لماذا يخترق آل سعود الوهابية مصر ؟

 

سلسلة الحجاز والمقدسات

2

لماذا يخترق آل سعود ثقافة الشعب المصري ؟

لماذا يخترق آل سعود ثقافة

الشعب المصري؟

 

"الصهيونية هدفها تدمير الأرض والوهابية هدفها  تدمير الإنسان"

جلال عامر (")

مابين دوى "الفتنة "التي أوقعها أتباع (الوهابية /السعودية )،في مصر خلال ثلاثينيات القرن العشرين ،واستعادة أمرها في سبعينات ذاك القرن، وحتى يوم الناس هذا، تاريخ حافل بالأحداث ،لكنه يختزل قصة التصدع الذي أصاب أركان " الإسلام المصري"طوال تلك العقود،وما تمخص عن هذا التصدع من تحولات لافتة في المسلك العام لجمهرة المسلمين المصريين ،تحت وطاه"الخطاب الوهابي "المتصاعد[1]

في أو ساط هذا الجمهور، والذي اقترن- كما هو معلوم- بالطفرة المالية للدولة السعودية نتيجة الارتفاع غير المسبوق لأسعار النفط ،على إثر حرب التحرير المصرية –السورية ،في السادس من أكتوبر/ تشرين من العام 1973 ،لتصير الثمار المالية لهذه الحرب –ويلا المفارقة –هي أكبر مصادر التغذية لخطاب الوهابية /السعودية في أرجاء العالم الإسلامي ولاسيما في مصر،بغية إضعاف  الخطاب الأزهري الصوفي للإسلام في هذا البلد ،بوصفة العائق الرئيس أمام إحياء "الفتنة الوهابية "بين مسلمي مصر ،وهو ما تحقق فعلياً – نتيجة عوامل متعددة –لتشمل مختلف أنحاء الحضر، بعد أن كانت أثارها لا تتعدى بعض من أنحاء الريف قبل نيف وسبعين سنة،وذلك عبر "الفتاوى "التي أشاعها دعاء "الوهابية المتمصرة" ،في ذلك الوقت، إلا أن هيبة الخطاب الأزهري في نفوس أولئك القرويين ، و مناؤته هذا اللون من الفتاوى الشائنة حال دون نفشى فتنة الوهابيين الأولى ،بين  صفوفهم ، ناهيك عن انخراط أغلب هؤلاء القرويين في شبكات الطرق الصوفية ، والتي شكلك – بدورها- سداً منيعاً أمام شره التغول  الوهابي في الأرجاء المصرية.

واستنادا الى ذلك المدخل فإن مدار هذا  البحث سيرتكز على ثلاثة أقسام ،يتناول الأول ملامح التكوين التاريخي للكيان المصري ،ويتصل الثاني بالأشكال والوسائل التي لجأ إليها الخطاب   الوهابي لتقويض د عائم الإسلام المصري ،اعتباراً من الثلث الثاني من القرن المنصرم، وما أفضت إليه هذه المحاولات لفهم أبعاد "الفتنة الوهابية الثانية" ،وما أفضت إليه من تحولات غير مسبوقة في البنية العامة للجماعة المصرية، وهو ما يشتمل عليه القسم الثالث

 

1-الكيان المصري :جذور الموروث وتفاعلات

 

الوافد:

أسرار وطلاسم غامضة مازالت تقبع خلف كل تاريخ، وبالأخص تاريخ مصر الطويل والمعذب، حيث الانهيارات التي بدت في أزمانها وكأن

 لا راد  لها ولا طريقة لوقوعها، فلماذا كان ذلك ؟ ثم كيف انبثقت إرادة النهوض في أوقات  كثيرة- أيضاً –فأنقذت البلاد وحررت الأمة من الاستعباد، بكل أشكاله وصوره ؟ولكن لماذا لم تنبثق هذه الإرادة في أوقات كثيرة، كانت محنة الوطن في قمتها ومنتهاها،فلم تجد من يوقفها وظلت تفترس المصريين فترات لا تحسب بالسنين أو عشراتها، وإنما –أحياناً بالقرون؟

تساو لات عديدة طرحها ولا يزال  يطرحها أكثر من كاتب وباحث(1) ومفكر خلال الأزمات الكبرى التي تبدو وأنها قد عصفت بالكيان المصري، من حيث كونه كياناً معنوياً ، تأسس بنيانه وتعززت ركائزه استناداً إلى "حضارة أخلاقية" تناغمت مع جميع عناصر الكون بظواهره الطبيعية ومخلوقاته الحيه2.

لذا، لم يجازف أحد علماء الأنثروبولوجيا (علم الأجناس ) المصري حين ذهب إلى أن ثمة" روح خاصة" ميزت الجماعة المصري ،على مدى تاريخها المتصل ،وهي خصوصية نبعت- في تقديره –من حيث تشكلها المستقل عن عالم السياسة ،وعن عالم التطرف الديني، كونها روح الجماعة التي تواجه مصيراً مشتركاً، فعملت سوياً لبلوغ مراميها في الاستمرار المثمر  على هذه البقعة من .

 

[2]  

الكوكب ،والتي (مصر) ،فكان التجانس والتسامح والتضامن والتوازن(3) هي السمات الرئيسية للجماعة المصرية، التي حفظت لروحها ضرورة الوجود، المصرية، التي حفظت لروحها ضرورة الوجود، ولتكوينها ديمومة البقاء، ما جعل من الأطر المدنية لا  السياسية هي المحور الرئيس للفاعلية الحضارية لدى المصريين ،منذ القدم، بحسب ما تبدت في الأسر والجماعات القروية والأحياء الحضرية والطوائف الحرفية والجمعيات الأهلية وما إلى ذلك من أوعية مدنية عكست قوة الجماعة المصرية وتماسكها، فذابت الهويات والانتماءات الفرعية ،حتى صار أي حديث عن" الفتنة الطائفية" أمراً لا يجر ح وحدة الوطن فحسب، بل عد احتراقاً  خطيراً لأساس الانتماء عند المصريين ،أي الانتماء الوطني (4) وهو ما يفسر أسباب غياب هذا اللون .


[3]



[1][1] كاتب وصحفي مصري ،والاقتباس والوارد أعلاه جاء ضمن زاويته "أقوال منثورة جريدة القاهرة، عدد189 ،بتدريج د2 سبتمبر 2007 ، ص

[2] 1-نظر،في ذلك ،سعيد ، محمد السيد، في مقدمته لكتاب :حكمة المصريين ،مجموعة باحثين ص88..89

2-نفسه،ص13

[3]3أبو زيد، أحمد حكمة المصريين .مرجع سابق ،ص88،89

4سعيد ،مرجع سابق ،ص13

 

من التنازع بين الذاهب والفرق بين مسلمي مصر، تاريخياً ،ذلك التنازع الذي عرفته- ولا تزال –المجتمعات الإسلامية ولاسيما في الشطر الشرقي من العالم العربي والذي بلغ درجة الصراعات المهلكة والصدامات المروعة، بينما نأى مسلمو مصر عن كل ذلك ،عبر صور ثقافية سياسية وفكرية وإبداعية ،عكست متانة الكيان التاريخي لهذا البلد ،وقوة استمرار  ه ، بوصفه الوعاء الحافظ لكل ثقافة الإنسانية ، التي ورثتها الحضارة العربية الإسلامية عن الحضارات والثقافات السابقة(5) .

وفي هذا، جاء العصر الفاطمي ليتفاعل مع مأثورات المصريين وأشواقهم الساعية إلى ا ر ساء العدل والحرية، استناداً إلى فهم المصريين لأمر الدين ، لا بوصفه محض تفسير للكون، واتصالاً

بالأخر ة فحسب ،بل باعتباره كذلك –مرشداً وهادياً لهم في شتى  مناحي حياتهم ،ناهيك .

 

5تليمة، عبد المنعم ، حكمة المصريين ،مرجع يأبق ، 182 ،18

 

عن مقدرتهم الفذة على التألف بين عناصر الوافد والموروث الثقافيين عبر عمليات طويلة من الصهر والتركيب التاريخيين ، فتعززت وحدة التنوع وتألقت إلى حد التناغم بين الأضداد ، فتضافرت إسلاماً تقاليد الفقه الشيعي والسني وتسامحت عبر صيغ التصوف والزهد التي بلغت أوجهها في القرن السادس الهجري، فجاء التمجيد الباهر ك" آل البيت" تفتحاً على جوهر التشيع الفاطمي ، وجاء الإعلاء من شأن صحابة النبي تجاوزاً لجوهر الانقسام التاريخي،  ما جعل التصوف المصري متآلفا مع عهود الحكم المتشيع (الفاطميون) ومع عهود الحكم السني (أيوبيون ومماليك وعثمانيون) رغم امتداد العهود الأولى لأكثر من مائتي سنة، وديمومة العهود الثانية لأكثر من ثمانية قرون ، بوصفة –أي هذا التصوف –العنوان الإسلامي للشخصية المصرية، في عمقها التاريخي البعيد ولصبح –فيما بعد- الإطار الاجتماعي والثقافي والروحي الجامع للمصريين ،بمختلف فئاتهم وشرائحهم ، ولاسيما من أبناء الفئات الشعبية و الدنيا، والتي مثلت الطرق الصوفية دروعاً حصينة لها، في مواجهة غوائل الزمن ،في مختلف الأزمنة المصرية اللاحقة(6) وذلك بعدما حسم المصريون مبكراً ذلك الصراع التقليدي بين "أصحاب الظاهر" ،من الفقهاء و "أصحاب الباطن"، من المتصوفة ،سعياً من جانب أولئك الفقهاء إلى تأليف قلوب الناس من حولهم ،بحيث صار كبار شيوخ الجامع الأزهر أعلاماً  للتصوف ،والعكس صحيح ،وهو ما تجلى في أسماء شهيرة كالسادات ،والبكري والعروس وغيرهم(7)،وذلك بعدما باتت .

 

6 أنظر في ذلك ، جران ،بيتر، الجذور الإسلامية للرأسمالية ،مصر 1760 -1840 ،ص89 ، حيث يفصح المؤلف عن الأدوار التي ظلت تلعبها الطرق الصوفية في مصر حتي نهايات القرن الثامن عشر، من حيث كونها ظاهرة اجتماعية –اقتصادية فضلا عن

7 -تذكر الباحثة والمؤرخة الأمريكية ذات الأصل المصري ،عفاف لطفي السيد مار سو،أن كل من الشيخ البكري والشيخ السادات كانا ير أسان اثنتان من أكبر الطرق الصوفية 

 

الطرق الصوفية أوسع حركة شعبية منظمة ، لكل منها نظامها وشاراتها وأعلامها وأذكار ها وأناشيد ، ما حدا بمفكر مصري معاصر ، هو عبد المنعم تليمة لوصفها ب" الدولة "الموازية، أو"دولة داخل دولة "،بعدما أخذ شيوخ هذه الطرق في اصطناع نظام الحكم السياسي والعسكري على نظامهم، فرتبوا درجات الأعضاء بها، من مريد إلى نقيب ،وسموا مجمعهم باسمهم"الديوان "، وشيخهم "السلطان" وهو مابين مدي قدرة المصريين على حفظ تماسك كيانهم الروحي ووجودهم التاريخي ، فاستعص احتراقه على كل غاز أو دخيل حتي ظهور الدولة الوهابية –السعودية الثالثة، خلال الثلث الأول من القرن العشرين.

 

 

في مصر في نهاية القرن الثامن عشر، وهما اللتان أمدتا المقاومة الشعبية ضد الفرنسيين بجموع الرجال وأكثر هم قوة انظر في ذلك كتابها :مصر في عهد محمد على ص81 .

 

 

1- الفتنة الوهابية الأولى : هبة الانكسار:

 في واقعة كان لأصدائها دوى لم يعرفه أبناء الريف المصري ،من قبل ،فاجأ المدعو رشيد رضا ، جمهرة المسلمين ،في هذا البلد ،بواحدة من أكثر"الفتاوى "غير المعهودة في تراث التدين الإسلامي المصري ، والقائلة بأن التمتمة بالصلاة على النبي الكريم محمد ،فور ختام الآذان للصلاة تقع في دائرة"البدع القبيحة"(8) ؟، ما كان له أسواً الأثر في صدور أناس ترسخ إيمانهم التاريخي على تمجيد النبي وآل بيته ،بوصفة أمر يقع في قلب هذا الإيمان ، على نحو ما جسدته  الطرق الصوفية لزمان بعيد  ،لتجئ تلك"الفتوى "المزعومة لتثير شقاقاً غير مسبوق بين جمهرة المسلمين المصريين ،وهو مابدى عنواناً ك" فتنة" أشعل فتائلها رجل ظل محسوباً ،في عيون

 

 8-راجع ،لجنة البحوث والدراسات بالطريقة العزمية ،كشف الارتياب في إمامة ابن مسعود وابن عبد الوهاب ،ص156 .

 

طلاب وشيوخ العلم الإسلامي في الجامع الأزهر ،على أنه التلميذ النجيب لشيخ وإمام هذا الجامع (محمد عبده)، وهو ما منح تلك "الفتوى" المصطنعة ،كان له أبلغ الأثر في تطويق آثار هذه  الفتنة ،أو مابدى أنه كذلك ، في ضوء ما كانت تتمتع به هذه المؤسسة العلمية العريقة –أي الأزهر- من مهابة ونفوذ في نفوس المسلمين المصريين ،ومن إليهم من مسلمي العالم ،بطبيعة الحال، إذ أن ذلك الضرب من

" الفتاوى"  لا يقع في دائرة العلم الأزهر ى ، فحسب ،بل هو –أيضاً –خارج جل دوائر العلم الإسلامي المتواترة، وكونه ينتمي الإسلامية –هي العقيدة الوهابية، والتي وجدت في رشيد رضا ونظرائه (9) صوتها ونفوذها الصاعد بين المسلمين المصريين آنذاك،حيث كان رضا يمثل صوتاً أزهرياً- وإن كان متهافتاً ومحدداً في الأوساط الأزهرية –إلا أن تلك الأزهرية بدت وكأنها البوابة السحرية لولوج وهابية آل سعود ،إلى العمق المصري ، فيما جاءت الهوية الصوفية لمؤسس الجمعية الشرعية المدعو (محمود السبكى) لتتشكل منذ ذلك التاريخ نافذة ولوج آخر ى لتلك العقيدة الشاذة في هذا البلد وهي ذات الهوية التي كانت مدخلاً آخر لجماعة الأخوان في العام 1928 ،و ذلك  بغية الدفع بالعقيدة الوهابية للهيمنة على مصائر ومقدرات مصر  السياسية والاقتصادية ،على نحو ما عكسه السلوك السياسي شبه العسكري لجماعة الإخوان ، منذ أواخر الثلاثينات ،من القرن العشرين ،وهي الفترة التي شهدت .

 

 9 -راجع،لجنة البحوث بالطريقة العزمية الإخوان المسلمون، متى ،كيف ولماذا؟

 

سيلاً متتابعاً من التساؤلات القلقة ،في الأوساط الإسلامية المصرية ،حول حقيقة الصواب والخطأ في أمر إيمانهم ، وهو وضع كان يعكس –بلامراء-فاعلية الخطاب الوهابي ،على نطاق واسع في هذا البلد ، وذلك ،على نحو ما تبدى في سلسلة الفتاوى الأزهرية المناهضة للترهات

الوهابية ،في شأن التوحيد الإسلامي ،والتي أفسحت المجلة الناطقة باٍسم الأزهر صفحات مطولة لها ،ولاسيما لتلك التي اضطلع بها أحد ألمع علمائه ،وهو الشيخ يوسف الدجوى الذي تلألئت فتاويه واجتهاداته (10) ،عبر سلسلة من المعارك الضارية ،التي استبسل فيها ،دفاعاً عن قيم الإسلام الحضارية والروحية ،في مواجهة بدائية الوهابية وماديتها المستصرخة، بحسب ما تبدت في الحط من النماذج والرموز الروحية الإسلامية ،أكان في شخص .

 

10-انظر في ذلك ،سلسلة فتاويه في الرد على دعوى الوهابية ،والتي جاءت في أربعة إصدارات ، مركز حجازنا للدراسات والنشر، الدار البيضاء المغرب 2007.

 

النبي أو آل بيته أو الصالحين، أو في ا هدار كل علم إسلامي تواتر عبر علماء هذا المذهب أو ذاك ، وهو حط و ا هدار  اقترن بحملة تكفير وترهيب ضارية لجمهرة الملمين المصريين ،ممن يمجدون  ويعظمون تلك النماذج أو ممن يتبعون علماء السلف الكريم، من حنفية وشافعية ومالكية وحنبلية ، ما أذن بفتنة واسعة في عموم الشارع الإسلامي المصري الذي ارتبط روجاً وعلمياً بهذه النماذج وهؤلاء العلماء، لكنة فوجئ ،وعلى حين غزة، بمن يشككه في إيمانه الراسخ ، وبمن يزعزع وعيه الرائق ،بدعوي أن تمجيد النبي وآل بيته والصالحين يقع في دائرة الشراك ، وأن أضرحتهم محض" أوثان" ،وأن تعظيم علماء السلف يندرج في باب العبادة، لأنه كاتخاذ اليهود للأخبار" أرباباً "من دون الله!

وبذلك تساوى جل المسلمين المصريين بأهل الوثنية القديمة وأهل  اليهودية المنحرفة ، استناداً الشذوذ .

من دعاوى الوهابية السعودية ، والذي يعود –بالأساس –إلى نظرية ابن تيمية سيئة الصيت،التي اعتبرت الإيمان الإسلامي في عصره، إيماناً بالرب لا الإله على نحو ماشهدته الوثنية السابقة ،والتي دفع ابن ،بعد أن أفتي قضاة المذاهب السنية الأربعة بزيغه  وانحرافة عن الإسلام ،في القرن الثامن الهجري الاأن أحد وعاظ بادية (نجد) أنى إلا أن يعيد إحياء تلك الشريعة في شبه جزيرة العرب ،خلال القرن الثامن عشر الميلادي ،وهو المدعو ابن عبد الوهاب فصارت شريعة ابن تيمية هي شريعته وشريعة ممالك آل سعود الثلاث منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم والتي تبين- فيما بعد –أنها ليست إلا إحدى ثمرات "الإسرائيليات "،التي تمددت في كتب التفاسير والأحاديث الإسلامية ،ما أدرج شريعة ابن تيمية –ابن عبد الوهاب ضمن أشكال الوافد لا الموروث،على خلاف ما شاع حول هذه الشريعة وأتباعها ،وهو ما عكسته أيضا –فتاوى رشيد رضا، على حد ما أظهره الدجوى ،بجلاء لا يحتمل اللبس ، حيث يشير إلى افتتان رضا بالعقل الأوربي ،إلى حد "أنه يقدس كل ما يسمع عن الأوربيين" وكونه " لا يؤمن" بغير ما يقع علية  الحس"،ما حمل الدجوى على مخاطبته بالقول: "ألا تتقى الله في أبناء تلك الأمة المسكينة(أي مصر)،التي كاد أن يقضى عليها تقليد الأوربيين  وتقديسهم حتي أختل أمرهم، وضاع رشدهم ، أفتر يد أن  تزيدهم فناء في الأوربيين ،كي يقلدوهم في كل شئ ، حتي في أمور الدين ، ومسائل اليقين عند المسلمين؟".

هو –إذا –الوافد الوهابي، المقترن بالوافد الأوربي الذي استهدف بنية الإسلام الصوفي – الأزهري، في ذلك البلد ،

 

11- انظر عدد(3) من سلسلة الفتاوى ،أباطيل الوهابية في مصر ،ص 3 وما بعدها.                    

 كي يغترب عنه فيسهل استلاب إرادتهم ،خلال النصف الأول من القرن العشرين إلا أن كل ذلك انكسر  أمام متانة الكيان المصري ، وسعي أبنانه للنهوض به، في كل اتجاه ،وذلك عبر مشروع طموح للتحديث ،نهض جوهره على تعددية اجتماعية خلاقة،ومؤسسات ديمقراطية فتية ، اتخذت من الحرية سبيلاً لتحقيق الغايات الوطنية الإستراتيجية،فتوهجت قيم احترام الآخر والاعتراف بحق الاختلاف والاجتهاد،فاتسع الوطن لكل الآراء والتيارات والاتجاهات والمدارس في الفكر والسياسة والإبداع ،وهو آمر كان لأئمة التجديد والإصلاح الإسلامي دوره المرموق ،ولاسيما شيخ الجامع الأزهر الإمام محمد عبده والذي اعتبره أحد الباحثين المُنظر الأهم لثقافة التنوير بنهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بعدما تمكن من إحداث ما يشبه الثورة في الفكر الإسلامي التقليدي، عبر تحرير العقل(12)وإصلاح التعليم ،لتصير تعاليم ذلك المصلح الأزهري الكبير أحد الأسس المهمة في انطلاق مشروع النهضة المصري حتي قيام ثورة الجيش في يولية ،من العام 1952 ، وما أعقبها من تصفية أنشطة واحدة من أكبر الجماعات الوهابية ،في هذا البلد ،وهي جماعة الإخوان.

 

الفتنة الوهابية الثانية :عواصف الاقتلاع والتهديم:

 

على الرغم من الهزيمة القاسية التي لحقت بالجيشين المصري

والسور ى ،على إثر العدوان الاسرائيلى  في يونية 1967 ،وما ترتب عليه من احتلال واسع للأراضي الفلسطينية، إلا أن الجماعة المصرية والعربية لم تفقد الثقة في ذاتها،على خلاف التوقعات الإسرائيلية

 

12تليمة مرجع سابق ،ص 186 ،187     

 

والأمريكية ، فانطلقت الاحتجاجات الشعبية عام 1968 ، في مصر تطالب بالتحقيق والمسائلة، وما تبعها من تظاهرات لم تنقطع ،حتي العالم 1972 ، تدفع باتجاه إعلان الحرب ،وتحرير الأرض ،وهو ما انعكس في تعبئة القدرات  المتاحة على أسس من التخطيط العقلاني  والعلمي ،فكانت الانتصارات لفذة للجيشين المصري والسور ى ، عبر الدعم العربي الإسلامي ،في حرب أكتوبر-رمضان، من العام 1973 على الرغم ما شاب الإدارة السياسية للحرب من أخطاء هنا وهناك ،الاأن تلك الانتصارات كانت إيذانا ببداية جديدة للقدرة المصرية والعربية على النهوض والبناء، وهو أمر لم يكن مرغوباً فيه البتة من جانب أولئك المهزومين ،من  إسرائيلين وأمريكان، فانطلقت مبادرات التسوية العسكرية والسياسة مباشرة مباشر ة لمسخ دلالة الانتصارات وتفريخ  طاقاتها الشعبية المتصاعدة، فيما دشنت سياسة الباب الاقتصادي المفتوح، أو ما عرف  بسياسة الانفتاح على أسواق الاستهلاك الغربية ،بغية الهاء الجموع المنهكة ببريق الترف الإستهلاكى المستعار ، ما دفع بالطبقات والفئات الوسطى وفوق المتوسطة إلى الانحدار ،وإلى تزايد معاناة الطبقات الدنيا ولمهمشة ، وهي أو ضاع أفرزت حالة من الحراك الاجتماعي المصطنع ،لحساب قيم الفهلوة والسمسرة والمضاربة في كل مجال واتجاه ،معززاً بتولد عوائد غير مسبوقة وثروات غير محدودة في مشيخيات الخليج وإماراتها، عبر الطفرة الفلكية في أسعار البترول ،في أعقاب حرب أكتوبر.وبذلك صارت اقتصاديات  الريع العربية هي قائدة التحول في زمن ما بعد حرب التحرير، أو ما قيل إنها كذلك !ليجد جمهوراً عربياً كبيراً ،كالجمهور المصري ، نفسه ،خارج أي مشروع جماعي للنهضة ،مقارنة بما كان عليه الحال بُعيد ثورة 1919 ،وبُعيد ثورة 1952 ، لتفترس أفراده هواجس 

المصير الغامض والقدر المجهول ،فيندفعون إلى غياهب التحولات المغممة، كل يبحث عن ركائز حلم ،صار مادياً  واستهلاكياً ،باطلاق، وهاهنا تبدت دعاوى الوهابية فاصطنعت سلواها الزائفة ،وتعزيانها البائسة ، تسكيناً لمواجع المصريين وتخديراً لطموحاتهم المبددة وانتصاراتهم ، في ظل انقلابات التركيب الاجتماعي ، وتحولات التكوين الاقتصادي ، ليصير هذا التسكين وذاك التخدير بوابة الوهابة السحرية  إلى تشييد أركان مشروعها المجهضة على أطلال مشروعات المصريين في النهوض والتحديث ،ولتكون ساحات البحث والعلم التي تبلورت وتشكلت فيها تلك المشروعات ،أي الجامعة ، هي نفس ساحات انطلاق دعاوى التجهيل والترهيب الوهابية عبر جموع من الشباب اليائس ،جرى استنزاف طاقاته واستلاب ملكاته لأجل أقامة فردوس الوهابية الوهمي على الأرض المصرية ، تحت شعارات مضللة عن "الصحوة"و"اليقظة" الإسلامية ،وذلك في مطلع فتنة أخرى ،لكنها لم تجد- كسابقاتها – من يطفئ لهيب فتائلها المشتعلة منذ منتصف السبعينيات، من القرن المنصرم وإلى اليوم.

البدايات:

لم يكن الظهور المفاجئ لما سمى " الجماعة الإسلامية "،في الجامعات المصرية الرئيسية (القاهرة، عين شمس ، الإسكندرية)- فالبازغة    حديثا على مستوى الأقاليم ،منذ العام 1975 –ببعيد عن التخطيط السياسي لدول وقوى وأطراف تلاقت مصالحها للدفع بالخطاب الوهابي –مجدداً –في الساحة المصرية ، ولاسيما في المواقع النشطة بها آنذاك أوهي الساحة الجامعية ، التي ظلت منذ العام 1968 –كما أسلفنا –وحتى ذلك التاريخ فاعلاً سياسياً نشطاً ،ما عكر صفو الترتيبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية و الإستراتيجية لأوضاع المنطقة، في مرحلة ما بعد الحرب ، من جانب تلك القوى والأطراف ،ولاسيما الولايات المتحدة ومملكة آل سعود ونظام السادات ،وهو ما جعل من اللعب بالسلاح الديني الوهابي، أمراً ناجعاً ،في مواجهة حركات الممانعة والمعارضة اليسارية والناصرية المتنامية في أوساط الحركات الطلابية العربية ، ولاسيما المصرية ،منها، وهو ما حدا بحكومات السادات، منذ ذلك التاريخ (1975 )للوقوف بكل ثقلها خلف المجموعات التي جرى تشكيلها على عجل ، داخل الجامعات المصرية، باسم"الجماعة المسلح ضد أبناء التيارات المناوئة لسياسات السادات .

وفي هذا يقول أحد كوادر الحركة اليسارية الطلابية آنذاك ،وهو كمال مغيث :"يبدو أن أنشطة الطلاب قد أزعجت السادات لاتخاذها شعارات راديكالية (جذرية وثورية )، تتعارض مع اتجاهات السياسية ،وخاصة الاتجاه نحو التصالح مع إسرائيل بعد خرب أكتوبر لذا أشار  عليه" أحد مستشار ى السوء"-وما أكثرهم في بلادنا- بأنه  لايقل الحديد إلا الحديد ،وأنه لن يستطيع مواجهة حركات اليسار في الجامعة سوى الحركة الإسلامية (الوهابية ")والتي تحمل عداء شديداً لليسار وللاشتراكية ،كما ستحمل ولاء شديداً لمن هياً لها الأمر داخل الجامعة، وأعطاها الإسلامية(الوهابية ) تحت سمع وبصر النظام الذي سلحها بمطاو ى قرن الغزال وبالجنازير والأموال لتواجه بهم حركات اليسار(13)

13 انظر مقالة بجريدة القاهرة.189،بتاريخ 25 سبتمبر2007،ص3.

والحقيقة،فإن  الإقرار الرسمي المصري باصطناع الظاهرة الوهابية في ساحات الجامعات لم يكن محض خاطر طراً على بعض" مستشاري السوء"،كما أفاد (مغيث بل كان جزاءاً من مخطط دولي وإقليمي أوسع وأشمل ، لما بعد حقبة "القومية العربية" ،التي تزعمها عبد الناصر،والتي كان قد أن أوان  طمسها ،عبر التعريض بكل منجزاتها قبل إخفاقاتها،فجاء التأسيس المعلوم لهيئة دولية تضم مجوعات"الإخوان "وعناصرها الشاردة ،في العام 1973 وتحديداً خلال موسم الحج ،التالي على توقف معارك أكتوبر ،من هذه السنة ،ليعلن من سفح جبل (منى )دلالاته ومغازيه على أي مراقب ومحلل سياسي ،حيث "الدولية "هي الإشارة الأمريكية لتوسع هذه الحركة /الهيئة،عبر مقتضيات سياسات البيت الأبيض ،آنذاك ،وحيث الأراضي المقدسة الخاضعة للولاية السعودية ،هي منصة الانطلاق الرسمية لتلك الحركة طبقاً لمقتضيات التحالف السعودي –الأمريكي ، والذي سرعان ما انخرط فيه السادات ، بحماس يحسد عليه ! فتبدت المجموعة الوهابية ، المسماة بالجماعة الإسلامية، على ذلك النحو المفاجئ ،والمفارق لنشأة أية،حركة فكرية أو سياسية مناظرة في الجامعات المصرية،أو في أياً من ساحات النشاط العامة !ما يحمل على الاعتقاد أن عناصر تلك المجموعات قد تلقت- قبل التحاقها بالجامعة –أشكالا عدة من التقلين

المنهجي المنظم، داخل مؤسسات الوهابية التقليدية ، في مصر ،ك(الجمعية الشرعية) ،و_(جماعة أنصار السنة)،والتي مثلت- ولا تزال المرجعية العقائدية المعتمدة للتفكير الوهابي ،والتي تتقاطع بالطبع مع النشاط السياسي لجماعة الإخوان ،وهو ما جددت التأكيد عليه المذكرات التي نشرها مؤخرا ،أحدد علماء الأزهر،ممن عملوا لسنوات في الجامعات السعودية حيث يشير إلى أن الوهابية السعودية لم تتردد في احتضان"فكر الإخوان  المسلمين" وفتح أبواب المملكة السعودية أمام هجرة ممن "ضيق عليهم في مصر "،خلال عهد عبد الناصر وعملت على "نشر كتبهم وتوزيعها مجاناً حتي أصبحت الوهابية هي الناشر الأول لفكر الإخوان المسلمين (14)

لذا، لم يكن متغرباً ،حينذاك ،أن يتصدر المرشد الدولي لجماعة الإخوان  (عمر التلمسانى  )،وغيره من قادة الجماعة ذلك الضرب من الاستعراضات الدعائية، التي دأبت جماعات الوهابية الطلابية الطلابية على  تنظيمها في تلك الجامعات، عبر شعارات صاخبة من"التأسلم السياسي "و"الديماجوجية الأخلاقية"حتى صارت عنواناً الفتنة اجتماعية وعقائدية ،منذ ذلك الحين .

 

14 انظر ،فراج، عبد الحر من عثمان (دكثور) ،مبعوث الأزهر في جامعات الوهابيين .مذكرات ذكريات ،ص21     

 

التحولات

لم يكن أطالة اللحية وارتداء  الجلباب القصير للشباب هو –فقط –الشكل الوحيد للإعلان عن مظاهر بدوية الوهابية النجدية وعقيدتها المفارقة لعقائد ومذاهب المسلمين المصريين فجاء غطاء الرأس للفتيات التابعات لهذه الجماعة،ليثمل عنواناً آخر لارتداد المرأة المصرية إلى "عصر الحريم التركي "،والتي كانت قد شرعت في تجاوزه مع النهوض المصري العام ،بعد ثورة 1919 ،  إلا أن أتباع الوهابية الصاعدة في الجامعات المصرية أبوا إلا أن يعيدوا هذا التاريخ إلى الوراء ،فشرعوا –عنوة- في فرض الفصل المتعسف بين الطلاب والطالبات في ينبغي ضبط إيقاعاتها الجسدية والجنسية المتوهمة في رؤوس قطعان الوهابية المستجدة، لكنه فجر الترهيب باسم الدين والذي سوي دين الوهابية ،أو باسم الأخلاق ، لكنها ليست سوى أخلاق الغرائزية  الذكورية والبدوية ،التي طعنت المرأة المصرية الحديثة في عفتها وشرفها الانسانى،فأهالت أتربة العطن الوهابي على تاريخ النهوض والتحرر النسائي ،عبر ساحات الجامعات! وأحالت "شعر الفتيات" إلى جرح يسيل فتنة، فضار الغطاء/الحجاب ضمادات يسعي صبية الوهابية إلى ترويجه ،قسراً وغصباً وتدليساً ،تحت شعارات" العفة"و"الفريضة "،وسط مناخ من التجهيل غير المسبوق بمقاصد الإسلام وغاياته ،في أزمنة الناس وأماكنهم المتغايرة.

وبدلاً  من إعمال البحث والدرس في علوم الجامعة وفي أمور الوطن ،صار ما سطره ابن تيمية وابن عبد الوهاب والشوكانى والمودودى وسيد قطب ،ومن والأهم من تكفيرات هي الشغل الشاغل لأتباع الجماعة الوهابية داخل الجامعة وخارجها، ليتراجع أمر العلم ،ويتدهور أمر العقل ،وهو ما حمل أحد الدعاة المسلمين لوصف ذاك الضرب من الهوس الوهابي الناشئ في مصر ،منذ سبعينيات القرن العشرين ،بأنه "وباء رهيب خطير مثير ينفث  في ربوع الأمة مزيداً من التفريق والتمزيق والتمريغ ،والفتن المجنونة باسم السلفية المظلومة، وهم يزعمون أن هذا من الصفوة الدينية والمد الإسلامي !(15)

والهذا، لم يكن مفاجئاً أن تطول أيدي الفتنة الوهابية مؤسسة الزواج المصرية ، فتقوض أركانها رأساً على عقب ، أن نزع أتباع الجماعة الوهابية الشرعية عنها ،واصطنعوا شرعية زواج بديل، يعقده أمير الجماعة ،خارج المستندات الرسمية ،حتى شاعت .

 

15 أنظر في ذلك،كتاب إمام العشيرة المحمدية  في مصر الشيخ ذكى إبراهيم نقلا عن فراج ، مرجع سابق ، ص 7

 

الزيجات غير القانونية والأبناء غير الشر عيين ، ليتسع  نطاق التفكك الإجتماعى، ويستعر بين الأبناء والإباء، في موجة أخرى من موجات الانقسام الأسرى غير المسبوقة في مصر

 

فتاوى التثبيت:

إنه الفقه البدو ى ،بحسب الوصف الذي أطلقه العلامة الراحل محمد الغزالي على هذا الضرب من التخرصات الوهابية  ، إن كان يصلح للفظ" الفقه " إطلاقه ،في هذا المضمار!

واستناداً إلى هذا النمط من "الفقه" المبتدع نشطت فتاوى أتباعه ، في طول البلاد المصرية وعرضها، حتى صار غطاء الرأس النسائي حجاباً شرعياً ،منذ ثمانينات القرن العشرين ، بين مختلف الفئات الاجتماعية  ،والذي لم يكن إلا مدخلاً  لتحريم الاختلاط العلني والمعتاد بين الجنسين ، في مختلف مواقع العلم والعمل والنشاط الإجتماعى، لينتهي الأمر بالحجاب الكامل للهوية النسوية،عبر أقنعة النقاب الداكنة ،كجزء من آليات السيطرة والحجب الذكوري ،حتى بين "ذوى الرحم"، مخافة الافتتان بين نساء ورجال الأسرة الواحدة! إلى حد اعتبار مصافحة المرأة من تجليات "الزنا" المؤثمة وفي هذا ،اتسع نطاق تلك "الفتاوى"ليشمل مختلف أشكال الفنون والإبداع ،تحريماً، ناهيك عن الإبداع التقليدي بالمصارف أو الاستثمار  المالي المعتاد ،بوصفهما "فعلاً ربوياً"صريحاً ،ما أدى إلى رواج شركات توظيف الأموال ، التي نهبت أموال المودعين ،وأفسدت ذمم رجال الدين والإعلام والسياسة ، على نحو ما افتضحت وقائعه ،فيما بعد.                                                                                    وعلى الرغم من ذلك ،ظل هذا النمط من الفتاوى الوهابية المستعرة يتمدد حتى اليوم كأحكام زيارة القبور ، وعذاب الموتى في قبورهم وأهوال اليوم الآخر، وما  إلى ذلك من فتاوى انخرط في الترويج لها ممن ينتسبون إلى جامعة عريقة كجامعة الأزهر ،فانبرى   أحدهم للإفتاء بضرورة أن تٌقدم المرأة المزاملة للرجل دواوين العمل الحكومي على إرضاعه، كي تصير الخلوة التي تجمعهما خلال العمل "شرعية "!ما أثار الرأي العام ،ومسارعة شيخ الأزهر لإحالة الرجل إلى التحقيق ،فتجميد عمله ،إلا أن  مثل هذه لإحالة الرجل إلى التحقيق ،فتجميد عمله ،إلا أن مثل هذه الإجراءات لم تجد نصيبها – بالطبع –فى مواجهة المسئول الأول عن هيئة الإفتاء أي الشيخ على جمعة ، الذي  تحدث عن تبرك الصحابة بشرب"بول" النبي! وهو ما  حدا به  لسحب كتابه من الأسواق ،كأحد تجليات التدهور في بنية العقل الأزهري ،وشيوع الخطاب الوهابي ، في هذا البلد، وهو أمر عزاه  الطبيب والكاتب الإسلامي أحمد الفنجرى إلى مجمل المرويات المنسوبة إلى النبي الكريم(16).

مثل "أحاديث الآحاد" و"الأحاديث الموضوعة والضعيفة " ، كونها تنتمي إلى فئة" الإسرائيليات ، التي تمددت في كتب الحديث ، ومع ذلك فإن شيخاً للأزهر ،هو جاد الحق حرص على الاعتماد عليها ، ولاسيما في أمر "ختان الإناث" والذي أفتى شيخ الأزهر الحالي بحظره، بوصفه منافياً لجوهر الإسلام ومقاصده ،ومع ذلك فقد حرصت الشبكة الوهابية العاملة في مصر ،تحت اسم "السلفية "على إعادة طبع فتوى جاد الحق المحبذة لهذا " الختان "ضمن إصدارات خاصة ،وبأسعار زهيدة، كأحد وسائل هذه الشبكة في مناهضة كل ما يتصل بكرامة المرأة

وكبريائها ! بدعوى "صيانة الدين " وهي الدعوة

 

16 أنظر ،كتابه مفاهيم خاطئة تؤخر المسلمين ،ص45

 

التي يتسربل خلفها دعاة الوهابية في مختلف الزوايا والمساجد الشعبية لممارسة أقسى أشكال الترهيب لمجموع مسلمي مصر،ناهيك عن نظرائهم من المصريين المسيحيين ،فيثيرون "الفتن الطائفية" ويشيعون الكراهية بين أبناء الوطن الواحد ،على نحو ما جرى ولا يزال يجرى منذ ثلاثة عقود متصلة.

 

المراجع  والمصادر العامة

1- مجموعة باحثين ،حكمة المصريين ،مركز القاهرة لحقوق الإنسان،القاهرة 2000

2-جران ،بيتر ،الجذور الإسلامية للرأسمالية ،مصر 1760 -1840 ترجمة: محروس سليمان، مراجعة ،رؤوف عباس،دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع ،القاهرة 1993 .

3-مارسو ، عفاف لطفي السيد ،مصر في عهد محمد على ، ترجمة :عبد السميع  عمر زين الدين ،مراجعة :السيد أمين شلبي ، المشروع القومي للترجمة ، عام (554)،المجلس الأعلى للثقافة،القاهرة2004 .

4- لجنة البحوث والدراسات بالطريقة العزمية ،كشف الارتياب في إمامة ابن عبد الوهاب، الكتاب الأول ،القاهرة2004 .

5- المؤلف السابق ،الإخوان المسلمون ،متى ..كيف.. ولماذا؟ القاهرة2005

6- سلسلة فتاوى الشيخ يوسف الدجوى ، في الرد على دعاوى الفتنة الوهابية (1-4)،

7- مركز حجازنا للدراسات   والنشر، الدار البيضاء، المغرب2007

 

لماذا يكره"آل سعود" الشعب المصري؟

الجذور

(دراسة متخصصة)*

 

* لعله من نافلة القول أن نؤكد أن مواقف الأمير الوليد بن طلال وفضائح فضائياته ضد شعب مصر وثقافته وتدينه السمح ليست منفصلة ولا منقطعة الصلة عن مجمل السياسة العامة التي تقررها أسرة آل سعود ضد الشعب المصري وضد الدور المصري فى المنطقة ، وما برنامج (هالة سرحان) وفضيحته عن فتيات الليل سوى رأس جبل الثلج لسياسات ثابتة وتاريخ طويل من العداء الإعلامي والسياسي للشعب المصري ، وفى هذا السياق يهمنا أن نؤكد أيضاً أن آل سعود بهذا يقابلون الفضل المصري عليهم تاريخياً بنكران وجحود وهو فضل معلوم وتكراره

 

[3] إعداد/مركز للدراسات والأبحاث بالقاهرة

[3]

 

 ليس مستحباً ولا هو من شيم المصريين أو المسلمين إجمالاً ، فهي الشقيق الأكبر الذي على أكتافه تقع المسئولية ، وبين يديه يتحدد الدور والمصير لكثير من قضايا الأمة .

* ولكن يبدو أنه مع أمثال الوليد بن طلال ، وباقي أركان الأسرة السعودية المالكة ينبغي التذكير بهذا الفضل لمصر عليهم ، وبتاريخها الطويل وتضحياتها الجسام من أجل (المقدسات) التي يسيطرون عيها الآن عنوة دوناً عن باقي المسلمين ، ويأسرونها أسراً ويعتبرونها ملكاً خاصاً فى مخالفة صريحة للإسلام ، ومنزلة مقدساته فى ضمير الأمة .

* نذكرهم هنا بأن مصر تاريخياً كانت تحمى الحجاز ، وهى تاريخياً عندما اشتط سعود الكبير مؤسس الدولة السعودية الأولى وخرج من عباءة الإسلام وأضحى خطراً على المقدسات ذاتها قام حاكم مصر وقتها بتأديبه وهدم مملكته الصغيرة آنئذ (فى الدرعية) وكان الحاكم هو محمد على باشا وابنه إبراهيم (1811م) .  

* ويبدو أن هذا الهدم المصري لمملكة آل سعود الأولى أضحى هو العقدة التاريخية الحاكمة لسلوك هذه الأسرة فى مملكتهم الثانية والثالثة التي تعيش اليوم بجوارنا وهى التي أنتجت تلك الكراهية المتأصلة فى نفوس (آل سعود) نحو مصر / الشعب ، وليس مصر الأنظمة !! .

******

* على أية حال دعونا نقرأ التاريخ ، ونفتش فى صفحاته بحثاً عن جذور هذا الفضل المصري على بلاد آل سعود وهذا النكران والكراهية لآل سعود للمصريين .

بداية ، لابد من الإشارة إلى أن الحجاز قد ارتبط رسمياً بالحكم فى مصر منذ عهد الدولة الطولونية (868م) .

وفى أيام الفاطميين ، كانت القاهرة تحرص على أن يكون نفوذها عظيماً جداً فى الحجاز وذلك ضمن خطتهم العامة الهادفة إلى تأسيس نفوذهم السياسي والديني فى ثلاثة من المراكز الإسلامية الكبرى : الفسطاط ، والمدينة ، ودمشق ، تمهيداً لتهديد بغداد نفسها ، حاضرة الإمبراطورية العباسية .

كذلك ، فإن سقوط الدولة الفاطمية ، وقيام الدولة الأيوبية ، لم يضعف علاقات مصر بالحجاز، بدليل أن الخطيب على منبر الحرم المكي كان يدعو للملك الكامل ، ويصفه " بأنه سلطان القبلتين ، وخادم الحرمين الشريفين " .

ووفقاً لما ذكره ابن إياس فى " بدائع الزهور " والجز يرى فى " درر الفوائد " والمقريزي فى "السلوك" والسخاوى فى " التحفة اللطيفة " فإن ما أنفق على الحجاز ، وعلى عمارة الحرمين الشريفين فى العصر المملوكي يفوق كل ما سبق ، وما تلاه من عصور . 

وما إن دخل سليم الأول القاهرة عام 1917 حتى دخل الحجاز دخولاً سلمياً فى نطاق السيادة العثمانية ، وكان اللقب الذي يعتز به السلطان سليم هو " خادم الحرمين الشريفين " وهو لقب كان يستعمله السلاطين المماليك ، فورثه سليم الأول ، بعد فتحه مصر وسيادته على الحجاز. الطريف أن آل سعود الحاليين يستخدمونه أيضاً

ولنا أن نتصور النتائج التي ستترتب على قيام سعود " الملقب بالكبير " بشن هجومه الصاعق ، وانقضاضه كالعاصفة على الحجاز عام 1804 ، والتي كانت موئلاً للثقافة والحضارة فحولها سعود الكبير هذا إلى خراب ودمار بحكم ثقافته الوهابية المتطرفة وجهه بمنزلة الحجاز ودوره .

أما الأكثر سوءاً من ذلك،فهو إطلاقه لجنوده ، الذين شبههم الرحالة الانجليزي " كينث ويليامز "Kinneth Williams" بقوات المغول "كي ينهبوا ما يشاءون وليسلبوا ما يريدون .

كما أنهم ، والكلام للجبرتي " قتلوا الرجال ،  وأسروا النساء ، والأطفال ، وهذا دأبهم مع من يحاربون " خاصة بعد أن أقنعهم سعود بأن الحجازيين " كفار فجّار " على حد تعبير أحد الكتاب النجديين المعاصرين الذي أضاف " أن سعود قد أمر بتهديم كل قبة  بما فيها قبة الزهراء ، فاطمة بنت رسول الله (ص) وقبة الحسن بن على ، وباقي القباب فى البقيع ، ثم سار إلى جبل أحد،وهناك قبر حمزة عم رسول الله (ص) وكان عليه قبة كبيرة فأمر بتهديمها "

ووفقاً لنفس الكاتب ، ولما ذكره البتانونى والجبرتي ، فإن سعود ، ومن معه قاموا بنبش قبر الرسول (ص) ونهب الحرم النبوي ، وأخذ المجوهرات التي فى الحجرة النبوية الشريفة ، والتي لا تقدر بثمن ، وأنه عبأ أربعة سحاحير من الجواهر المحلاة بالألماس والياقوت العظيمة القدر ، وأربعة شمعدانات من الزمرد ، وقطعة ألماس مستطيلة يضيء نورها فى الظلام ، ونحو مائة سيف قرابتها ملبسة بالذهب الخالص ، ونزل عليها الماس وياقوت ونصابها من الزمرد واليشم ، كما أخذ من النقود ما لا يحصى ، وفيها تاج كسرى أنوشروان ، وفيها سيف هارون الرشيد ، وعقد لزبيدة ، زوجته ، وفيها تحف غريبة من جملة ما أرسله سلاطين الهند ، بحضرته (ص) تزييناً لقبته (ص) وأخذ قناديل الذهب وجواهر عديدة " . 

وفى تطور مواز ، أخذ السعوديون يعيقون قوافل الحج القادمة من مختلف الإمبراطورية العثمانية بكل الوسائل .

بل إن سعوداً ، كما يذكر البتانونى " قام بإحراق المحمل المصري " كما عاد المحمل الشامي من غير حج ، ومن ثم انقطع المحملان عن الذهاب إلى مكة ، واستبد سعود بالحرمين استبداداً مطلقاً " .

مما دعا الجبرتي إلى وصف توقف قافلة الحج المصري بأنها " لا تقل أهمية عن الحملة الفرنسية " كما اعتبر المؤرخون فى مصر والشام منع قوافل الحج من العجائب .

"وبشهادة الرحالة الإنجليزي " بوركهارت " Burkhardt " فإن عمليات" الوساطة ، والسمسرة ، وبيع البضائع من قبل الحجاج قد تضررت ، كما تقلص مرور البضائع عبر جدة ، بسبب النقص الشديد فى عدد الحجاج ، وأصاب الكساد التجارة مع مصر " مشيراً إلى " أن هذا الوضع السىء لم يكن مقصوراً على الأغنياء فقط ، بل تعداه إلى الطبقة الفقيرة فى مدن الحجاز ، حيث أصاب الإفلاس الكثير من الناس ، وخلت جدة من أهلها "  .

******

يضيف الجبرتى " فإنه لما امتنعت قوافل الحج المصري والشامى ، وانقطع من أهل المدينة ومكة ما كان يصل إليهم من الصدقات ، والصرر ، خرجوا من أوطانهم بأولادهم ، ونسائهم وأتوا إلى مصر ، والشام ، ومنهم من ذهب إلى إسلامبول يتشكون من الوهابي ، ويستغيثون بالدولة فى خلاص الحرمين لتعود لهم الحالة التي كانوا عليها " .

وفى ذات الوقت ، قام الحجازيون بتقديم شكواهم إلى محمد على باشا ، أما الشريف غالب من جانبه، فقد كاتب كلاً من محمد على وسلطان تركيا ، يستنجد بهما ، والكلام لحافظ وهبة  مؤرخ السعودية الأشهر الذي أضاف إلى ذلك قوله " إن إقدام السعوديين على الاستيلاء على كل من مكة والمدينة ، كان يعد أكثر من ثورة ضد الخليفة العثماني " الذي أصدر أمراً حاسماً لمحمد على باشا يوم 9 سبتمبر 1807 جاء فيه : " إن الذي ننتظر أن تفعلوه أن تقدموا إقداماً تاماً على قطع دابر الوهابيين هؤلاء ، وإزالة فسادهم إزالة تامة " فى محاولة منه لاسترجاع سيادته على الحرمين ، واسترداد هيبته فى العالم الإسلامي ، وهو ما تم فعلاً كما يؤرخ ويؤكد المفكر الحجازي المعارض لآل سعود د. فوز ى النقيطى فى بحثه المهم المعنون بـ (العلاقات المصرية – السعودية .. علاقات مبنية على خصومات – 1811 – 1967 وجاءت ضمن كتاب صادر عن مركز المقدسات للنشر – بيروت 2006) . 

******

لم يكن السلوك السعود ى المناو ى ء للجماعة المصرية إذن ، وليداً لعصر الثراء البترولي الذي غمر هذه المملكة ، بل يعود أدراجه إلى تاريخ أطول بذلك بكثير ، تجد جذوره فى تدمير الحاكم الألباني لمصر (محمد على) أركان الدولة السعودية الأولى ، وهو موروث يرى آل سعود أن على المصريين دفع استحقاقاته ، إلى اليوم ، على الرغم من براءة المصريين من ذلك الفعل التاريخي ، بحسب ما حسمته وقائع تلك المرحلة ، إلا أن دولة آل سعود لا تزال مصرة على مخالفة هذه الحقيقة ، والزعم بعكسها ، بغية استمرار حلقات ذلك المسلسل المقيت من التشفي والانتقام ، فى نفوس الأجيال السعودية المتعاقبة ، أو من تلك الموالية ، قبلياً ، لها ، فى أهون الأحوال ، وهو ما تبدى فى العديد من الوقائع التاريخية والتي نذكر منها على سبيل المثال أداء مدير مديرية المعارف السعودية (محمد طاهر الدباغ) ، فى مواجهة البعثة التعليمية المصرية ، التي قدمت إلى مكة ، فى العام 1357/1939 ، حيث أمر الأول أحد معاونيه بالتعريض برئيس البعثة المصرية ، بسبب حنقه مما بدا له افتخاراً من الأخير بمرامي بعثته ، فراح المعاون السعودي يُعد أمام ضيوفه مآثر الفاتحين العرب والفاطميين على المصريين ، شعراً ، بغية تذكيرهم بأفضال السلف السعودي ، أو بالأحرى العربي على أهل مصر ، ما يجعل من أي دور لأبنائهم ، فى شبه جزيرة العرب ، استحقاقاً لأثمان قديمة ! .

وعلى الرغم من تهافت هذا اللون من التعريض بالدور المصري ، كون أن مصر كانت ، إلى جانب بلاد الشام والعراق ، من مراكز الحضارة العربية الإسلامية ، استناداً إلى مواريثها الحضارية القديمة وخيرات وكفاءات أبنائها ، فإن المسئول السعودي أبى إلا أن يصفى حساباً سياسياً قديماً مع المصريين ، بدعوى دورهم المزعوم فى تصفية دولة آل سعود الأولى ، وهى فى أوج قوتها وشبابها ، وبوتائر متسارعة على الرغم من توسعها فى معظم نواحى شبه جزيرة العرب .

واستمرت الكراهية من أبناء وأحفاد ابن سعود الأول والثاني وصولاً إلى عبد العزيز بن سعود وحتى أولاده (سعود وفيصل) اللذان قاما بتمويل جميع الحركات المضادة لثورة يوليو بما فيها الانفصال السوري عن الوحدة ، وحرب اليمن التي استهدفوا منها جر عبد الناصر إلى معارك جانبية حتى يُهزم بسهولة فى 1967 ، وهو ما تم فعلاً وكان للسادات دوراً مهماً فى مساندة المخطط السعودي المتآمر على عبد الناصر وقتها لما له من علاقات خاصة بكمال أدهم وزير المخابرات السعودي آنذاك ، وبعد هزيمة عبد الناصر تراجع الدور المصري وصعد الدور السعودي وكأنها جدلية تاريخية مؤلمة يقوم قانونها على معادلة تقول : أنه كلما تراجعت مصر تقدمت الأسرة السعودية وليس الشعب فى الجزيرة العربية أو شعب الحجاز ، فهو مغلوب على أمره ، نحن نقصد هنا آل سعود تحديداً وسلوكهم وممارساتهم المعادية للعروبة ولمصر ومساندة للمخطط الأمريكي البريطاني الذي ساهم فى إنشاء دولتهم واكتشاف البترول الذي منه يستمدون سطوتهم وغطرستهم على شعوب المنطقة .

 

 

إن آل سعود مثلوا فى دولتهم الثانية ما اسماه البعض بـ (إسرائيل العربية) فى جنوب الجزيرة العربية فى مقابل

(إسرائيل العبرية)  فى شمال الجزيرة العربية ، والاثنتان تخدمان المخطط الأمريكي الغربي فى نهب ثروات المنطقة وفى التوظيف السياسي الرخيص لمقدسات الأمة التي قدراً – وما أسوأه من قدر – وقعت جغرافياً فى إسار الدولة السعودية فتحكمت فيها ووظفتها من خلال علماء السلطان ؛ علماء الوهابية ، لخدمة السياسات الأمريكية والإسرائيلية فى المنطقة ، وفى محاصرة وضرب النفوذ المصري ، وفى إهانة الشعب المصري ، كما سنلاحظ فى الأجزاء التالية فى هذه الدراسة

الواقع المر

لقد أثبت آل سعود طيلة الـ 25 عاماً الماضية ، وعبر سياساتهم الاقتصادية والإعلامية أنهم يضمرون كراهية عميقة للدور المصري فى المنطقة ولا يحبون أن يروا مصر وهى تقود المنطقة رغم أن هذه القيادة بمثابة القدر الذي لا علاقة لرغبات الحكام أو أهواء الشعوب بها ، إنها قدر التاريخ والجغرافيا التي تحكم حركة مصر فى المنطقة .

إن القانون الحاكم الذي خرجنا به من متابعة ودراسة تطور العلاقات المصرية – السعودية ، ومن تطور الأوضاع فى منطقة الشرق الأوسط العربي عموماً هو أنه كلما تقدم الدور السياسي والحضاري المصري كلما تراجع الدور السعودي وتدهور ، والعكس صحيح ، لأن آل سعود لا يستطيعون التعايش مع مصر كدولة مركزية قوية ، لذلك يحاولون تصغيرها : حجماً ودوراً ونفوذاً ، وما قصة النفط السعودي

خصص لاختراق بلادنا دينياً – سلفياً وقدمت فيه السعودية 76 مليار دولار لنشر الوهابية بتشددها وتسطيحها المعروف للإسلام وللتدين ، ما هو إلا مثال على الدور التخريبي السعودي فى بلادنا ، والذي أنتج لنا 25 عاماً من التطرف والغلو الديني الذي دفعنا ثمناً له آلاف الأرواح البريئة من المدنيين ورجال الأمن ، والشباب المغرر بهم من أبناء الجماعات الإسلامية ، وفى موازاة ذلك قام آل سعود بإنشاء فضائيات الخلاعة وسينما المقاولات والأغاني الهابطة استناداً إلى فنانين وإعلاميين مصريين يسهل شراءهم وبيعهم كالسلع ، الأمر الذي أفسد قطاعات واسعة من الشباب المصري الذي كان بإمكانه أن يتحول إلى قوة دافعة لنهضة مصر فإذا به فى الثمانينيات والتسعينيات والسنوات الماضية وقد تحول إلى قوة مدمرة تهدم فى أسس

(الدور المصري القائد) ، لقد قامت السعودية بمحاربة مصر عبر محوري (التطرف الديني) و(التطرف الدنيوي) مستخدمة النفط بكل سلبياته ، وتركت الإيجابيات النفطية لكي تستفيد منها أمريكا سواء على شكل عوائد أو أموال مكدسة فى بنوكها ، وأيضاً لعبت السعودية فى ملف الصراع العربي الإسرائيلي ، وقام بندر بن سلطان رئيس جهاز المخابرات السعودي وسفير المملكة لأكثر من عشرين عاماً فى واشنطن  والقريب من دوائر الاستخبارات هناك ، والذي يطلق عليه (دلعاً)  اسم (بندر بوش) ، قام بدور تخريبي آخر من خلال

الالتفاف على دور مصر فى غزة ، ودور مصر فى فلسطين إجمالا ، فأقام العلاقات مع الموساد وتحايل ولعب على كل من فتح وحماس حتى وقعا (اتفاق مكة) الذي من نتائجه الرئيسية إبعاد حماس عن (المقاومة) وإغراقها فى لعبة السياسة وترك (الجهاد الإسلامي) لوحدها ، كل ذلك خدمة لإسرائيل وأمريكا ، وأيضاً محاصرة للدور المصري الرسمي والشعبي المساند للفلسطينيين ، ومهما ادعى المتحدث باسم الرئاسة المصرية .أن اتفاق مكة تم بمشاركة مصرية إلا أن الحقائق على الأرض ، والتي يدركها كل عاقل ومتابع ، تؤكد أن الاتفاق تم بعيداً عن الإدارة المصرية ، بل طعناً فيها وفى علاقاتها الخاصة بالفلسطينيين

* إنه الدور السعودي الصاعد دائماً على جثة الدور المصري ، إنها الكراهية عندما تتحول إلى سياسة لا تقبل مصر كشريك بل كتابع ذليل ، إنها عقدة آل سعود من شعب مصر منذ محمد على باشا وحتى اليوم ، وهى عقدة تجد تطبيقاتها الواقعية فى وقائع وحقائق آخري إنسانية مؤثرة .

******

كان من نتائج النفط سفر المصريين وغيرهم إلى المملكة للعمل ؛ وكانت هي الفرصة المناسبة والدائمة حتى اليوم للانتقام من مصر التي كانت أول من تصدى للفكر الوهابي فى وجهه الظلامى ؛ ولكن هذا الفكر صار له دولة ومال ؛ وتحكم ؛ وكان أول ما فعله النظام السعودي سن نظام الكفيل ؛ وهو رق مؤقت يجعل السعودي يتحكم في البشر ؛ يأكل حقوقهم ، يسخرهم في إعمال متدنية ؛ منتهزين الفرصة لإذلال المصري ؛ ثم الترويج للوهابية ؛ وهو أمر مربك  ومحير ؛ فالسعوديون يأكلون أموال العمال ؛ والنظام يتحالف مع الغرب ضد الإسلام ؛ ثم يروجون بعد ذلك للفكر الوهابي ؛ وتلك قمة المأساة التي يعيشها المسلمون على المستوى الشخصي والجمعي .

* إن أكبر الدواهي والتي جعلت المصري العادي يتميز غيظا وينفعل من النظام السعودي هي نظام الكفيل الذي يعطي للسعودي حق إذلال المصري وأكل حقوقه ؛ و لكن المأساة تتجلى عند وجود خادمة في بيت سعودي فهو يعتبرها ملك يمينه يفعل بها ما يشاء ؛ ويصل الأمر لإرغامها على معاشرة كل الرجال في البيت ؛ وإذا اشتكت فلن يستمع لها أحد ؛ وربما يطبق عليها حد الزنا ظلما وعدوانا ؛ وهناك مآس حدثت لمسلمين بالمملكة يندى لها جبين البشرية ؛ ففي إحدى الحوادث يقوم سعودي باقتحام بيت أسرة أندونيسية للاعتداء على الزوجة فحدثت معركة استطاع فيها الرجل والمرأة من قتل المعتدي دفاعا عن النفس ؛ ولكن المحكمة السعودية قامت بإعدام الاثنين في وقت واحد ولم تستمع لنداءات الرجل والمرأة والشهود ؛ ومنظمات إنسانية في اندونيسيا وغيرها ؛ ويوجد عدد كبير من العمال العرب في السجون السعودية  تحت عنوان مرعب يسمى " الحق الخاص " ، والحق الخاص حكم بالسجن المؤبد على العامل  العربي إن لم يرض كفيله السعودي يوما ما!!

ما هو الحق الخاص؟هو أن يدعي الكفيل السعودي على العامل بتهم متعددة كالاختلاس أو السرقة أو الإخلال بالأمانة فيتقدم الكفيل السعودي بورقة بيضاء الى احد أقسام الشرطة يدعي فيها على عامله بالاختلاس فيزج به في السجن دون ذنب ودون وجه حق وحتى  دون إن يستجوب!ويحول الى السجن السعودي المركزي بدون أن يعرض على المحكمة. وقد يبقى هذا العامل شهرا أو سنة أو أكثر الى أن يعرض على المحكمة  و الأدلة التي يقدمها الكفيل لاشيء...أحيانا فقط الورقة البيضاء وكلمته وفيما بعد يحضر شاهدين من أقاربه، وينتهي الحكم بالحق العام الذي هو عبارة عن  مدة زمنية سنة..سنتين..آو أكثر، وأيضا الحق الخاص الذي هو المبلغ الذي يدعي به الكفيل و الظروف التي تنعقد  بها المحكمة لا توفر للعامل إي فرصة للدفاع عن نفسه حيث لا محامي,  والقاضي  قرر مسبقا أن العامل العربي مجرم  ومدان بمحكمة أشبه ما تكون بمحاكم القرون الوسطى فيكتفي  القاضي بكلمات مبهمة للعامل مثل: آه... وانأ أبوك... اعترف 00 ومصير العامل العربي يصبح كالعبد أو الرقيق تحت مسمى الحق الخاص حيث ترهن حريته لهذا الكفيل الجشع الكذاب وقد يستمر سجنه مدى الحياة. 

******

هذه بعض روايات مصريين عانوا من السعوديين الذين نفخ فيهم النظام السعودي بأنهم فوق القانون والبشر ؛ وما عليهم إلا أن يأكلوا أموال الناس بالباطل

1 - العامل المصري أشرف عزت يوسف الزيني - بطاقة شخصية 49946 ثان المحلة الكبرى ومقيم بالعنوان الكائن 23 شارع أبو الفضل - ميدان الإمام - المحلة الكبرى - محافظة الغربية، تعاقد للعمل مع مؤسسة الجزوة للمقاولات بعنوانها الكائن المملكة العربية السعودية - الرياض - العليا - مركز الدهلوي - تقاطع طريق الملك فهد مع شارع الحلة بوظيفة كهربائي مبان براتب شهري قدره ألف ريال سعودي لمدة سنتين وحصل على ترخيص إقامة بالمملكة بتاريخ 13 / 6 / 1421 تنتهي في 20 / 3 / 1424 هـ رقم الكفيل 778507 - 0161 - 1 مؤسسة الجزوة للمقاولات ، تاريخ الدخول 22 / 4 / 1421 هـ , المهنة كهربائي.

وعليه أنجز العامل المصري المذكور عدة أعمال لصالح صاحب المؤسسة السعودي الجنسية ويدعى صلاح الدين أحمد حسنين إضافة لإنجازه عملاً لصالح شقيق الكفيل .. وتلقى وعداً من الكفيل بمنحه مستحقاته بعد مرور أسبوعين، إلا أنه خلالها تعرض لحادث سيارة نجم عنه إصابته بإصابات جسيمة استدعت إجراء جراحة بالمفصل الأيمن وتركيب شريحة وعدد 8 مسامير بنفقات قدرها 9490 ريالاً عدا نفقات المتابعة والرعاية اللاحقة، إلا أن الإصابة تسببت في عجز مستديم وإعاقة.

وقد توسط عدد من زملاء العامل المصري لدى الكفيل السعودي للحصول على مستحقاته المالية فأخطرهم الكفيل بعدم توفر سيولة مالية لديه وضرورة مغادرة العامل المصاب الأراضي السعودية مع وعد بإرسال مستحقاته المالية إليه في بلده.

ثم وفور خروج العامل من المستشفى توجه إلى الكفيل لمطالبته بمستحقاته فطلب منه العودة إلى مصر لمدة 6 أشهر ثم الحضور إلى المملكة لاستلام مستحقاته المالية، وهو ما تم بالفعل ، إلا أن الكفيل تهرب من لقائه .. وعلى مدار9أشهر حاول العامل الحصول على تأشيرة لمغادرة المملكة إلا أنه تعذر ذلك نتيجة تهرب الكفيل بما دعا العامل لتسليم نفسه لترحيلات الرياض التي نجحت في استدعاء شقيق الكفيل للتوقيع على المغادرة مقابل توقيع العامل المصري بالتنازل عن كافة مستحقاته طرف الكفيل السعودي. كما أن العامل المصري الضحية وأثناء فترة بحثه عن الكفيل التقي ومواطن سعودي آخر يدعى / فهد سليمان الرميحان وأنجز لحسابه بعض الأعمال وحرر شيكاً لصالح العامل مؤرخ بـ 4 / 11 / 1423 هـ بمبلغ خمسة آلاف ريـال مسحوباً على بنك الرياض فرع طريق الحجاز .. إلا أن العامل اكتشف وقوعه ضحية عملية نصب أخرى.

2 -  تهديد من مكتب ولي العهد/ خادم الحرمين حاليا وهذا التهديد تم للمواطن المصري من الكفيل السعودي عادل محمد منصور بالطو مهدداً بنفوذه في الديوان الملكي وقد تحقق تهديده للأسير المصري بصدور أمر من الديوان الملكي لا يصدر لأي أحد ، وهو سحب صك الحكم الصادر للأسير المصري ضد الكفيل السعودي من شرطة الحقوق المدنية بجدة بعد خمسة عشر شهرا من وجوده فيها لتنفيذه لصالح المواطن المصري وذلك لعرضه علي مجلس القضاء الأعلى حيث بقى الحكم أكثر من ستة عشر شهرا إمعاناً في تعذيب الأسير المصري للحصول علي جزأ من حقه بتنفيذ الحكم الصادر لصالحه .

3 -  منعت السلطات السعودية فى سجن جدة العمومي أية اتصالات أو زيارات للأسير المصري جمال طه، المعتقل منذ سنوات عدة توجيه أيه اتهامات أو إجراء أية محاكمات له. الأسير المصري حجز فى زنزانة انفرادية بعد إقدامه على الدخول فى إضراب مفتوح عن الطعام. لا لشيء سوى أنه طالب بحقوقه لدى كفيله السعودي .

(ولا تزال لدينا عشرات القصص الإنسانية الخطيرة) .

 

******

          

تلك نماذج من كراهية آل سعود للمصريين ، وهى أمثلة على بساطتها تقدم لنا مجدداً تأكيداً للقانون العام الذي بدأنا به هذه الدراسة وهو أنه لا تقدم للدور السعودي دون هدم للدور المصري ، والدور المصري الذي نعنيه هو ذلك الدور السياسي والاجتماعي والإنساني الذي يقوم على أكتاف شعب حر لديه حضارة تمتد عبر آلاف السنين ، فى مواجهة أسرة سعودية قامت على الغزو واغتصاب المُلك بمساعدة بريطانية ثم تثبيته بمساعدة أمريكية ، وهذا الدور المصري هو قدر جغرافي وتاريخي وحضاري قبل أن يكون اختياراً من حاكم أو نخبة ، ولأنه كذلك فإن آلة الهدم السعودية تستخدم بشأنه عشرات الوسائل المالية والإعلامية والسياسية والوهابية الدينية حتى تقوم على أنقاضه والأخطر تستخدم المقدسات الحجازية

(فى مكة والمدينة) لهدمه ، ولكن ذلك لن يحدث بإذن الله ، وسيبقى هذا الشعب المصري المعلم رغم أنف آل سعود وصبيانهم فى مصر .

 

 

 

 

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق