدولة تجاه الفرد والمجتمع:

 

حيث يرفض الفكر الإسلاميّ كلّاً من المذهبين الاقتصاديّين الوضعيّين في تحديد وظيفة الدولة، وهما:

 

أ ـ المذهب الرأسماليّ القائم على مبدأ (أصالة الفرد), أي الدولة في خدمة الفرد دون المجتمع.

 

ب ـ المذهب الاشتراكيّ القائم على مبدأ (أصالة المجتمع), أي الدولة في خدمة المجتمع دون الفرد، بينما في المقابل جاء الإسلام ليُحدِّد وظيفة الدولة

 


1-يُعنى بالنظريّات غير العقديّة تلك النظريّات التي لا ترى أصل نشوء الدولة هو نتاج عقد اجتماعيّ وتوافق حرّ بين الناس والحاكم، بل ترى هذه النظريات أنّ عوامل وأسباب أُخر غير العقد الاجتماعيّ أنشأت الدولة، فمنهم من قال القوّة والغلبة عبر الحروب، ومنهم من قال إنّ الدول نشأت من جرّاء توسُّع العائلة إلى قبيلة، ثمّ تطوّرت القبيلة إلى عشيرة، وهذه الأخيرة بدورها تحوّلت إلى المجتمع السياسيّ الأوسع الّذي أسّس المدن ثمّ الدول وصولاً إلى الامبراطوريات.


 في تطبيق شريعة السماء الّتي وازنت بين الفرد والمجتمع، وحمت المجتمع لا بوصفه وجوداً هيغلياً1 مقابلاً للفرد، بل بقدر ما يُعبِّر عن أفراد وما يضمُّ من جماهير تطلب الحماية والرعاية.

 

فالشريعة الإسلاميّة الّتي وضعت ـ مثلاً ـ مبدأ الملكيّة العامّة إلى جانب مبدأ الملكيّة الخاصّة، لا تُريد أن تُعبِّر بذلك عن نتاج صراع طبقيّ أو تقديم مصالح هذا الجزء من المجتمع على ذلك الجزء، وإنّما تُعبِّر عن موازين العدل والحقّ. ولهذا سبقت بذلك تأريخيّاً كلّ المبرّرات الماديّة أو الطبقيّة لظهور هذا اللون من التشريع.

 

ثالثاً ـ من ناحية شكل الحكومة ومؤسّساتها:

 

يعتبر الفكر الإسلاميّ الحكومة ومؤسّساتها قانونيّة في حال تقيّدت بالقانون على أروع وجه, لأنّ الشريعة تُسيطر على الحاكم والمحكومين على السواء.

 

لذا فإنّ الرؤية الإسلاميّة ترفض الأنظمة السياسيّة

 


1- نسبة إلى الفيلسوف الديالكتيكي هيغل.

 


القائمة على الملكيّة أو الفرديّة (الاستبداديّة) بكلِّ أشكالها، أو الأنظمة الأرستقراطيّة.

 

نعم، تطرح الرؤية الإسلاميّة شكلاً للحكم يحتوي على كلِّ النقاط الإيجابيّة في النظام الديمقراطيّ، مع فوارق تزيد الشكل موضوعيّة وضماناً لعدم الانحراف.

 

فمثلاً: عندما تُعتبر الأمّة (الشعب) هي مصدر السيادة في النظام الديمقراطيّ، فهي في المقابل محطّ الخلافة ومحطّ المسؤوليّة أمام الله تعالى في النظام الإسلاميّ.

 

وأيضاً في حين يُعتبر الدستور كلُّه من صنع الإنسان في النظام الديمقراطيّ، بحيث في لحظة مثاليّة تحكم الأكثريّة الأقليّة، فإنّه في المقابل هناك أجزاء ثابتة في الدستور الإسلاميّ تُمثِّل شريعة الله تعالى وعدالته، بل وتضمن موضوعيّة الدستور وعدم تحيّزه.

 

ولهذا نُلاحظ أنّه من ناحية تحديد العلاقات بين السلطات الثلاث (التشريعيّة، والتنفيذيّة، والقضائيّة) تقترب الدولة الإسلاميّة من النظام الرئاسيّ، ولكن مع

 


 فوارق كبيرة عن الأنظمة الرئاسيّة في الدول الرأسماليّة الديمقراطيّة الّتي تقوم على أساس الفصل بين السلطة التنفيذيّة والسلطة التشريعيّة.

 

الخلاصة:

 

أولاً: يعتبر الإسلام أنّ الدولة ظاهرة نبويّة بدأت في لحظة تأريخية محدّدة من حياة البشريّة، ولذا يرفض كلَّ التفسيرات والافتراضات الوضعيّة حول نشأة الدولة وتطوّرها.

 

ثانياً: لقد ساهم الأنبياء والأولياء عليهم السلام بشكل مباشر وغير مباشر على مرِّ التأريخ في بناء الدولة الصالحة دولة القرآن، ودولة الحقّ والعدل.

 

ثالثاً: لم يتخلّ العلماء والفقهاء في عصر الغيبة عن فكرة إقامة الدولة الإسلاميّة, سواء كان في الجانب التنظيريّ أم العمليّ، وقد تجلّى ذلك بإقامة الجمهورية الإسلاميّة في إيران على يد الوليّ الفقيه الإمام الخمينيّ قدس سره .

 

 


رابعاً: لقد أخرج الإمام الخمينيّ قدس سره الإسلام من قمقم الاستعمار والاستكبار العالميّ، إلى حيث الفضاء الواسع والرحب، إلى حيث القيم العليا والفضائل الكريمة، إلى حيث إنسانيّة الإنسان العابد لله وحده لا العابد للإنسان الآخر.

 

خامساً: تُبنى الرؤية الإسلاميّة على ثلاثة مرتكزات أساس في بناء الدولة المعاصرة، وهي:

 

أ ـ الله تعالى مصدر السلطات جميعاً.

 

ب ـ المرجعيّة الرشيدة (الوليّ الفقيه).

 

ج ـ دور الأمّة ومسؤوليّاتها في تحمّل الأمانة الإلهيّة والاستخلاف على وجه الأرض.

 

سادساً: إنّ من أسمى أهداف الدولة الصالحة في الإسلام، هو تحقيق العدالة الاجتماعيّة عبر التوزيع العادل للثروات، وإزالة الفوارق الاجتماعيّة، وتحقيق العيش الكريم لكلِّ مواطن.

 

سابعاً: إنّ من أهداف الدولة الصالحة على المستوى العالميّ، هو نشر القيم الإسلاميّة والفضائل الربانيّة على

 

 


وجه المعمورة، والدفاع عن الحقّ والعدل، والتصدّي لقوى الشرّ والاستكبار.

 

ثامناً: تختلف الرؤية السياسيّة الإسلاميّة لبناء الدولة وتطوّرها عن الرؤية السياسيّة الوضعيّة (العلمانيّة)، وذلك من نواحٍ عدّة سواء من ناحية تكوّن الدولة ونشوئها تاريخيّاً، أم من ناحية وظيفتها ودورها تجاه المجتمع والفرد، أم من ناحية شكل الحكومة ومؤسّساتها وأجهزتها المتنوِّعة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


الفهرس

المقدّمة

5

نشأة الدولة في الفكر الإسلاميّ

9

بناء الدولة الصالحة

11

دور الفقهاء في بناء الدولة الصالحة

12

أوّل دولة إسلاميّة في العصر الحديث

13

خروج الإسلام من قمقم الاستعمار

14

مرتكزات الرؤية الإسلاميّة في بناء الدولة المعاصرة

16

أهداف الدولة الإسلاميّة

22

سرُّ قوّة الجمهوريّة الإسلاميّة

24

بين الفكر الإسلاميّ والفكر الوضعيّ

25

الخلاصة

29

 

 

الاسرائيليات في التفسير

 

سلك الحبر كعب بدهائه العجيب طرقاً غير مألوفة، استحوذ فيها على عقول المُسلمين، فكسب ثقتهم واحترامهم، حتى امتلأت كتب التفسير والحديث والتاريخ بتراهاته وسمومه، تارة يزعم أنه سمِعها من النبي (ص) وتارة أخرى أنها في التوراة أو من مكنون علمه.. ولم يرَ بعض الصحابة بأساً من أن يقصوها بجانب كتاب الله تعالى، لعدم تمييزهم الصدق من الكذب من أقواله لجهلهم باللغة العبرانية من ناحية، ولأنهم كانوا أقل منه مكراً وأضعف دهاءً من ناحية ثانية، فراجت أكاذيبه بغير نقد أو تمحيص. لقد تلقى الصحابة في بداية الأمر ومن تبعهم من المُسلمين هذه المُفتريات على أنها صحيحة ولا ريب فيها، ولكن ما لبث بعضهم أن فطن له بعدما تبين كذبه وانكشاف أمره، فنزعوا عنه ثوب الثقة ، باستثناء أبو هريرة والعبادلة الثلاث، عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص.

كعب الأحبار

هو كعب بن مانع الحميري من آل ذي رعين، وقيل من ذي الكلاع، ويُكنى أبا إسحاق من كبار أحبار اليهود، وعُرف بكعب الأحبار وأسلم في عهد عمر على التحقيق وسكن المدينة في خلافته، وكان معه في فتح القدس، ثم تحول إلى الشام في زمن عُثمان، إلى أن جعله مُعاوية من مُستشاريه لكثرة علمه، وهو الذي أمره أن يقص في بلاد الشام ليكون أقدم القصاصين الإخباريين الذين سربوا أقاصيص التلمود - الإسرائيليات - والتي ما لبثت أن أصبحت جُزءاً من دين المسلمين، وهي حقيقةٌ لا يُنكرها إلا جاهل أو مُكابر. وقال عنه الذهبي في تذكرة الحُفاظ: إنه قدم من اليمن في دولة أمير المؤمنين عمر (ص) فأخذ عنه الصحابة وغيرهم وروى عنه جماعة من التابعين مُرسلاً، ومات بحمص في سنة 23 أو 33 أو 38 هجري.

اقتباس: "ولما أسلم كعب في الدولة العُمرية جعل يُحدث عمر رضي الله عنه، فربما استمع له عمر، فترخص الناس في إسماع ما عنده ونقلوا ما عنده من غث وسمين، ولكن ما لبث عمر أن فطن لكيده وتبين له سوء دخلته، فنهاه عن الحديث، وتوعده إن لم يترك الحديث ليُلحقنه بأرض القردة" (البداية والنهاية، صفحة 206 ج8)

إسلام كعب الأحبار

ساق كعب الأحبار سبباً عجيباً لإسلامه تسلل به إلى عقول المُسلمين وقلوبهم، فقد أخرج ابن سعد بسند (إن صَحَّ) عن سعيد بن المسيب قال: "قال العباس لكعب: ما منعك أن تسلم في عهد النبي وأبي بكر؟ فقال: إن أبي كتب لي كتابٌ من التوراة، فقال: أعجل به، وختم على سائر كتبه وأخذ عليَ بحق الوالد على الولد أن ألا أفض الختم عنها، فلما رأيت ظهور الإسلام، قلت لعل أبي غيب عني عِلماً.. ففتحتها فإذا صفة محمد وأمته.. فجئت الآن مُسلما!!"

أقل ما يُقال في إسلام كعب الأحبار، أنها كانت فرصة خُطط لها بدهاء ومكر لإفساد المُسلمين في عقيدتهم، حيث استطاع هذا اليهودي بوسائله الشيطانية أن يجعل من أبي هريرة أُلعوبة يوجهها حيثما وكيفما شاء، تُدسُ عن طريقه الخُرافات والأوهام والأكاذيب، فتنخر في أصول الإسلام فتشوهه وتُدخل الشك إليه.

يقول الحكيم ابن خلدون عندما تكلم عن التفسير (ألنقلي) في مُقدمته صفحة رقم 439 و 440

اقتباس: العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذا تشوفوا إلى معرفة شيء مما تتشوف إليه النفوس البشرية في أسباب المُكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدون منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى، مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبدا لله بن سلام وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم.. وتساهل المُفسرون في مثل ذلك حتى امتلأت كتب التفاسير بهذه المنقولات، وأصلها كلها كما قلنا من التوراة أو وما كانوا يفترون. وفي الصفحة رقم 9 من نفس الكتاب:

اقتباس: "وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمُفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثَاً أو سميناً، لم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط".

لقد تلاقت أهداف السلطان مع أهداف (البعض) من أهل الكتاب الذين تضافرت جهودهم بعد أن غُلبوا على أمرهم وأُخرجوا من ديارهم لإيجاد وسيلة ناجعة لتحقيق أهدافهم، فجعلوا أول همهم ضرب المُسلمين في صميم دينهم، وبعد عجزهم من أن ينالوا من كتاب الله الذي حُفظ بالتدوين وفي الصدور، وأصبح في مِنعة من التحريف، اتجهوا لأحاديث رسول الله (ص) التي لم تدون ولم تُكتب في عهده كما كُتب القرآن الكريم، ولا كتبه صحابته - صلوات عليه من بعده. ولكي يصل هؤلاء الأحبار، الذين يزعمون أنهم شعب الله المُختار ولا يعترفون لأحدٍ بفضل، ولا يُقرون لنبي بعد موسى (ع) إلى مآربهم، استعانوا بمكرهم ودهائهم، فطووا نفوسهم على دينهم وتظاهروا بالإسلام والورع والتقوى، وبعد أن سكن إليهم المُسلمين واغتروا بهم، افتروا على رسول الله (ص) أحاديث لم تصدر عنه، وإسرائيليات باتت تلمودا للمُسلمين ومصدراً من مصادر تفسير القرآن!؟

وروى السيوطي في الإتقان صفحة رقم 152 ج1 أن كعب الأحبار قال " في التوراة: يا محمد إني مُنزل عليك توراة حديثة تفتح أعيناً عمياً، وآذانا صمَاً وقلوباً غُلفا " وروى الجواليقي في كتاب المغرب صفحة 122 قال: قال ابن الأعرابي " ذكر عن كعب الأحبار أنه قال: أسماء النبي في الكتب السالفة: محمد وأحمد وحمياط... أي حامي الحرم! كذلك روى القاضي عياض في الشفاء صفحة رقم 55 ج1 أن وهب بن منبه قال: " قرأت في أحد وسبعين كتاباً، فوجدت في جميعها أن النبي صلى الله عليه وسلم أرجح الناس عقلاً، وأفضلهم رأياً" وفي رواية أخرى: فوجدا في جميعها أن الله تعالى لم يُعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله ( صلى الله عليه وسلم ) إلا كحبة رمل من رمال الدنيا..

أخرج الترمذي عن عبد الله بن سلام، وهو أحد كبار اليهود الذين أسلموا.. أنه مكتوب في التوراة في السطر الأول.. محمد رسول الله عبده المُختار، مولده مكة ومهاجرة طيبة.. وأخرج كذلك، مكتوب في التوراة صفة النبي وعيسى بن مريم يُدفن معه!! (فتح الباري) صفحة 274 ج4 لقد روى الدرامي عن كعب الأحبار في صفة رسول الله (ص) وفي السطر الأول: محمد رسول الله عبده المُختار، لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يجزي السيئة بالسيئة ، ولكن يعفو ويغفر، مولده في مكة.. وهجرته بطيبة ومُلكه بالشام.. وفي السطر الثاني: محمد رسول الله أمته الحمادون، يحمدون الله في السراء والضراء، يحمدون الله في كل منزل، ويُكبرون على كل شرف، رعاة الشمس، يُصلون الصلاة إذا جاء وقتها ولو كانوا على رأس كناسة، ويتآزرون على أوساطهم ويُوضئون أطرافهم.. وأصواتهم بالليل في جو السماء كأصوات النحل..

روى البخاري عن عبد الله بن يسار قال: "لقيت عبدا لله بن عمر بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله بالتوراة، قال: " أجل ( والله! ) إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن " يا أيها النبي إنا أراسلناك شاهداً ومُبشراً ونذيرا وحِرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المُتوكل.. ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، بل يعفو ويغفر، ولا يقبضه الله حتى يُقيم به المِلة العوجاء بأن يقولوا " لا إله إلا الله" ويفتح بها أعيناً عُمياً وآذاناً صمَاً وقلوباً غُلفاً..

هل لكعب الأحبار يد في قتل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه؟

اقتباس: ذكر المُسور بن مخرمة أن عمر لما انصرف إلى منزله بعد أن أوعده أبو لؤلؤة جاء كعب الأحبار فقال: يا أمير المؤمنين " (أعهد فإنك ميت في ثلاث ليال) "رواية للطبري ثلاثة أيام" قال: وما يدريك؟ قال، أجده في كتاب التوراة، قال عمر: أتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا ولكن أجد حليتك وصفتك، (وأنك قد فني أجلك) قال ذلك وعمر ولا يحس وجعاً، فلما كان الغد، جاءه كعب فقال: (بقي يومان) فلما كان الغد جاءه كعب فقال: (مضى يومان وبقي يوم) ( رواية الطبري - يقي يوم وليلة ) (وهي لك لصبيحتها) فلما أصبح خرج عمر إلى الصلاة، وكان يوكل بالصفوف رجالا، فإذا استوت كبرَ، ودخل أبو لؤلؤة في الناس وبيده خنجر له رأسان نصابه في وسطه فضرب عمر ست ضربات، إحداهن تحت سرته وهي التي قتلته. انتهى - تاريخ بن الأثير صفحة 34/3 والجزء الخامس من تاريخ الطبري.

وذكر ابن سعد في الطبقات الكُبرى صفحة 236/3/1

اقتباس: فقد أخرج الخطيب عن مالك أن عمر دخل على أم كلثوم بنت علي وهي زوجته فوجدها تبكي، فقال: "ما يُبكيك؟ قالت هذا اليهودي ( أي كعب الأحبار ) يقول أنك على أبواب جهنم، فقال عمر: ما شاء الله! ثم خرج فأرسل إلى كعب فجاءه فقال: يا أمير المؤمنين " لا تعجل عليَ والذي نفسي بيده، لا ينسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة؟ فقال عمر: ما هذا؟ مرة في الجنة ، ومرة في النار؟! قال كعب، يا أمير المؤمنين والذي نفس بيده إننا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقتحموا فيها، فإذا مت لم يزالوا يقتحمون فيها إلى يوم القيامة! ولما طُعن عمر جاء كعب فجعل يبكي بالباب ويقول: والله لو أن أمير المؤمنين يُقسم على الله أن يؤخره لأخره. انتهى. (طبقات ابن سعد صفحة 263/ج3/ق2 ) وقد صدقت يمين كعب الأحبار، فقد قُتل عمر (ض) يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة 23 هجرية. ودُفن يوم الأحد هلال المُحرم سنة 24 هجرية.

أبو هريرة الدوسي صاحب الشخصية المثيرة للجدل..

الباحث النزيه يجد نفسه أمام تساؤلات لا إجابة قطعية عليها في الوقت الحاضر، إلا من خلال دفوعات أبو هريرة نفسه وبسنده.. التي أكثر منها البخاري ومُسلم في صحيحيهما، لأن تاريخ أبي هريرة لا يُعرف إلا منه ولا يتم إلا به.. لقد أجمع رجال الحديث على أن أبا هريرة كان أكثر الصحابة حديثاً عن رسول الله (ص) وأنه عاشر النبي عامًا وتسعة أشهر أي 21 شهرًا، الفترة ألأخيرة من حياة الرسول (ص) وقد روى عنه 5374 حديثًا خرّج منها البخاري ومُسلم 1574 حديثاً، أكثر من تسعة أضعاف ما للصحابة من أحاديث.. ومن بينهم الخُلفاء الأربعة الذين عاشوا مع الرسول الكريم (ص) ويغلب على روايته طابع القصص وأخبار الأمم السالفة، إذ أن ما يُقارب ربع الأحاديث بأخبار الأمم السالفة في الكتب التسعة، راويها هو أبو هريرة، وتصل هذه النسبة إلى 26.25% في صحيح البخاري وإلى 68.48% في صحيح مُسلم، مع التأكيد على خصوص مرويا ته وما تُثيره من تساؤلات وإشكالات لدى الدارسين والنقاد قديما وحديثاً.

فلينظر ناظر بعقله في أبي هريرة المُتهم من الإكثار من الرواية من قبل الصحابة كما ورد في بطون الكتب التي يعتمدها أهل السُنة والجماعة.. مما سيأتي بيانه في السطور القادمة، مما جعله مُضطراً للدفاع عن نفسه وتكرار الرد على هذه التُهم ودفوعاته التي سنورد لك شيئاً منها، ثم ليُنظر إلى الخُلفاء الأربعة وسبقِهم واختصاصهم وحضورهم في تشريع الأحكام، وحسن بلائهم في اثنتين وخمسين سنة، ثلاث وعشرين كانت في خدمة رسول الله (ص) وتسع وعشرون من بعده. فكيف يمكن والحال هذه أن يكون المأثور عن أبي هريرة وحده أضعاف المأثور عنهم جميعاً؟ أفتونا يا صحاب الاختصاص..

* صحيح البخاري الحديث رقم 115 كتاب العلم " إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة "

* صحيح ألبحاري، الحديث رقم 1906 كتاب البيوع: " إنكم تقولون أن أبا هريرة يُكثر الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم "

* صحيح الُبخاري، الحديث رقم: 2179 كتاب المزارعة: " يقولون أن أبو هريرة يُكثر الحديث والله الموعد "

* صحيح البُخاري، الحديث رقم: 6807 كتاب الاعتصام بالكتاب والسُنة: " إنكم تزعمون أن أبا هريرة يُكثر الحديث على رسول الله - صلى الله عليه وسلم "

* صحيح مُسلم، الحديث رقم: 4547 كتاب فضائل الصحابة: " إنكم تزعمون أن أبا هريرة يُكثر الحديث على رسول الله - صلى الله عليه وسلم "

* مُسند أحمد الحديث رقم 6976 " إنكم تزعمون أن أبا هريرة يُكثر الحديث على رسول الله - صلى الله عليه وسلم "

* مُسند أحمد الحديث رقم 7380 " إنكم تقولون أكثر أبو هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم"

 لم يختلف الناس في اسم أحد في الجاهلية والإسلام كما اختلفوا في اسم أبي هريرة، فلا يعرف أحد على التحقيق الاسم الذي سماه به أهله ليُدعى بين الناس به. قال النووي "اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر، على الصحيح من ثلاثين قولاً.. وقال الحافظ المغرب ابن عبد البر في الاستيعاب: "اختلفوا في اسم أبي هريرة اختلافا كثيراً ولا يُحاط به ولا يُضبط في الجاهلية والإسلام – ومثل هذا الاختلاف والاضطراب لا يصح معه شيء يُعتمد عليه – وقد غلبت عليه كنيته، فهو كمن لا اسم له إلا كنيته!"

وقال صاحب المشكاة: "قد اختلف الناس في اسم أبي هريرة ونسبه اختلافا كبيراً، وقد غلبت عليه كنيته حتى نسى الاسم الأصلي، لأنه قد أُختلف فيه كثيراً، ومن ضروب التخمين الجزم باسمه الحقيقي، وهذه الكنية قد بين هو نفسه سببها فقال: "كنت أرعى غنم أهلي – وكانت لي هرة صغيرة - فكنت أضعها بالليل في شجرة، وإذا كان النهار ذهبت بها معي فلعبت بها فكنوني أبا هريرة.."

نشأته وأصله

وإذا كانوا قد اختلفوا في اسم أبا هريرة، فإنهم كذلك لم يعرفوا شيئاً عن نشأته، ولا عن تاريخه قبل إسلامه، غير ما ذكر هو عن نفسه، من أنه كان يلعب بهرة صغيرة. وأنه كان فقيراُ مُعدماً، يخدم الناس بطعام بطنه – وكل ما يُعرف عن أصله أنه من عشيرة سليم بن فهم من قبيلة أزد ثم من دوس. ومن قوله في ذلك: "نشأت يتيماً، وهاجرت مسكيناً، وكنت أجيراً بطعام بطني" وقال ابن قتيبة في ترجمته بكتاب “المعارف” بعد أن ذكر اختلاف الناس في اسمه، وأنه من قبيلة في اليمن اسمها يُقال لها دوس" وقال أبو هريرة " نشأت يتيماً وهاجرت مسكيناً، وكنت أجيراً لبسره بنت غزوان بطعام بطني، وعُقبة رجلي،فكنت أخدم إذا نزلوا، وأحدو إذا ركبوا، وكنيت بأبي هريرة بهرة صغيرة كنت ألعب بها"

قدم أبو هريرة بعد أن تخطى الثلاثين من عمره، وكان النبي (ص) حينئذٍ في غزوة خيبر، التي وقعت في سنة 7 من الهجرة: قال ابن سعد في الطبقات الكُبرى: "قدم الدوسيون فيهم أبو هريرة ورسول الله (ص) بخيبر، فكلم رسول الله (ص) أصحابه في أن يُشركوه في الغنيمة ففعلوا – ولفقره أتخذ سبيله إلى الصفة بعد أن عاد إلى المدينة فعاش بها ما أقام في المدنية وكان من أشهر من أمها. لقد تأخر قدوم أبا هريرة إلى النبي (ص) عشرين سنة كاملة، وبلده دانية من بلاد الحجاز، حتى وقعت عزوة خبير!؟"

اقتباس: "الذي نستطيع أن نقطع به ونحن مُطمئنون إليه بما تبين لنا من القرائن والأدلة الصحيحة وما بدا من اعترافاته الصريحة أن أبا هريرة - إنما كان يبتغي من قدومه على النبي (ص) أن يُحقق مطامعه الشخصية، ومآربه الذاتية، لا ليلتمس أن يتفقه في الدين كما يفعل غيره من الذين أسلموا مُخلصين"

كان أبو هريرة صريحاً صادقاً في الإبانة عن سبب صحبته للنبي (ص) كما كان صريحاً صادقاً في الكشف عن حقيقة نشأته، فلم يقل أنه صاحبه للمحبة والهداية - كما كان يُصاحبه غيره من سائر المسلمين - وإنما قال: "أنه قد صاحبه على ملئ بطنه" وكان يُلقب ( بشيخ المُضيرة ) وقد نالت هذه المُضيرة من عناية الُعلماء والكتاب والشُعراء ما لم ينله منها من أصناف الحلوى، وظلوا يتندرون بها، ويغمزون أبا هريرة قرونا طويلة. كما أجمع مؤرخو أبي هريرة على أنه كان مزّاحاً مِهذاراً، يتودد إلى الناس ويُسليهم بكثرة الحديث، والإغراب في القول ليُشدد ميلهم إليه، ويزداد إقبالهم عليه، وكانوا يتهكمون بروايته ويتندرون عليها لما تفنن فيها وأكثر منها. (انتهى) "شيخ المُضيرة" الشيخ محمود أبو ريه.

سيرته في ولايته

وحين توفي النبي (ص) ولاه الخليفة عمر بن الخطاب عام (20 هجري) على البحرين بعد وفاة العلاء بن الحضرمي، وسرعان ما عزله وولى مكانه عُثمان بن أبي العاص الثقفي، أما السبب في ذلك فكان عندما أجاب الخليفة عمر بأنه – أبو هريرة – يملك عشرين ألفاً من بيت مال البحرين حصل عليها من التجارة بقوله (كنت أتجرأ) وكان رد الخليفة عمر "عدواً لله والإسلام، عدواً لله وكتابه، سرقت مال الله، حين استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين ما رجعت بك أميمه “أمه” إلا لرعاية الحمير" (4) وضربه بالدرة حتى أدماه، وقد منعه من عن رواية الحديث النبوي بقوله: "لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القرود أو بأرض دوس" (5) ويؤكد أبو هريرة ذلك فيقول: "ما كنت أستطيع أن أقول قال رسول الله (ص) حتى قُبض عمر، أو لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخففته" (6)

أبو هريرة وكعب الأحبار

ذكر عُلماء الحديث.. في باب “رواية الصحابة عن التابعين، أو رواية الأكابر عن الأصاغر” أن أبا هريرة والعبادلة ومعاوية وأنس وغيرهم، قد رووا عن كعب الأحبار اليهودي الذي أظهر الإسلام خِداعاً وطوي قلبه على يهوديته – ويبدوا أن أبا هريرة كان أكثر الناس انخداعا به، وثقة فيه، ورواية عنه وعن إخوانه، كما كان أكثرهم رواية للحديث، ويتبين من الاستقراء أن كعب الأحبار قد سلط قوة دهائه على سذاجة أبي هريرة لكي يستحوذ عليه ويُنميه ليُلقنه كل ما يريد أن يبثه في الدين الإسلامي من خرافات وأوهام، وكان له أساليب غريبة وطرق عجيبة. فقد روى (الذهبي في طبقات الحُفاظ) – في ترجمة أبي هريرة – أن كعباً قال فيه – أي في أبي هريرة – "ما رأيت أحداً لم يقرأ التوراة أعلم لما فيها من أبي هريرة!!" فأنظر مبلغ دهاء هذا الكاهن ومكره بأبي هريرة الذي يتجلى في درس تاريخه أنه كان رجلاً فيه غفلة وغرة! إذ من أين يعلم أبو هريرة ما في التوراة وهو لم يعرفها، ولو عرفها لما استطاع أن يقرأها، لأنها كانت باللغة العبرية وهو لا يستطيع أن يقرأ حتى لغته العربية، إذ كان جاهلاً لا يقرأ ولا يكتب؟؟ انتهى أضواء على السنة المُحمدية، الشيخ محمود أبو ريه.

روى ابن سعد في طبقاته الكُبرى عن عبد الله بن شقيق أن أبا هريرة جاء إلى كعب يسأل عنه. وكعب في القوم، فقال كعب ما تريد منه؟ فقال: أما إني لا أعرف أحداً من أصحاب رسول الله، أن يكون أحفظ لحديث رسول الله مني!! فقال كعب: "أما أنك لم تجد طالب شيء إلا سيشبع منه يوماً من الدهر إلا طالب علم، أو طالب دنيا!" فقال: أبو هريرة: أنت كعب ؟ فقال: نعم، فقال: لمثل هذا جئتك، إني جئتك لأطلب عندك العلم، وأستقي من معينك الغزير.

يصف الدكتور طه حسين كعب الأحبار فيقول: "كان غريب الأطوار، عرف كيف يخدع كثيراً من المُسلمين ومنهم (عمر) وكان كعب يهودياً من أهل اليمن زعم أنه سأل علياً رحمه الله عن النبي حين ذهب علي إلى اليمن مُرسلاً من رسول الله (ص) فلما أنبئه عليٌ بصفته، بصفة النبي (ص) عرف هذه الصفة مما كان يجده بزعمه في التوراة، ولم يأت المدينة أيام النبي (ص) وإنما أقام على يهوديته في اليمن. وزعم بعد ذلك أنه اسلم ودعا إلى الإسلام في اليمن، وقد أقبل على المدينة أيام عمر، فأقام فيها مولى للعباس بن عبد المُطلب رحمه الله وكان بارعاً في الكذب على المُسلمين يزعم أنه يجد صفاتهم في الكتب، وكان المُسلمون يُعجبون بذلك ويتعجبون له، وما لبث أن كذب على عمر نفسه فزعم أنه يجد صفته في التوراة، فعجب عمر وقال: تجد اسم عمر في التوراة؟ قال كعب: لا أجد اسمك ولكن أجد صفتك!!"

وما يدلك على أن هذا الحبر الداهية قد طوى أبا هريرة تحت جناحه حتى جعله يُردد كلام هذا الكاهن بالنص، ويجعله حديثاً مرفوعاً إلى النبي (ص) نورد لك شيئاً منه:

صحيح البخاري، الحديث رقم: 3361 عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص) قال: (خلق الله آدم على صورته)، طوله ستون ذراعاً، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك، نفر من الملائكة، جلوس، فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن) أخرجه البخاري - باب: بدء السلام.

 (خلق الله آدم على صورته) الضمير في صورته يعود على الله! فقد روى ابن إبي عاصم (516) أيضاً عن أبي هريرة، قال رسول الله: إذا قاتل أحدكم فليجنب الوجه، فإن الله تعالى خلق آدم على صورة وجهه.. وقال الشيخ الألباني إسناده صحيح! وروى ابن أبي عاصم في السنة أيضاً: (517) عن ابن عمرقال: قال رسول الله لا تقبحوا الوجوه فإن ابن آدم خُلق على صورة الرحمن.. "قال الشيخ عبد الله الغنيمان: هذا حديث صحيح صححه الأئمة، الإمام أحمد، وإسحاق ابن راهوية وليس لمن ضعفه دليل إلا قول ابن خريمة، وقد خالف من هو أجلّ منه!!)

أما شيخ الإسلام ابن تيمية فيقول: "لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله تعالى، فإنه مستفيض من طرق متعددة، عن عدد من الصحابة، وسياق الأحااديث كلها تدل على ذلك.. ولكن لما انتشرت الجهمية في المائة الثالثة جُعل الضمير عائداً لغير الله تعالى، حتى نُقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة في عامة أمورهم، كأبي ثور، وابن خزيمة، وأبي الشيخ الأصفهاني وغيرهم، ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة." (نقض التأسيس 202\3)

هل نفهم من هذا الحديث المكذوب على رسول الله (ص) أن طول الله تعالى ستون ذراعاً؟! هل من قارئ يدلنا على هذا الوصف في كتاب الله، والله سبحانه تعالى يقول:-

فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ (كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ- الشورى 11

المصدر: سفر التكوين الإصحاح الأول الفقرة 27 - فخلق الله الإنسان على صورته على صورة الله خلقه ذكرا وأنثى خلقه

صحيح مسلم، الحديث رقم 7340 عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص) سيحان وجيحان والفرات والنيل كلٌ من انهار الجنة!

نأمل من السادة علماء الحديث.. توجيه قارئ التنزيل الحكيم إلى الآيات التي تشير إلى أن سيحان وجيحان، أو الفرات ودجلة من أنهار جنة الرضوان في السماء. لقد فات على أبي هريرة أن اليهود وبعد تحريفهم لكتبهم لا يؤمنون أصلاً بوجود جنة في السماء.

المصدر: التوراة سفر التكوين. الإصحاح الثاني، الفقرات 7-14 وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس - اسم الواحد فيشون وهو المحيط بجميع ارض الحويلة حيث الذهب - و ذهب تلك الأرض جيد هناك المقل و حجر الجزع - واسم النهر الثاني جيحون وهو المحيط بجميع ارض كوش - واسم النهر الثالث حداقل وهو الجاري شرقي أشور والنهر الرابع الفرات.

صحيح مسلم، الحديث رقم 7231 عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله بيدي فقال: خلق الله عزَ وجل التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد. وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق. في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل.

لا نجد في هذا الحديث المفترى، الذي يتعارض مع آيات التنزيل الحكيم، أي ذكرٍ ((لخلق السماوات)) والله تعالى أخبرنا في آياته البينات، أنه خلق الأرض في يومين اثنين، وجعل سبحانه في الأرض جبالا وبارك فيها، فجعلها دائمة العطاء لأهلها في تمام أربعة أيام. يومان لخلق الأرض، ويومان جعل فيها رواسي وقدر أقواتها، وفي يومين اثنين قضى الله تعالى خلق السموات السبع وتسويتهن، فتم بذلك خلق السماوات والأرض في ستة أيام. أما فيما يتعلق بخلق آدم (ع) في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة، فهو تقولٌ على الله سبحانه وتعالى. يقول الحق سُبحانه:

إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ - الأعراف 54

قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ - فُصِلت 9

وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ - فُصِلت 10

ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ - فُصِلت 11

فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ - فُصِلت 12

المصدر: التوراة الإصحاح الأول الفقر 1-31

اليوم ألأول: وقال الله ليكن نور فكان نور

اليوم الثاني: وقال الله ليكن جلد في وسط المياه و ليكن فاصلا بين مياه ومياه

اليوم الثالث: وقال الله لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد ولتظهر اليابسة وكان كذلك ودعا الله اليابسة أرضا ومجتمع المياه دعاه بحارا ورأى الله ذلك انه حسن

اليوم الرابع: قال الله لتكن أنوار في جلد السماء لتفصل بين النهار والليل وتكون لآيات وأوقات و أيام وسنين وتكون أنوارا في جلد السماء لتنير على الأرض وكان كذلك

اليوم الخامس: فخلق الله التنانين العظام وكل ذوات الأنفس الحية الدبابة التي فاضت بها المياه كأجناسها و كل طائر ذي جناح كجنسه ورأى الله ذلك انه حسن

اليوم السادس: قال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض

اليوم السابع: فأكملت السماوات والأرض وكل جندها وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل وبارك الله اليوم السابع و قدسه لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقا

وقد بلغ من دهاء كعب الأحبار واستغلاله لسذاجة أبا هريرة وغفلته، أنه كان يُلقنه ما يريد بثه في الدين الإسلامي من خرافات وترا هات، حتى إذا رواها أبو هريرة عاد هو فصدقها.. وذلك ليؤكد هذه الإسرائيليات - ليُمكنَ لها في عقول المسلمين – كأن الخبر قد جاء عن أبي هريرة وهو في الحقيقة عن كعب الأحبار. وإليك مثلاً من ذلك نُختم به ما ننقله من الأحاديث التي رواها أبو هريرة عن النبي (ص) وهي في الحقيقة من الإسرائيليات:

صحيح مسلم، الحديث رقم 1381: عن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال: يأتي المسيح الدجال (حسب شرح النووي في الحاشية) من قبل المشرق، همه المدينة حتى ينزل دبر أحد. ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام. وهناك يهلك.

ليس في كتاب الله تعالى ذكر لأي مسيح دجال، أو عودة المسيح الأصلي أبداً. بل هي من تحريفات أهل الكتاب، ومن الآوهام والتخرصات التي تواترها المسلمون من أهل السنة والشيعة على حد سوآء، وهي حقن تخدير لا أكثر ولا أقل من ذلك. الأجدر للمسلمين من أتباع الرسالة المحمدية حل مشاكلهم بأيديهم بدون مسيح منتظر، أو إمام موعود، أو مهدي غائب.. لننظر إلى قول الحق سُبحانه في هذه الآية التي لا تقبل التأويل: إنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّـهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ﴿الرعد:11﴾

المصدر: الإنجيل - إنجيل متى الإصحاح 24 الفقرات 23-24 "

فإن قال لكم احد إن المسيح هنا أو هناك فلا تصدقوا فسوف يبرز أكثر من مسيح دجال ونبي دجال، ويقدمون آيات عظيمة وأعاجيب، ليضللوا حتى المختارين

صحيح البخاري، الحديث رقم 3366 حدثنا أبو كريب، وموسى بن حزام، قالا حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن ميسرة الأشجع، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء.

ليس في القرآن الكريم البته إشارة، تلميحاً أو تصريحاً تشير لخلق المرأة من ضلع أو من أي جزء آخر..

يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا- النساء 1

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ- الأعراف 189

خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ - الزمر 6

المصدر: التوراة - سفر التكوين الإصحاح الثاني، الفقرات 21-22

فأوقع الرب الإله سباتا على ادم فنام فاخذ واحدة من أضلاعه وملا مكانها لحما وبني الرب الإله الضلع التي أخذها من ادم امرأة و احضرها إلى ادم، فقال آدم هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي.

صحيح مسلم، الحديث رقم 6290 عن أبي هريرة قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: فخنتن إبراهيم – عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم

ليس في القرآن الكريم أي ذكر عن اختتان إبراهيم.

المصدر: سفر التكوين، الإصحاح 17 " وكان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة حين ختن في لحم غولته "

 

وانطلاقاً مما تقدم، وعلى ضوء هذه المعلومات التي استقيناها حصراً من كتب أهل السنة والجماعة، والتي يجهلها السواد الأعظم من المسلمين، يثور في رأسنا سؤال لا يهدأ نطرحه على السادة علماء الحديث.. بصفة خاصة، وعلى رجال الدين عموماً، وهم قطعاً وبصراحة متناهية الوحيدون الذي لا يجوز لهم أبداً التحدث بالدين بعد أن هجروا الكتاب الذي أنزل على قلب رسول الله (ص) وحياً، الذي حوله أصحابه إلى أشرطة تتلى في الأفراح والأتراح، واستبدلوه بالذي هو أدنى، بالأحاديث الظنية، والروايات اللتي تطفح بالإسرائيليات، والناسخ والمنسوخ.. فإذا كان أبو هريرة صاحب الشخصية المثيرة للريبة وللجدل، والذي لم يكن من السابقين الأولين ولا من المهاجرين، ولا من الأنصار، ولا من المجاهدين بأموالهم أو بأنفسهم، ولا من أصحاب الكلمة في الجاهلية وأول الإسلام، ولا من المُفتين، ولا من - القرآء الذين حفظوا القرآن - ولا جاء في فضله حديث عن الرسول (ص) والمُتهم من قِبل عمر (ض) بالسرقة، ووصفه بأنه عدواً لله والإسلام، عدواً لله وكتابه، وضربه بالدُرة وأدماه وهدده بالطرد بقوله: "لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القرود أو بأرض دوس" ألم تصل تلك المعلومات إلى الشيخين البخاري ومُسلم قبلنا؟ لماذا أخرجوا له كل هذه الأحاديث العبثية التي أساءت للإسلام والمُسلمين وأصابتهم في مقتل؟؟