انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت و يطهركم تطهيرا
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾
جاءت
آية التطهير هذه في سورة الأحزاب وسط مجموعة من الآيات تتعلق جميعها بنساء رسول
الله J، فبدأت هذه الآيات من الآية 28
بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ.....﴾ [الأحزاب/28]،
واستمر الكلام حتى قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ
بِفَاحِشَةٍ....﴾ [الأحزاب/30].. ثم وصل إلى الآية 31 وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ
يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ....﴾ [الأحزاب/31]. إلى أن يصل إلى الآية
موضع الاستشهاد ضمن قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ
النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي
فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا 32 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ
وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ
وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ
لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 33
وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.....﴾ [الأحزاب/32 -
34].
قبل
أن نتأمل في آية التطهير ونتمعَّن معناها، ننبِّه القارئ إلى أن آية التطهير ليست
آيةً مستقلة بل جزءاً من الآية 33 من سورة الأحزاب. والآن نقول:
أولاً:
بدأت الآية 32 -كما تلاحظون- بمخاطبة نساء النبي فقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ
النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب/32]. وبدأت الآية 33 أيضاً بحرف العطف، فالآية 33 معطوفة على
الآية التي قبلها. و«إرادة إذهاب الرجس» ليست آيةً مستقلةً أيضاً بل جزءٌ من الآية
33، فلا يمكننا التحجُّج بعذر أننا لسنا متأكدين من نزول الآية ضمن سياق الآيات التي
قبلها وبعدها، وأنّه ربّما تكون الآية 33 قد نزلت في وقت آخر ثم لمَّا قام الصحابة
بجمع القرآن وضعوها بين تلك الآيات!!! فبمعزل عن أن آيات القرآن الكريم تمَّ جمعها
تحت إشراف النبيّ J وكان النبي هو الذي يحدد مواضع
الآيات في كل سورة، فإن ذلك الادعاء باطل تماماً.
ثانياً:
بدأً من الآية 28 في سورة الأحزاب، تعلَّقَ الكلام بنساء رسول الله J، وللآية 28 فما بعدها سياق واحد والذين خوطِبوا بهذه الآيات هم
نساء النبي J.
فإن
قيل: لماذا جاء إذاً، في آخر الآية 33، ضمير «كُمْ» المذكّر؟ قلنا: إن كلمة
«أَهْل» مُذَكَّرة، لذا جاء ضمير الخطاب مذكَّراً أيضاً.
فإن
قيل: إن المقصود هنا مصاديق كلمة «أَهْل» لا الكلمة ذاتها، ومصاديق كلمة «أَهْل»
في هذه الآيات هنّ نساء النبي J،
فلماذا لم يأتِ الضمير مؤنثاً؟ قلنا: لأن النبيَّ نفسه كان أحد أفراد أهل ذلك
البيت، وبما أن الله تعالى أراد أن يخاطب رسوله أيضاً ويكلِّفه بدفع الرجس وتطهير
النفس([1]) أَضَافَهُ إلى جملة المخاطبين في نهاية الآية، لذا فالنبيّ J أيضاً داخل في مصاديق «أهل البيت»، ولما كانت قواعد النحو تقضي
بأنّه إذا وُجِد مُذَكَّرٌ واحدٌ ضمن جماعة من النساء فإن ذلك الجمع سيكون في حكم
المُذَكَّر؛ جاء ضمير «كُمْ» المذكَّر في آخر الآية. والآيات القرآنية التالية
تؤيد ما نقوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ
وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ 71 قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا
عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ 72 قَالُوا
أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ
الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود/71-73].
ففي هذه الآيات، لما كان إبراهيم - صلوات الله عليه - من مصاديق أهل البيت،
استُخْدِم ضمير المذكَّر «كُمْ» في الآية، رغم أن المخاطب في أول الآية كان مؤنثاً
(امرأة إبراهيم). وفي سورة طه أيضاً، قال موسى u
لأهله - وكانت زوجته من أهله بلا ريب -: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [طه/10]،
فرغم أن المقصود من هذا الخطاب بالدرجة الأولى هو زوجة موسى u،
جاء فعل ﴿امْكُثُوا﴾ مذكراً إما بسبب تذكير كلمة «أهل» أو باعتبار مصاديق الكلمة
التي يدخل فيها زوجها موسى (ع) نفسه([2]). بناء على ذلك، فمراعاةً لوجود رسول الله
بين أهل بيته ونسائه جاء الخطاب في سورة الأحزاب بصيغة التذكير.
ثالثاً:
لا يُقال للصهر في اللغة العربية «أهل البيت»([3]). إضافة إلى ذلك، كان لعليٍّ u بيت مستقل وكان له أهلُ بَيْتٍ خاصين به ولا يمكن اعتباره من أهل
بيت النبي J.
رابعاً:
إن إرادةَ اللهِ إذهابَ الرجس عن أهل البيت وتطهيرهم، إرادةٌ تشريعيةٌ وقانونيةٌ.
وكمبدأ، منشأُ أوامر الله للبشر التي جاءت في القرآن -وهو كتاب قانون وتشريع-
إرادةُ الله التشريعية. إضافةً إلى ذلك فإن الكلام في آيات سورة الأحزاب (بدءاً من
الآية 28 فما بعد) هو عن التكليف المحض: كأمرهم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة
والقرار في البيوت وعدم التبرُّج و.....الخ، وهي أوامر ناشئة عن إرادة الله
التشريعية لا إرادته التكوينية([4]). إن إرادة الله إذهابَ الرجس عن أهل البيت
وتطهيرهم التي ذكرها في قوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب/33] تماثِل
إرادته تعالى التي ذكرها في الآية 6 من سورة المائدة عندما خاطب جميع المؤمنين
-ومن جملتهم النبي وعلي وفاطمة- بقوله: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ....﴾
[المائدة/6]. فالآية الأخيرة جاءت كالتالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ.........مَا يُرِيدُ اللهُ
لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ
نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ.....﴾ [المائدة/6]. أي أن الله تعالى يريد أن يطهركم
بإرادتكم واختياركم.
إن
إرادة المكلف واختياره شرٌان من شروط تحقق المُراد في الإرادة التشريعية، والأمر
ذاته ينطبق على الآية 185 من سورة البقرة والآيات 26 و27 و28 من سورة النساء التي
جاء الكلام فيها عن التكاليف وأوامر الله ونواهيه. فإرادة الله في هذه الآيات
أيضاً ليست إرادة تكوينية تكون إرادة الحق فيها العلّة الوحيدة والتامّة لتحقّق
المراد، ويتحقَّق مراد الله فيها حتماً، أي ليست كإرادته تعالى التكوينية التي
أشار إليها بقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ
كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس/82].
خامساً:
لو كانت طهارة أهل البيت معلولة لإرادة الله التكوينية التي لا تتخلَّف، فإنه لن
يكون في مثل هذه الطهارة أي فضيلة، لأن كل شجر وحجر لا يملك تكوينياً القدرة على
تخطي أمر الله والتخلف عنه يكون معصوماً ومطهَّراً أيضاً! وأساساً، لا يمكن
للأشخاص المطهّرين والمبرَّئين من كلّ رجس وإثم بإرادة الله التكوينية أن يكونوا
أسوةً للمؤمنين وقدوةً لهم.
إذ
عرفنا ذلك نقول: إن الله تعالى أراد أن يطهر جميع الناس وأراد منهم جميعاً أن
يجتنبوا الرجس ولكنه أراد في سورة الأحزاب تطهير أهل بيت رسول الله وإذهاب الرجس
عنهم بشكل خاص وذلك لأن لأهل بيتِ كلِّ إنسان ارتباط خاص به -كما قال تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم/6]-
وأهل بيت النبي مرتبطون به بالطبع، واعتبارهم وحيثيتهم وماء وجههم من اعتبار
وحيثية رسول الله J، وعيون الناس متَّجهة إليهم
بشكل خاص ويتأثرون بسلوكهم أكثر من تأثرهم بسلوك الآخرين، ولذلك فإن ما يطلبه الله
منهم، والتكاليف التي يريد منهم القيام بها أكثر تأكيداً، وذكرها أوجب وأهم، لذا
نجد أنه تعالى خاطب أهل بيت النبي في الآيتين 30 و31 من سورة الأحزاب بقوله: ﴿يَا
نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ
لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا 30 وَمَنْ يَقْنُتْ
مِنْكُنَّ لِـلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا
مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا 31﴾.
من
الواضح أن الإرادة الإلهية في هذه الحالة ليست إرادةً تكوينيةً وأن عصمة أهل البيت
ليست عصمة تكوينية، بل أراد الله من نساء النبيّ أن يَقُمْنَ هُنَّ أنفسُهنَّ
بتطهير أنفسهنّ من خلال اجتناب الأعمال غير الطاهرة واكتساب الطهارة الجسمية
والروحية والأخلاقية، ليكُنَّ أسوة لسائر الناس ويحافظنَ على حيثية النبي J واعتباره بين الناس. وهذا لا يمنع أن الله أراد -بلا ريب-
الطهارةَ الجسميةَ والروحيةَ لكل مكلف وأراد من كل مكلف أن يجتنب الرجس والآثام،
مع فارق أن إرادة الله طهارةَ من كانت تُتلى آياتُ الوحي في بيوتهم أوَّلاً، أي
أهل بيت الرسول J، أوكَد وأشدّ.
سادساً:
يقول علماؤنا خداعاً للعوام: بما أن حرف «إنمـا» استُخدِمَ قبل ذكر «إرادة إذهاب
الرجس»، و«إنَّمـَا» أداة حصر، والحصر يعني الإثبات والإيجاب للمحصور والنفي عن
غيره، لذا فإن الله أراد إذهاب الرجس وتطهير المخاطَبين بهذه الآية بشكل حصري، أما
غير المخاطبين بها فهم خارجون عن دائرة الحصر في هذه الآية!! وطبقا لما جاء في
الروايات فإن المخاطبين بهذه الآية هم فاطمة وعليٌّ والحسنان، فهم معصومون من كل
ذنب وخطأ بإرادة الله التكوينية التي لا تقبل التخلُّف!!
ونقول:
إن هذا الادعاء يُذَكِّرُنَا بالمثل المعروف: «الخسن والخسين ثلاثتهم بنات
معاوية!» ونقول:
أ)
رغم أن «إنَّمـَا» من أدوات الحصر لكن المحصور بها ليسوا الأفراد، بل المقصود من
«إنَّمـَا» انحصار الهدف من الأمر والنهي، في هدف واحد ونفي الأهداف والمقاصد
الأخرى. في الحقيقة إن الآية تريد القول إنه ليس الهدف من هذه الأوامر والنواهي
الإلـهية إلا إذهاب الرجس عنكم وتطهيركم. وبعبارة أخرى فإن الله تعالى يقول لا أريد
من أمركم ونهيكم إلا تطهيركم، لا أنه يريد أن يقول إني أريد أن أطهركم أنتم فقط
دون الآخرين، لأن الله تعالى صرح في آية أخرى (المائدة/6) أنه يريد طهارة جميع
المكلفين! (فتأمل)
ب)
لو كانت طهارة شخص معلولة لإرادة الله التكوينية فإن مثل هذه الطهارة -كما ذكرنا-
ليس فيها أي فضل لصاحبها، ولا يمكن لمثل هذا الشخص أن يكون أسوةً للذين لم
يُطَهِّرْهم الله تكوينياً.
ج)
إذا كان الحصر في الآية موجهاً إلى المخاطبين وكان غير المخاطبين جميعهم خارجين عن
دائرة هذا الحصر، فعليكم ألا تعتقدوا بعصمة الأئِمَّة التسعة الباقين أيضاً!
(فتأمَّل).
د)
إن معنى «أهل البيت» واضح، ولكنكم إذا كنتم تصرون على إن الصهر وأولاد الصهر
وأحفاده داخلون في «أهل بيت» الشخص، فلماذا لا تعتبرون أبا الفضل العباس بن علي،
وأبا بكر بن علي، وعثمان بن علي، وزينب وأم كلثوم معصومين؟ ولماذا لا تعتبرون
عثمان وأبناءه من أهل البيت أيضاً؟؟([5])
هـ)
إن النبي الأكرم J -بنص القرآن الكريم- لم يكن
منزّهاً من الوقوع في الخطأ وتصحيح الوحي له (التوبة/43 والتحريم/1 و.....) فكيف
يمكن لأهل بيته الذين لا يوحى إليهم أن يسبقوه ويتقدّموا عليه ولا يقعوا أبداً في
أي خطأ أو اشتباه؟
سابعاً:
لقد تكلَّمَتِ الآيةُ عن إزالة الرجس والذهاب به، والرجس هو الإثم والمعصية، أما
الخطأ والاشتباه فلا يوجب الرجس، وبناء على ذلك يمكن لشخص طاهر بعيد عن الإثم أن
يقع في خطأ أو اشتباه. لكنكم تنفون حتى احتمال السهو والخطأ عن الأئِمَّة!
ثامناً:
في الحقيقة إن خطاب الله لأهل بيت رسوله بجملة ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾
[الأحزاب/33] دليلٌ على عدم عصمة أهل البيت، لأنه يبين أنه كان هناك رجس وأن الله
يريد إزالته([6]). فالله يريد في هذه الآية التي تخاطب نساء النبي، أن يَقُمْنَ
باختيارهنَّ وبطاعتهنَّ لِـلَّهِ ورسوله بالتطهُّر والابتعاد عن رجس الآثام. هذا
في حين أنكم تعتبرون الأئِمَّة منذ ولادتهم وفترة طفولتهم معصومين ومطهَّرين من
الإثم والخطأ، ولهذا فالأفضل لكم ألا تُصِرُّوا على أن المخاطب بهذه الآية هم
عليٌّ والحسنين -عليهما السلام-!
تاسعاً:
إن ادعاء كون الأئِمَّة مصونين من كل ذنب ومحفوظين من كل سهو وخطأ، ادعاء مخالف
لكلام الأئِمَّة أنفسهم فمثلاً يقول عليٌّ في أدعيته:
"وَاغْفِرْ
بِسَعَةِ رَحْمَتِكَ كَبَائِرَ ذُنُوبِي". (الصحيفة العلوية، دُعَاؤُهُ فِي
نعت اللهِ وتعظيمه).
"وَلَا
تَفْضَحْنِي بِمَا جَنَيْتُهُ عَلَى نَفْسِي". (دُعَاؤُهُ فِي الثناء على
الله مما علَّمَه أويساً).
"وَأَتُوبُ
إِلَى اللهِ مِنْ كُلِّ خَطِيئَةٍ ارْتَكَبْتُهَا وَمِنْ كُلِّ ذَنْبٍ عَمِلْتُهُ
وَلِكُلِّ فَاحِشَةٍ سَبَقَتْ مِنِّي". (دُعَاؤُهُ المعروف بدعاء
الْمَذْخُورِ).
"وَأَعْطِنِي
فِي مَجْلِسِي هَذَا مَغْفِرَةَ مَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِي". (من دعائه في
التضرُّع إلى الله تعالى).
"اللهم
إِنَّ عَفْوَكَ عَنْ ذَنْبِي وَتَجَاوُزَكَ عَنْ خَطِيئَتِي وَصَفْحَكَ عَنْ
ظُلْمِي وَسَتْرَكَ عَلَى قَبِيحِ عَمَلِي وَحِلْمَكَ عَنْ كَثِيرِ جُرْمِي عِنْدَ
مَا كَانَ مِنْ خَطَئِي وَعَمْدِي أَطْمَعَنِي فِي أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَا
أَسْتَوْجِبُهُ مِنْك". (دُعَاؤُهُ فِي الاستكانة وطلب المغفرة).
"اللهم
إن ذنوبي وَإن كانت فظيعة فإني ما أردت بها قطيعة وَلا أقول لك العتبى لا أعود لما
أعلمه من خلقي وَلا أعدك استمرار التوبة لما أعلمه من ضعفي". (دُعَاؤُهُ
فِي الاستغفار في سحر كلِّ ليلة عقيب ركعتي الفجر).
"اللَّهُمَّ
إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ مِمَّا تُبْتُ إِلَيْكَ مِنْهُ ثُمَّ عُدْتُ فِيهِ
وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا أَرَدْتُ بِهِ وَجْهَكَ فَخَالَطَنِي فِيهِ مَا لَيْسَ
لَكَ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِلنِّعَمِ الَّتِي مَنَنْتَ بِهَا عَلَيَّ فَقَوِيتُ عَلَى
مَعَاصِيك". (دعاؤه في الاستغفار أيضاً).
"إِنْ
تُعَذِّبْنِي فَبِظُلْمِي وَجَوْرِي وَجُرْمِي وَإِسْرَافِي عَلَى نَفْسِي فَلَا
عُذْرَ لِي إِنِ اعْتَذَرْت". (دُعَاؤُهُ فِي ليلة الهرير وهو دعاء
الكَرْب)
"وَأَعُوذُ
بِكَ أَنْ تَحُولَ خَطَايَايَ وَظُلْمِي أَوْ إِسْرَافِي عَلَى نَفْسِي
وَاتِّبَاعِ هَوَايَ وَاسْتِعْمَالِ شَهْوَتِي دُونَ رَحْمَتِكَ وَبِرِّكَ".
(دُعَاؤُهُ قبل رفع المصاحف)
"اللَّهُمَّ
إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تُبْتُ إِلَيْكَ مِنْهُ ثُمَّ عُدْتُ فِيهِ".
(دُعَاؤُهُ فِي اليوم الثامن والعشرين من الشهر).
وهناك
الكثير من مثل هذه الجمل في كتاب الصحيفة العلوية [الذي يتضمن أدعية عليٍّ عليه
السلام]
وكذلك
يقول حضرة السجاد u في أدعيته:
"وَكَثُرَ
عَلَيَّ مَا أَبُوءُ بِهِ مِنْ مَعْصِيَتِك". (الصحيفة السجَّاديَّة، الدعاء
رقم 32، الفقرة 10)
"اللَّهُمَّ
إِنَّكَ أَمَرْتَنِي فَتَرَكْتُ، وَنَهَيْتَنِي فَرَكِبْتُ، وَسَوَّلَ لِيَ
الْخَطَاءَ خَاطِرُ السُّوءِ فَفَرَّطْتُ". (الصحيفة السجَّاديَّة، الدعاء
رقم 32، الفقرة 16)
"مَعَ
كَثِيرِ مَا أَغْفَلْتُ مِنْ وَظَائِفِ فُرُوضِكَ، وَتَعَدَّيْتُ عَنْ مَقَامَاتِ
حُدُودِكَ إِلَى حُرُمَاتٍ انْتَهَكْتُهَا، وَكَبَائِرِ ذُنُوبٍ
اجْتَرَحْتُهَا". (الصحيفة السجَّاديَّة، الدعاء رقم 32، الفقرة 18).
"لَيْسَ
لِحَاجَتِي مَطْلَبٌ سِوَاكَ، وَلَا لِذَنْبِي غَافِرٌ غَيْرُكَ، حَاشَاك".
(الصحيفة السجَّاديَّة، الدعاء رقم 12، الفقرة 15).
"وَاغْفِرْ
لَنَا مَا خَفِيَ مِنْ ذُنُوبِنَا وَمَا عَلَن" (الصحيفة السجَّاديَّة،
الدعاء رقم 45، الفقرة 48).
عاشراً:
إنكم لم تستندوا إلى آية قرآنية لإثبات عقيدتكم، بل ضممتم الأحاديث والروايات إلى
الآية!! والحال أنه لدينا في هذا الموضوع روايات مختلفة ومتضاربة. فمنها روايات
تقول إن نساء النبي وآل النبي هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس و.....
وأنهم كلهم مخاطبون بالآية. ولدينا روايات
تقول إن المخاطبين بالآية هم نساء النبي فقط. ولكنكم تقولون إن راوي رواية أن
الآية خطابٌ لنساء النبي فقط دون غيرهم هو «عكرمة». وهو غلام «ابن عباس» وكان من
الخوارج ومن الضعفاء. ولم يكن «مالك بن أنس» يقبل أحاديثه ولا يعول عليها، وكان
يوصي الآخرين أيضاً ألا يقبلوا حديثه. واعتبره «أحمد بن حنبل» مضطرب الحديث. كما
اعتبره «سعيد بن المسيب» و«يحيى بن سعيد الأنصاري» كاذباً. وكان مشهوراً بالكذب
وكان يكذب على ابن عباس بعد وفاته إلى حدِّ أنه أصبح مضرب المثل في الخيانة
والكذب. وكان سيء السمعة إلى درجة أنه عندما مات لم يشارك أحدٌ من أهل المدينة في
تشييع جنازته. أما موقف علماء الشيعة منه فالكُلَيْنِيّ اعتبر «عكرمةَ» من الخوارج
واعتبره العلامة الحلي والسيد ابن طاووس من الضعفاء واعتبره الممقاني منحرفاً.
في
رأينا إن الدلالة واضحة جداً إلى درجة عدم وجود أي حاجة على الإطلاق للحديث، والله
يشهد أنّه ليس لدينا أي إصرار على قبول هذا الحديث([7]) لكننا نقول لماذا لا
تقولون هذا الكلام بشأن الخطبة الشقشقية - الخطبة الثالثة في نهج البلاغة -،
وتستندون إليها دائماً في الكتب أو على المنابر أو في الصحف والإذاعة لتخدعوا بها
العوام، وتتجاهلون أن راويها هو «عكرمة» هذا ذاته، وأن طرق رواية الخطبة المذكورة
تنتهي كلها إليه؟!!([8]) هل باؤك تجرّ وبائي لا تجرّ؟!
استند
مبتدعو المذاهب وواضعو هذا الحديث إلى آية: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ
أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾ [الأنفال/75، والأحزاب/6]. لقد ذكر جميع
الفقهاء والمحدِّثون بالاتفاق، هذين الآيتَين في أبواب الإرث وقالوا ذيل تفسيرهما
للآيتَين - ومنهم الشيخ الطَّبْرَسِيّ في تفسيره «مجمع البيان» - أن المراد من
الآيتَين أنّ الأقرباء مقدَّمون على الآخرين في الإرث، لكن قبل نزول هذه الآية كان
الإرث يتمّ على أساس الأخوّة الإيمانية وذلك لأن عدد المؤمنين كان قليلاً في بداية
الإسلام فعقد رسول الله J بين المؤمنين عقد الأخوّة لكن
لما زاد عدد المسلمين فيما بعد، نُسِخ القانون السابق وقُرِّر الإرث بتلك الآيات
المذكورة للأقرباء فقط.
كما
تلاحظون لا علاقة للآيتين بمسألة الإمامة الإلهية أصلاً، ولكن عدداً من الرواة من
أمثال «سهل بن زياد» الكذّاب و«يونس» فطحي المذهب و«علي بن إبراهيم» المعتقد
بتحريف القرآن و«الحسين بن سعيد» الغالي و..... ادَّعَوا أنّ تأويل آية الإرث
وتحقُّق تطبيقه بدأ منذ زمن حضرة سيد الشهداء!! أي أنّه منذ زمن غزوة بدر - التي
نزلت بشأنها سورة الأنفال - إلى زمن استشهاد الإمام الحسين بقيت الآية معطَّلةً!!
ألم يفهم هؤلاء الكذّابون ما لفّقوه من كلام؟! لقد قصر أولئك الأفراد فاسدو
العقيدة تلك الآية على وراثة الإمامة وذلك ليتوصَّلوا إلى أهدافهم ويوقِعوا الفرقة
بين المسلمين!! وأقول لو كانت الإمامة تورَث وراثةً لوجب أن يصل هذا الميراث إلى
جميع أولاد الإمام المتوفّى لا إلى أحد أبنائه فقط! ولو كانت الإمامة بالتعيين
وبإعلام الله فلماذا تقولون إنها تورَث وراثةً؟
ß الحديث 2 - يتضمَّن إشكالات
الحديث السابق ذاتها.
ß الحديث 3 - تمّ الاستناد في
هذا الحديث إلى الآية 55 من سورة المائدة، وقد تكلَّمنا سابقاً عن هذه الآية
(راجعوا الصفحة 522-523)([9]). جاء في هذا الحديث: أن أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليّاً (ع) كانت على
كتفه حُلَّةٌ قِيمَتُهَا أَلْفُ دِينَارٍ!!
"وَكَانَ
أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ
وَهُوَ رَاكِعٌ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ قِيمَتُهَا أَلْفُ دِينَارٍ.... فَجَاءَ
سَائِلٌ [هو مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ كما جاء في نهاية الحديث] فَقَالَ
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَلِيَّ اللهِ وَأَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ
أَنْفُسِهِمْ تَصَدَّقْ عَلَى مِسْكِينٍ [ولا ندري لماذا لم يشارك هذا السائل في
صلاة الجماعة بل قدَّم الشحاذة على الصلاة وشوَّشَ على المصلين؟] فَطَرَحَ [عليٌّ
(ع)] الْحُلَّةَ إِلَيْهِ وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَيْهِ أَنِ احْمِلْهَا؛
فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةَ!!!".
أولاً:
لماذا لم يبِع عليٌّ الحلة التي ثمنها ألف دينار ويفرّق ثمنها على عدد من
المحتاجين والمساكين في المدينة بدلاً من إعطائها كلها لفرد واحد؟!
ثانياً:
إذا كانت الإمامة تثبت بالتصدّق بِـخَاتَم أو بِـحُلَّة ثمنها ألف دينار فكان على
أولاد عليٍّ (ع)، أي الأحد عشر إماماً تالياً أن يتصدّق كلٌّ منهم في حال الركوع
على مَلَك من الملائكة كي تثبت إمامته ويتَّصف بصفة علي u!
فلماذا لم يُرْوَ عن أيِّ أحدٍ منهم إعطاءه الزكاة في حال الركوع أثناء الصلاة؟
ويجب أن نسأل هؤلاء الوضّاعين هل كان المَلَك ينزل على الأئمَّة؟ هل الملائكة
تحتاج إلى الزكاة؟! هل كان عليٌّ (ع) يضع على عاتقه حُلَّةً ثمنها ألف دينار؟!
ثالثاً:
هل نصدِّق هذه الرواية أم نصدِّق رواية التصدّق بالخاتِم؟
رابعاً:
اُدُّعِيَ في هذا الحديث - كما ذكرنا - أنّ الإمام ألقى أثناء ركوعه في الصلاة
بالحلَّة نحو السائل وأشار له أن يأتي ويأخذ الحلة؟ فنسأل: إذا قام الإمام أثناء
الركوع في الصلاة بإلقاء الحلَّة من على ظهره وبالإشارة إلى السائل، فإن صلاته
ستبطل بالطبع، وإن فعل ذلك بعد الركوع وأشار إليه فعندئذٍ لن يكون عمله قد تم
أثناء الركوع!
خامساً:
لماذا لم يُعلن النبي J في خطبة الغدير أنّ إمامكم هو
من يعطي زكاته أثناء الركوع في الصلاة؟
وقد
افترى عددٌ من الأعداء العالِمِين أو الأصدقاء الحمقى المتعصِّبين وهم أسوأ من
الأعداء، قصصاً أوقعوا بها العداوة والبغضاء بين المسلمين وبثُّوا بينهم الفرقة
والاختلاف وأغرقوهم بالخرافات، ونتيجة لذلك أصبح المسلمون ضعفاء وأذلاء. وقد كتب
تلك الأساطير عددٌ من الأفراد قليلي العقل الذين لا علم لهم بالقرآن وقرؤوها على
الآخرين فصدّقها أُناسٌ منهم؟
حقاً
إني لأتعجب من تعصب مشايخنا ومدى بعدهم عن الإنصاف عندما يثنون كل هذا الثناء على
شخص كالكُلَيْنِيّ جمع في كتابه مثل هذه القصص الخرافية، ويبجِّلونه كل هذا
التبجيل!
ß الحديث 4 و6 - راوي الحديثين
«أبو الجارود» الذي كان شخصاً منحرفاً تماماً ويروي المنكرات، وقد عرَّفنا به
سابقاً (ص 101). والراوي الآخر للحديث السادس هو «مَنْصُورُ بْنُ يُونُسَ» الذي
كان شخصاً محتالاً مُخادعاً.
([1]) لا ريب أنه إن صحَّ شمول الآية للنبيّ J فيكون معناها في حقه: مواصلة اجتناب كل رجس والثبات على طهارة
النفس، لا أنه كان هناك رجس وغير طهارة وعليه أن يزيلها- والعياذ بالله. وهذا
كقوله تعالى لنبيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلَا تُطِعِ
الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب/
1] والتي معناها - كما قال المفسرون - «دُمْ على التقوى وواظب عليها»، كالرجل يقول
لغيره وهو قائم: قم ها هنا، أي: اثبت قائمًا. (المُتَرْجِمُ)
([2]) لا يخفى ما في هذا الاحتمال من بُعْد لأن موسى
(ع) يكون عندئذٍ مخاطباً لنفسه بقوله: ﴿امْكُثُوا﴾!! مع أنه من الواضح أنه خاطب
بهذا الأمر زوجته وأبناءه فقط.
(المُتَرْجِمُ)
([3]) هذا غير مُسَلَّم، بل إذا كان الصهر يعيش مع
حموه في بيت واحد يكون من أهل البيت، وعليٌّ (ع) كان ساكناً في غرفة ملاصقة لغرفة
النبي J، وكان بينه وبين النبي Jصلة دائمة، فهو من أهل بيت النبي، وقد روت أم
سلمة - رضي الله عنها - أنه لما نزلت آية التطهير دعا النبيُّ فاطمةَ وعليَّاً والحسنَ والحسينَ فجلَّلهم
بكساء وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي...." الحديث أخرجه الترمذي وغيره، وقال ابن
حجر العسقلاني في فتح الباري (ج 7، ص 138): "ومرجع أهل البيت هؤلاء إلى
خديجة، لأن الحسنين من فاطمة وفاطمة بنتها، وعلي نشأ في بيت خديجة وهو صغير ثم
تزوج بنتها بعدها.". انتهى. فعليٌّ
من أهل البيت قطعاً، ولا أعلم في ذلك خلافًا. (المُتَرْجِمُ)
([4])
تُعْتَبَر إرادة الله تشريعية في الحالات التي يكزن المكلف أيضاً مختاراً في تحقيق
المراد ويحقق ما يريده الله بإرادته هو أيضاً خلافاً للإرادة التكوينية التي هي
إرادة غير مشروطة ولعة تامة لتحقق المراد ولا يمكن لشيء أن يمنع تحققها.
([5]) مع أن عثمان صاهر النبيّ J في ابنتيه رقية ثمّ أم كلثوم. والواقع أن كل هؤلاء الذين ذكرهم:
أي بنات النبيِّ، وآل علي وآل عقيل و... هم من أهل بيته J.
(المُتَرْجِمُ)
([6]) هذا غير مُسَلَّم، بل قد يكون الأمر من باب
التوصية بالثبات على الطهارة من الرِّجْس والمواظبة على ترك الآثام. راجع الحاشية قبل أربع صفحات. (المُتَرْجِمُ)
([7]) يقصد حديث عكرمة بأن المُخاطبين بآية التطهير
هن نساء النبيّ J خاصَّة. (المُتَرْجِمُ)
([8])
راجعوا كتاب «شاهراه اتحاد» [طريق الاتحاد]، ص 102.
([9]) وراجعوا أيضاً كتاب «شاهراه اتِّحاد» [طريق
الاتحاد]، ص 145.
{إنّما
يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهّ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
آية التطهير: {إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ
عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}
إن الآية الكريمة صريحة في تكريم أهل البيت،
وتمييزهم وخصهم بكرامة عالية ومنقبة جلية سامية، ألا وهي إذهاب الرجس عنهم
وتطهيرهم تطهيراً؛ لذا نقصر الكلام على بيان المراد من أهل البيت (عليهم السلام)
في هذه الآية:
وقد دلّت الأخبار الصحيحة المتظافرة عن النبي
(صلى الله عليه وآله) على اختصاص أهل البيت بأصحاب الكساء وهم: رسول الله (صلى
الله عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين.
وروى ذلك عدد كبير من الصحابة كابن عباس وأبي
سعيد الخدري وعمر بن أبي سلمة وواثلة بن الأسقع وجابر بن عبدالله الأنصاري وسعد بن
أبي وقاص وزيد بن أرقم وأم سلمة وعائشة وغيرهم، وإليك نماذج من الروايات في ذلك:
1 ـ أخرج مسلم في «صحيحه» بسنده إلى عائشة،
قالت: «خرج النبي صلّى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن
بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم
قال: إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم
____________
(1) الأحزاب: 33.
تطهيراً»(1).
2 ـ أخرج الترمذي في «سننه» بسنده إلى شهر بن
حوشب عن أم سلمة، قالت: «إنّ النبي جلّل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساء، ثم
قال: اللّهم هؤلاء أهل بيتي وحامّتي(2)، أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فقالت
أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: إنّك إلى خير.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وهو أحسن
شيء روي في هذا الباب(3).
3 ـ أخرج أحمد في «مسنده» بسنده إلى شهر بن
حوشب عن أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: ائتني بزوجك
وابنيك، فجاءت بهم فألقى عليهم كساءً فدكياً، قال: ثم وضع يده عليهم ثم قال: اللهم
إنّ هؤلاء آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على محمد وآل محمد إنّك حميد مجيد، قالت
أم سلمة: فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه من يدي وقال:
____________
(1) صحيح مسلم: 7 / 130، باب فضائل أهل بيت
النبي، دار الفكر. وأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف»: 7 / 501، دار الفكر. والحاكم
النيسابوري صحّحه في «المستدرك على الصحيحين»: 3/147، دار المعرفة، وغيرهم.
(2)
حامّة الإنسان: خاصته، ومن يقرب منه وهو الحميم أيضاً، «النهاية في غريب الحديث»:
1 / 429.
(3) سنن الترمذي: 5 / 361، ما جاء في فضل
فاطمة (رضي الله عنها)، ط. دار الفكر، وأخرجه أحمد في مسنده 18 / 272، حديث رقم
26476، دار الحديث، القاهرة، وحسّنه حمزة أحمد الزين محقق الكتاب حيث قال: «إسناده
حسن». كما أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده: 12 / 451، دار المأمون للتراث، وأورده
الذهبي في «سير أعلام النبلاء»: 3 / 283، في ترجمة الحسين الشهيد، مؤسسة الرسالة،
قائلاً: «إسناده جيد، روي من وجوه عن شهر وفي بعضها يقول: دخلتُ عليها أعزيها على
الحسين».
إنك على خير(1).
4 ـ أخرج الترمذي في «سننه» بسنده إلى عطاء
بن أبي رياح عن عمر بن أبي سلمة (ربيب النبي صلى الله عليه وسلم)، قال: لمّا نزلت
هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم: {إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ
الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} في بيت أم سلمة، فدعا فاطمة
وحسناً وحسيناً، فجلّلهم بكساء وعلي خلف ظهره، فجلله بكساء، ثم قال: «اللّهم هؤلاء
أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيراً»، قالت أمّ سلمة: وأنا معهم يا رسول
الله؟ قال: «أنتِ على مكانك وأنتِ إلى خير»(2).
قال الشيخ الألباني: «صحيح»(3).
5 ـ أخرج ابن عساكر الشافعي في «الأربعين في
مناقب أمّهات المؤمنين» بسنده إلى أبي سعيد الخدري عن أمّ سلمة رضي الله عنها،
قالت: نزلت هذه
____________
(1) مسند أحمد: 18 / 314، حديث رقم 26625،
دار الحديث، القاهرة. وقد حسّن الحديث محقق الكتاب حمزة أحمد الزين بقوله في
الهامش: «إسناده حسن»، وأخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده: 12 / 344، حديث رقم
6912، وبسند آخر إلى شهر في: 12 / 456، حديث رقم 7026، ط. دارالمأمون للتراث.
والطبراني في «المعجم الكبير»: 3 / 53، حديث رقم 2664، ط. دار إحياء التراث
العربي. وكذا في: 23 / 336، وابن عساكر في «تاريخ دمشق»: 13 / 203، و14 / 141، ط.
دار الفكر، وأورده السيوطي في «الدر المنثور»: 5 / 198، ط. الفتح، جدة.
(2) سنن الترمذي: 5 / 328، كتاب تفسير
القرآن، دار الفكر، بيروت.
(3) صحيح سنن الترمذي: 3 / 306، كتاب تفسير
القرآن، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع. وأخرجه ابن جرير الطبري في «جامع البيان»:
مجلد12 ج22 ص11، دار الفكر، والطحاوي في مشكل الآثار: 1 / 335، دار صادر.
الآية في بيتي {إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ
عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}، قلت يا رسول الله:
ألستُ من أهل البيت؟ قال: إنّك إلى خير، إنّك من أزواج رسول الله صلّى الله عليه
وسلم، قالت: وأهل البيت: رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين
رضي الله عنهم أجمعين.
قال ابن عساكر: هذا حديث صحيح(1).
6 ـ أخرج أحمد في «مسنده» بسنده إلى علي بن
زيد عن أنس بن مالك: أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر
إذا خرج إلى الفجر فيقول: الصلاة يا أهل البيت إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس
أهل البيت ويطهركم تطهيراً(2).
إلى غير ذلك من الروايات الصحيحة الكثيرة
الشهيرة في هذا الباب والتي تثبت بوضوح اختصاص أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)
بأربعة وهم علي وفاطمة والحسن والحسين؛ لذا قرأنا في ما صحّ عن النبي (صلى الله
عليه وآله) أنّه جذب الثوب من أمّ سلمة حين أرادت الدخول وقال لها: إنّك على خير
أو منعها من الدخول معهم وقال لها: أنتِ على مكانك وأنتِ إلى خير. كما عرفنا أنه
كان يمرّ ببيت
____________
(1) الأربعين في مناقب أمّهات المؤمنين: 106.
(2) مسند أحمد بن حنبل 11 / 257، حديث رقم
13663، وأخرجه بسند آخر إلى علي بن زيد في: 11 / 336، حديث رقم 13973، دار الحديث،
القاهرة. وقد حسّن محقق الكتاب حمزة أحمد الزين كلا الطريقين قائلاً: «إسناده حسن»
في تهميشه على كل منهما. وأخرج الحديث الترمذي في سننه: 5 / 31، كتاب تفسير
القرآن، دار الفكر. قائلاً: «هذا حديث حسن»، وأخرجه الحاكم النيسابوري في
«المستدرك»: 3 / 158، ذكر مناقب فاطمة، دار المعرفة، قائلاً: «هذا حديث صحيح على
شرط مسلم ولم يخرجاه»، وأقرّه الذهبي في التلخيص.
فاطمة ـ وهو بيت علي والحسنين ـ مدة ستة أشهر
ويقول: الصلاة يا أهل البيت، ثم يتلو الآية الكريمة ولم نقرأ ولم نسمع أنّه مرّ
ساعة واحدة على أحد بيوت أزواجه وفعل مثل ذلك. أفليس ذلك من باب تعميق وتأكيد معنى
أهل البيت في نفوس المسلمين، ثم إنّ نفس وضع الكساء على هؤلاء الأربعة وقوله:
اللهم هؤلاء أهل بيتي فيه قرينة حالية واضحة على حصر أهل البيت في زمانه بهؤلاء
الأربعة، وبهذا يندفع القول بأنها شاملة لنساء النبي فضلاً عن القول باختصاصها
بهن.
فإن عمدة ما يمكن أن يستدل به على شمولها
لنساء النبي هو سياق الآيات القرآنية المتحدثة عن نساء النبي، صدراً وعجزاً، مما
يدلل على أن الآية ظاهرة في إرادة نساء النبي، وبضميمة الروايات الصحيحة تكون
شاملة للأربعة المذكورين من أهل بيت النبي وغير مختصة بهم.
وفيه: بعد التسليم بوحدة السياق وعدم إبراز
احتمال كون هذا المقطع ليس في سياق تلك الآية حيث إن القرآن الموجود غير مرتب على
حسب النزول(1)، أقول: بعد التسليم بوحدة السياق(2)، فإن التمسك به متوقف على عدم
وجود نص شرعي مبيـّن له، وحيث إنّ النص موجود فالتمسك بوحدة السياق ممنوع، إذ لا
معنى مع بيان النبي وتصريحه مراراً، وتأكيده على أنّ
____________
(1) وقد دلّت الروايات الصحيحة على أن آية
}إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ...{ نزلت في بيت أم سلمة، وقد
تقدم ذكر بعض الروايات في ذلك: «انظر رواية رقم (4) ورواية رقم (5)»، وفيها ظهور
بيّن على أنّ هذه الآية نزلت منفصلة عن بقية الآيات الواردة في نساء النبي.
(2) أي لو فرضنا أن آية التطهير نزلت في سياق
واحد مع الآيات المتحدثة عن نساء النبي.
المراد من أهل البيت هم الأربعة، لا معنى
للتمسك بوحدة السياق فإن وحدة السياق تفيد ظهور الكلام في المعنى المراد ومع تصريح
النبي بخلافه ينتهي ذلك الظهور، خصوصاً مع منعه دخول أم سلمة في الكساء، قاطعاً
بذلك السبيل على من أراد إدخال نسائه في الآية المذكورة.
ومما يؤكد على عدم دخول نساء النبي في الآية
الكريمة هو عدم ادّعاء واحدة من نساء النبي تلك المزيّة والمنقبة حتى إن السيدة
عائشة في قتالها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لم تدع ذلك ولو كان، لرفعته شعاراً
في تجييشها الجيوش ونادت به وأقامت الدنيا وما أقعدتها.
هذا مضافاً لما روي عنها في الصحيح ما يدل
على عدم شمولها بآية التطهير؛ فقد جاء في صحيح البخاري أن عائشة قالت: «ما أنزل
الله فينا شيئاً من القرآن، إلا أن الله أنزل عذري»(1)(2). ولوكانت مشمولة بآية
التطهير، لكان ذكرها أولى من ذكر غيرها، مع أنّ لفظها في الرواية ظاهر في حصر
الآيات النازلة فيها؛ أي أنّ الله لم ينزل شيئاً في عائشة سوى الآية النازلة في
برائتها مما رميت به
و بعد سقوط القول بشمول آية التطهير لنساء
النبي يتضح وهن وضعف القول باختصاصها بهن، ولا بأس أن نشير إلى أنّ هذا القول
نُسِب إلى ابن
____________
(1) صحيح البخاري: 6 / 42، دار الفكر.
(2) وتقصد من الآية النازلة في عذرها، قوله
تعالى: (إنَّ الَذينَ جاءُوا بالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شراً
لَكُمْ بَلْ هو خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئ مِنْهُمْ ما اكْتسَبَ مِنَ الإثْمِ
والّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، النور: 11.
عباس عن طريق عكرمة الخارجي، ونقل أنّ عكرمة
كان يقول: «من شاء باهلته، إنها نزلت في أزواج النبي» وروي عنه عند نزول الآية:
«ليس بالذي تذهبون إليه، إنّما هو نساء النبي»(1).
وفيه:
أولاً: أنّه مخالف للصحيح الصريح المتظافر من
النبي (صلى الله عليه وآله) في أن الآية مختصة بأصحاب الكساء.
ثانياً: أنها مخالفة لما ثبت وصح عن ابن عباس
نفسه في أنّ النبي أخذ ثوبه فوضعه على علي وفاطمة وحسن وحسين وقال: «إنما يريد
الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً»(2).
____________
(1) الدر المنثور للسيوطي: 5 / 198، مطبعة
الفتح، جدة.
(2) أخرج الحاكم في مستدركه بسنده إلى عمرو
بن ميمون قال: إني جالس عند ابن عباس إذ أتاه تسعة رهط فقالوا: يا ابن عباس إما أن
تقوم معنا وإما أن تخلو بنا من بين هؤلاء، قال فقال ابن عباس: بل أنا أقوم معكم،
قال وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمى، قال: فابتدأوا فتحدثوا فلا ندري ماقالوا، قال:
فجاء ينفض ثوبه ويقول أف وتف وقعوا في رجل له بضع عشرة فضائل ليست لأحد غيره، وقعوا
في رجل قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبعثن رجلاً لا يخزيه الله أبداً
يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فاستشرف لها مستشرف فقال: أين علي؟ فقالوا إنه
في الرحى يطحن، قال وما كان أحدهم ليطحن، قال: فجاء وهو أرمد لا يكاد أنْ يبصر،
قال فنفث في عينيه ثم هزّ الراية ثلاثاً فأعطاها إياه فجاء علي بصفية بنت حيي، قال
ابن عباس، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلاناً بسورة التوبة فبعث
علياً خلفه فأخذها منه وقال: لا يذهب بها إلا رجل هو مني وأنا منه، فقال ابن عباس:
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبني عمه أيكم يواليني في الدنيا والآخرة قال
وعلي جالس معهم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله واقبل على رجل رجل منهم أيكم
يواليني في الدنيا والآخرة فأبوا فقال لعلي أنت وليي في الدنيا والآخرة، قال ابن
عباس وكان علي أول من آمن من الناس بعد خديجة رضي الله عنها، قال: وأخذ رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم ثوبه فوضعه على علي وفاطمة وحسن وحسين وقال: «إنما يريد
الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً...».
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد».
وقال الذهبي في التلخيص: «صحيح»، انظر
«المستدرك على الصحيحين»: 3 / 133 - 134، وبذيله «تلخيص المستدرك» للذهبي، دار
المعرفة، بيروت.
وأخرج الحديث أحمد في «مسنده»: 1 / 331، دار
صادر، بيروت.
وأورده الهيثمي في «مجمع الزوائد»: 9 / 119،
دار الكتب العلمية..
وقال: رواه أحمد، والطبراني في «الكبير» و
«الأوسط» باختصار.
ثالثاً: أنّ قول عكرمة قول شاذ ونادر، ولم
يعبأ به أحد من المسلمين، بل إنّ إجماعهم على خلافه.
رابعاً: أنّ عكرمة متهم بالكذب، مضافاً لكونه
خارجياً(1) مبغضاً لعلي بن
____________
(1) قال مصعب الزبيري: كان عكرمة يرى رأي
الخوارج، وقال أبو خلف الخزار عن يحيى البكاء: سمعت ابن عمر يقول لنافع: اتقِ الله
ويحك يا نافع، ولا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس، وقال جرير بن عبد الحميد
عن يزيد بن أبي زياد: دخلت على علي بن عبد الله بن عباس وعكرمة مقيد على باب الحش،
قال: قلتُ ما لهذا؟ قال: إنه يكذب على أبي وقال هشام بن سعد عن عطاء الخراساني:
قلتُ لسعيد بن المسيب: إن عكرمة يزعم أن رسول الله تزوج ميمونة وهو محرم، فقال:
كذب مخبثان [يعني الخبيث].
و قال فطر بن خليفة: قلت لعطاء: إن عكرمة
يقول: سبق الكتاب، المسح على الخفين، فقال: كذب عكرمة سمعت ابن عباس يقول: امسح
على الخفين وإن خرجت من الخلاء.
وقال إسرائيل عن عبدالكريم الجزري عن عكرمة
أنه كره كراء الأرض، قال: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال: كذب عكرمة، سمعت ابن
عباس يقول: إن أمثل ما أنتم صانعون استيجار الأرض البيضاء سنة بسنة.
وقال وهيب بن خالد عن يحيى بن سعيد الأنصاري:
كان كذاباً، وقال إبراهيم بن المنذر عن معن بن عيسى وغيره: كان مالك لا يرى عكرمة
ثقة ويأمر أن لا يؤخذ عنه.
وقال الدوري عن ابن معين: كان مالك يكره
عكرمة.
وقال الربيع عن الشافعي: «وهو ـ يعني مالك بن
أنس ـ سيء الرأي في عكرمة، قال: «لا أرى لأحد أن يقبل حديثه» (تجد هذه الأقوال في
«تهذيب التهذيب»: 5 / 634 - 635، دار الفكر).
وترجمه الذهبي في «ميزان الاعتدال»: وقال:
«...وأما مسلم فتجنبه وروى له قليلاً مقروناً بغيره، وأعرض عنه مالك وتحايده إلا
في حديث أو حديثين»، وروى روايات في تضعيفه وأنه كان يلعب النرد ويسمع الغناء ويرى
رأي الخوارج «ميزان الاعتدال»: 3 / 93 ـ 97، دار الفكر، وبهذا يثبت أن عكرمة كان
متهماً بالكذب ولا حاجة لسرد مزيد كلمات.
الصفحة 34 أبي طالب (عليه السلام)، وقد صحّ
عن النبي قوله لعلي (عليه السلام) أنّه: «لا يحبك إلاّ مؤمن ولايبغضك إلاّ
منافق»(1)، فعكرمة منافق بنص قول النبي فكيف يعتمد عليه في بيان أمور الدين وما
يتعلق بشريعة سيد المرسلين(2).
خامساً: إن نفس قول عكرمة: «من شاء باهلته»،
أو: «ليس بالذي تذهبون»، فيه دلالة واضحة وصريحة على أنّ المسلمين كانوا يذهبون
إلى خلاف رأيه.
وبهذا اتضح أنّ الآية مختصة بالخمسة أصحاب
الكساء وهم نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) وعلي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء
والحسن والحسين ـ عليهم جميعاً سلام الله ورضوانه ـ بحسب ما صحّ عن النبي (صلى
الله عليه وآله). ولذا نرى جمعاً من علماء أهل السنة ذهبوا إلى هذا القول منهم
القرطبي في كتابه المفهم حيث
____________
(1) تجد الحديث بألفاظ مختلفة في مصادر عديدة
منها: «صحيح مسلم»: 1 / 61، دار الفكر و «مسند أحمد»: 1 / 95، دار صادر، و «سنن
النسائي»: 8 / 116 دار الفكر وغيرها.
(2) ومن المؤسف حقاً مانراه من علماء أخواننا
من أهل السنة في توثيقهم للخوارج والنواصب المبغضين لعلي بن أبي طالب، وهم منافقون
بنصّ قول النبي المتقدم.
قال: «وقراءة النبي صلى الله عليه وسلم هذه
الآية {إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ
تَطْهِيراً} دليل على أن أهل البيت المعنيين في الآية: هم المغطون بذلك المرط في
ذلك الوقت»(1) ومنهم الطحاوي في «مشكل الآثار»(2)، ووافقه عليه قاضي القضاة أبو
المحاسن يوسف بن موسى الحنفي في كتابه «المعتصر من المختصر من مشكل الآثار»(3)،
وهو كتاب مختصر لـ «المختصر من مشكل الآثار» لمؤلفه القاضي أبي الوليد بن رشد،
ويظهر أن أبا الوليد وافق الطحاوي أيضاً إذ لم نر من أبي المحاسن أي إشارة إلى
الخلاف عند التعرض لهذا المطلب مع أنه وعد في مقدمة كتابه التنبيه إلى اختلافات
أبي الوليد مع الطحاوي.
ومنهم ابن عساكر الشافعي المتوفى (620 هـ) في
كتابه «الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين»(4) وغيرهم.
----------------------------------
كتاب أئمة أهل البيت عليهم السلام في كتب أهل
السنة للشيخ حكمت الرحمة (ص 23 - ص 39)
(1) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: 6 /
302 ـ 303، دار ابن كثير.
(2) انظر «مشكل الآثار»: 1 / 336 ـ 337 ـ 338
ـ 339، دار صادر.
(3) انظر «المعتصر من المختصر من مشكل
الآثار»: 2 / 267، عالم الكتب.
|
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا
تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ
وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ
لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا |
|
قوله تعالى: { إِنَّمَا يُرِيدُ
ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ...} الآية. [33]. |
|
هذه آداب أمر اللّه تعالى بها نساء
النبي صلى اللّه عليه وسلم ونساء الأمة تبع لهن في ذلك، بأنهن إذا اتقين اللّه
عزَّ وجلَّ كما أمرهن، فإنه لا يشبههن أحد من النساء ولا يلحقهن في الفضيلة
والمنزلة، ثم قال تعالى: { فلا تخضعن بالقول} قال السدي: يعني بذلك ترقيق الكلام
إذا خاطبن الرجال، ولهذا قال تعالى: { فيطمع الذي في قلبه مرض} أي دغل، { وقلن
قولاً معروفاً} قال ابن زيد: قولاً حسناً جميلاً معروفاً في الخير، ومعنى هذا
أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، أي لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب
زوجها، وقوله تعالى: { وقرن في بيوتكن} أي الزمن بيوتكن، فلا تخرجن لغير حاجة،
ومن الحوائج الشرعية، الصلاة في المسجد بشرطه، كما قال رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء اللّه مساجد اللّه وليخرجن وهن تفلات) تفلات: أي غير
متطيبات وفي رواية: (وبيوتهن خير لهن) وروى الحافظ البزار عن أنس رضي اللّه عنه
قال: جئن النساء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقلن: يا رسول اللّه ذهب
الرجال بالفضل والجهاد في سبيل اللّه تعالى، فما لنا عمل ندرك به عمل المجاهدين في
سبيل اللّه تعالى؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (من قعدت - أو كلمة
نحوها - منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل اللّه تعالى)، وعن
النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان،
وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها) "أخرجه الحافظ البزار
والترمذي""، وفي الحديث: (صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في
بيتها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها) ""أخرجه الحافظ
البزار عن عبد اللّه بن مسعود مرفوعاً وإسناده جيد""، وقوله تعالى: {
ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي
الرجال فذلك تبرج الجاهلية، وقال قتادة: كانت لهن مشية وتكسر وتغنج فنهى اللّه
تعالى عن ذلك، وقال مقاتل: التبرج أنها تلقي الخمار على رأسها ولا تشده فيواري
قلائدها وقرطها وعنقها ويبدو ذلك كله منها وذلك التبرج، ثم عمت نساء المؤمنين في
التبرج. وقوله تعالى: { وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن اللّه ورسوله} نهاهن
أولاً عن الشر ثم أمرهن بالخير من إقامة الصلاة وهي عبادة اللّه وحده، وإيتاء
الزكاة وهي الإحسان إلى المخلوقين، { وأطعن اللّه ورسوله} ، وهذا من باب عطف
العام على الخاص، وقوله تعالى: { إنما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت
ويطهركم تطهيراً} نص في دخول أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم في أهل البيت
ههنا، لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولاً واحداً، روى ابن
جرير عن عكرمة أنه كان ينادي في السوق: { إنما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل
البيت ويطهركم تطهيراً} نزلت في نساء النبي صلى اللّه عليه وسلم خاصة، وليس
المراد أنهن المراد فقط دون غيرهن، فقد روى ابن أبي حاتم عن العوام بن حوشب رضي
اللّه عنه عن ابن عم له قال: دخلت مع أبي على عائشة رضي اللّه عنها فسألتها عن
علي رضي اللّه عنه، فقالت رضي اللّه عنها: تسألني عن رجل كان من أحب الناس إلى
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وكانت تحته ابنته وأحب الناس إليه؟ لقد رأيت
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دعا عليا وفاطمة وحسنا وحسيناً رضي اللّه عنهم
فألقى عليهم ثوباً فقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم
تطهيراً) قالت: فدنوت منهم فقلت: يا رسول اللّه وأنا من أهل بيتك؟ فقال صلى
اللّه عليه وسلم: (تنحي فإنك على خير) "أخرجه ابن أبي حاتم". وروى
مسلم في صحيحه عن يزيد بن حبان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن سلمة إلى زيد
بن أرقم رضي اللّه عنه، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيراً
كثيراً، رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه،
لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم قال: يا ابن أخي واللّه لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت
أعي من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فما حدثتكم فاقبلوا وما لا فلا تكلفوا
فيه، ثم قال: قام فينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوماً خطيباً بماء يدعى
خُمًّا بين مكة والمدينة، فحمد اللّه تعالى وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: (أما
بعد ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك
فيكم ثقلين، أولهما كتاب اللّه تعالى فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب اللّه
واستمسكوا به) فحث على كتاب اللّه عزَّ وجلَّ ورغب فيه، ثم قال: (وأهل بيتي
أذكركم اللّه في أهل بيتي أذكركم اللّه في أهل بيتي) فقال له حصين: ومن أهل بيته
يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم
الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس رضي اللّه
عنهم، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة بعده؟ قال: نعم "رواه مسلم في صحيحه".
والذي لا يشك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي صلى اللّه عليه وسلم داخلات في
قوله تعالى: { إنما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} فإن
سياق الكلام معهن، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات
اللّه والحكمة} أي واعملن بما ينزل اللّه تبارك وتعالى على رسوله صلى اللّه عليه
وسلم في بيوتكن من الكتاب والسنّة، واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين
الناس، أن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة الصديقة بنت الصديق رضي
عنهما أولاهن بهذه النعمة، فإنه لم ينزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
الوحي في فراش امرأة سواها، كما نص على ذلك صلوات اللّه وسلامه عليه، فناسب أن
تخصص بهذه المزية، وأن تفرد بهذه المرتبة العلية، ولكن إذا كان أزواجه من أهل
بيته فقرابته أحق بهذه التسمية كما تقدم في الحديث: (وأهل بيتي أحق)، وهذا يشبه
ما ثبت في صحيح مسلم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما سئل عن المسجد الذي
أسس على التقوى من أول يوم فقال: (هو مسجدي هذا)، فهذا من هذا القبيل، فإن الآية
إنما نزلت في مسجد قباء، كما ورد في الأحاديث الأخر، ولكن إذا كان ذاك أُسس على التقوى
من أول يوم فمسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أولى بتسميته بذلك واللّه
أعلم. وقوله تعالى: { إن اللّه كان لطيفاً خبيراً} أي بلطفه بكن بلغتن هذه
المنزلة، وبخبرته أعطاكن ذلك وخصكن به، قال ابن جرير: واذكروا نعمة اللّه عليكن
بأن جعلكن في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة، فاشكرن اللّه تعالى على ذلك
واحمدنه { إن اللّه كان لطيفاً خبيراً} أي إذ لطف بكن إذ جعلكن في البيوت التي
تتلى فيها آيات اللّه والحكمة وهي السنّة خبيراً بكن إذ اختاركن لرسوله أزواجاً.
|
|
( وقرن ) بكسر القاف
وفتحها ( في بيوتكن ) من القرار وأصله : اقررن بكسر الراء وفتحها من قررت بفتح
الراء وكسرها نقلت حركة الراء إلى القاف وحذفت مع همزة الوصل ( ولا تبرجن ) بترك
إحدى التاءين من أصله ( تبرج الجاهلية الأولى ) أي ما قبل الإسلام من إظهار
النساء محاسنهن للرجال والإظهار بعد الإسلام مذكور في آية "ولا يبدين
زينتهن إلا ما ظهر منها" ( وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ) الإثم يا ( أهل البيت ) أي نساء النبي صلى
الله عليه وسلم ( ويطهركم ) منه ( تطهيرا) . |
|
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة
قَوْله : { وَقَرْن فِي بُيُوتكُنَّ } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة
وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ : { وَقَرْن } بِفَتْحِ الْقَاف , بِمَعْنَى :
وَاقْرَرْنَ فِي بُيُوتكُنَّ , وَكَأَنَّ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَذَفَ
الرَّاءَ الْأُولَى مِنْ اقْرَرْنَ , وَهِيَ مَفْتُوحَة , ثُمَّ نَقَلَهَا إِلَى
الْقَاف , كَمَا قِيلَ : { فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ } 56 65 وَهُوَ يُرِيد
فَظَلِلْتُمْ , فَأُسْقِطَتْ اللَّام الْأُولَى , وَهِيَ مَكْسُورَة , ثُمَّ
نُقِلَتْ كَسْرَتهَا إِلَى الظَّاء , وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة
وَالْبَصْرَة : { وَقِرْنَ } بِكَسْرِ الْقَاف , بِمَعْنَى : كُنَّ أَهْل وَقَار
وَسَكِينَة { فِي بُيُوتكُنَّ } . وَهَذِهِ الْقِرَاءَة وَهِيَ الْكَسْر فِي
الْقَاف أَوْلَى عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إِنْ كَانَ مِنَ
الْوَقَار عَلَى مَا اخْتَرْنَا , فَلَا شَكَّ أَنَّ الْقِرَاءَة بِكَسْرِ
الْقَاف , لِأَنَّهُ يُقَال : وَقِرَ فُلَان فِي مَنْزِله فَهُوَ يَقِر وُقُورًا
, فَتُكْسَر الْقَاف فِي تَفْعَل ; فَإِذَا أَمَرَ مِنْهُ قِيلَ : قِرْ , كَمَا
يُقَال مِنْ وَزَنَ : يَزِن زِنْ , وَمِنْ وَعَدَ : يَعِد عِدْ , وَإِنْ كَانَ
مِنَ الْقَرَار , فَإِنَّ الْوَجْهَ أَنْ يُقَالَ : اقْرَرْنَ , لِأَنَّ مَنْ
قَالَ مِنَ الْعَرَب : ظَلْتُ أَفْعَل كَذَا , وَأَحَسْتُ بِكَذَا , فَأَسْقَطَ
عَيْنَ الْفِعْل , وَحَوَّلَ حَرَكَتهَا إِلَى فَائِهِ فِي فَعَلَ وَفَعَلْنَا
وَفَعَلْتُمْ , لَمْ يَفْعَل ذَلِكَ فِي الْأَمْر وَالنَّهْي , فَلَا يَقُول :
ظِلّ قَائِمًا , وَلَا تَظَلّ قَائِمًا , فَلَيْسَ الَّذِي اعْتَلَّ بِهِ مَنْ
اعْتَلَّ لِصِحَّةِ الْقِرَاءَة بِفَتْحِ الْقَاف فِي ذَلِكَ يَقُول الْعَرَب
فِي ظَلِلْت وَأَحْسَسْت ظَلْتُ , وَأَحَسْتُ بِعِلَّةٍ تُوجِب صِحَّته لِمَا
وَصَفْت مِنَ الْعِلَّة , وَقَدْ حَكَى بَعْضهمْ عَنْ بَعْض الْأَعْرَاب
سَمَاعًا مِنْهُ : يَنْحَطَنَّ مِنْ الْجَبَلِ , وَهُوَ يُرِيد : يَنْحَطِطْنَ ,
فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ صَحِيحًا , فَهُوَ أَقْرَب إِلَى أَنْ يَكُونَ حُجَّة
لِأَهْلِ هَذِهِ الْقِرَاءَة مِنَ الْحُجَّة الْأُخْرَى .وَاخْتَلَفَتِ
الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَقَرْن فِي بُيُوتكُنَّ } فَقَرَأَتْهُ
عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ : { وَقَرْن } بِفَتْحِ
الْقَاف , بِمَعْنَى : وَاقْرَرْنَ فِي بُيُوتكُنَّ , وَكَأَنَّ مَنْ قَرَأَ
ذَلِكَ كَذَلِكَ حَذَفَ الرَّاءَ الْأُولَى مِنْ اقْرَرْنَ , وَهِيَ مَفْتُوحَة
, ثُمَّ نَقَلَهَا إِلَى الْقَاف , كَمَا قِيلَ : { فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ }
56 65 وَهُوَ يُرِيد فَظَلِلْتُمْ , فَأُسْقِطَتْ اللَّام الْأُولَى , وَهِيَ
مَكْسُورَة , ثُمَّ نُقِلَتْ كَسْرَتهَا إِلَى الظَّاء , وَقَرَأَ ذَلِكَ
عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة وَالْبَصْرَة : { وَقِرْنَ } بِكَسْرِ الْقَاف ,
بِمَعْنَى : كُنَّ أَهْل وَقَار وَسَكِينَة { فِي بُيُوتكُنَّ } . وَهَذِهِ
الْقِرَاءَة وَهِيَ الْكَسْر فِي الْقَاف أَوْلَى عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ ;
لِأَنَّ ذَلِكَ إِنْ كَانَ مِنَ الْوَقَار عَلَى مَا اخْتَرْنَا , فَلَا شَكَّ
أَنَّ الْقِرَاءَة بِكَسْرِ الْقَاف , لِأَنَّهُ يُقَال : وَقِرَ فُلَان فِي
مَنْزِله فَهُوَ يَقِر وُقُورًا , فَتُكْسَر الْقَاف فِي تَفْعَل ; فَإِذَا
أَمَرَ مِنْهُ قِيلَ : قِرْ , كَمَا يُقَال مِنْ وَزَنَ : يَزِن زِنْ , وَمِنْ
وَعَدَ : يَعِد عِدْ , وَإِنْ كَانَ مِنَ الْقَرَار , فَإِنَّ الْوَجْهَ أَنْ
يُقَالَ : اقْرَرْنَ , لِأَنَّ مَنْ قَالَ مِنَ الْعَرَب : ظَلْتُ أَفْعَل كَذَا
, وَأَحَسْتُ بِكَذَا , فَأَسْقَطَ عَيْنَ الْفِعْل , وَحَوَّلَ حَرَكَتهَا
إِلَى فَائِهِ فِي فَعَلَ وَفَعَلْنَا وَفَعَلْتُمْ , لَمْ يَفْعَل ذَلِكَ فِي
الْأَمْر وَالنَّهْي , فَلَا يَقُول : ظِلّ قَائِمًا , وَلَا تَظَلّ قَائِمًا ,
فَلَيْسَ الَّذِي اعْتَلَّ بِهِ مَنْ اعْتَلَّ لِصِحَّةِ الْقِرَاءَة بِفَتْحِ
الْقَاف فِي ذَلِكَ يَقُول الْعَرَب فِي ظَلِلْت وَأَحْسَسْت ظَلْتُ ,
وَأَحَسْتُ بِعِلَّةٍ تُوجِب صِحَّته لِمَا وَصَفْت مِنَ الْعِلَّة , وَقَدْ
حَكَى بَعْضهمْ عَنْ بَعْض الْأَعْرَاب سَمَاعًا مِنْهُ : يَنْحَطَنَّ مِنْ
الْجَبَلِ , وَهُوَ يُرِيد : يَنْحَطِطْنَ , فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ صَحِيحًا ,
فَهُوَ أَقْرَب إِلَى أَنْ يَكُونَ حُجَّة لِأَهْلِ هَذِهِ الْقِرَاءَة مِنَ
الْحُجَّة الْأُخْرَى .' وَقَوْله : { وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ
الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى } قِيلَ : إِنَّ التَّبَرُّجَ فِي هَذَا الْمَوْضِع
التَّبَخْتُر وَالتَّكَسُّر. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21718 - حَدَّثَنَا
بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَا
تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى } : أَيْ إِذَا خَرَجْتُنَّ
مِنْ بُيُوتكُنَّ ; قَالَ : كَانَتْ لَهُنَّ مِشْيَة وَتَكَسُّر وَتَغَنُّج ,
يَعْنِي بِذَلِكَ الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى فَنَهَاهُنَّ اللَّه عَنْ ذَلِكَ .
21719 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : سَمِعْت
ابْنَ أَبِي نَجِيح , يَقُول فِي قَوْله : { وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ
الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى } قَالَ : التَّبَخْتُر , وَقِيلَ : إِنَّ
التَّبَرُّجَ هُوَ إِظْهَار الزِّينَة , وَإِبْرَاز الْمَرْأَة مَحَاسِنَهَا
لِلرِّجَالِ . وَأَمَّا قَوْله : { تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى }
فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيل اخْتَلَفُوا فِي الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى , فَقَالَ
بَعْضهمْ : ذَلِكَ مَا بَيْن عِيسَى وَمُحَمَّد عَلَيْهِمَا السَّلَام . ذِكْر
مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 211720 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي ,
عَنْ زَكَرِيَّا , عَنْ عَامِر { وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة
الْأُولَى } قَالَ : الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى : مَا بَيْن عِيسَى وَمُحَمَّد
عَلَيْهِمَا السَّلَام . وَقَالَ آخَرُونَ : ذَلِكَ مَا بَيْن آدَم وَنُوح .
ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21721 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا ابْن
عُيَيْنَةَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ الْحَكَم { وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ
الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى } قَالَ : وَكَانَ بَيْن آدَم وَنُوح ثَمَانمِائَةِ
سَنَة , فَكَانَ نِسَاؤُهُمْ مِنْ أَقْبَح مَا يَكُون مِنْ النِّسَاء ,
وَرِجَالهمْ حِسَان , فَكَانَتْ الْمَرْأَة تُرِيد الرَّجُلَ عَلَى نَفْسه ,
فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة
الْأُولَى } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ بَيْن نُوح وَإِدْرِيس . ذِكْر
مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21722 - حَدَّثَنِي ابْن زُهَيْر , قَالَ : ثنا مُوسَى بْن
إِسْمَاعِيل , قَالَ : ثنا دَاوُدُ , يَعْنِي ابْن أَبِي الْفُرَات , قَالَ :
ثنا عِلْبَاء بْن أَحْمَر , عَنْ عِكْرِمَة , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : تَلَا
هَذِهِ الْآيَة : { وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى }
قَالَ : كَانَ فِيمَا بَيْن نُوح وَإِدْرِيس , وَكَانَتْ أَلْف سَنَة ; وَإِنَّ
بَطْنَيْنِ مِنْ وَلَد آدَم كَانَ أَحَدهمَا يَسْكُن السَّهْلَ , وَالْآخَر يَسْكُن
الْجَبَلَ , وَكَانَ رِجَال الْجَبَل صِبَاحًا , وَفِي النِّسَاء دَمَامَة ,
وَكَانَ نِسَاء السَّهْل صِبَاحًا , وَفِي الرِّجَال دَمَامَة , وَإِنَّ
إِبْلِيس أَتَى رَجُلًا مِنْ أَهْل السَّهْل فِي صُورَة غُلَام , فَأَجَرَ
نَفْسَهُ مِنْهُ , وَكَانَ يَخْدُمهُ , وَاتَّخَذَ إِبْلِيس شَيْئًا مِثْل
ذَلِكَ الَّذِي يُزَمِّر فِيهِ الرِّعَاء , فَجَاءَ فِيهِ بِصَوْتٍ لَمْ يُسْمَع
مِثْله , فَبَلَغَ ذَلِكَ مَنْ حَوْلهمْ , فَانْتَابُوهُمْ يَسْمَعُونَ إِلَيْهِ
, وَاتَّخَذُوا عِيدًا يَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ فِي السَّنَة , فَتَتَبَرَّجَ
الرِّجَال لِلنِّسَاءِ . قَالَ : وَيَتَزَيَّن النِّسَاء لِلرِّجَالِ , وَإِنَّ
رَجُلًا مِنْ أَهْل الْجَبَل هَجَمَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي عِيدهمْ ذَلِكَ ,
فَرَأَى النِّسَاءَ , فَأَتَى أَصْحَابَهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ ,
فَتَحَوَّلُوا إِلَيْهِنَّ , فَنَزَلُوا مَعَهُنَّ , فَظَهَرَتْ الْفَاحِشَة
فِيهِنَّ , فَهُوَ قَوْل اللَّه : { وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة
الْأُولَى } . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ أَنْ
يُقَال : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْره نَهَى نِسَاء النَّبِيِّ أَنْ
يَتَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى , وَجَائِز أَنْ يَكُونَ
ذَلِكَ مَا بَيْنَ آدَم وَعِيسَى , فَيَكُون مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تَبَرَّجْنَ
تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى الَّتِي قَبْلَ الْإِسْلَام , فَإِنْ قَالَ
قَائِل : أَوَفِي الْإِسْلَام جَاهِلِيَّة حَتَّى يُقَال : عَنَى بِقَوْلِهِ {
الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى } الَّتِي قَبْلَ الْإِسْلَام ؟ قِيلَ : فِيهِ
أَخْلَاق مِنْ أَخْلَاق الْجَاهِلِيَّة . كَمَا : 21723 - حَدَّثَنِي يُونُس ,
قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : {
وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى } قَالَ : يَقُول :
الَّتِي كَانَتْ قَبْل الْإِسْلَام , قَالَ : وَفِي الْإِسْلَام جَاهِلِيَّة ؟
قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي الدَّرْدَاء
, وَقَالَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يُنَازِعهُ : يَا ابْن فُلَانَة , لِأُمٍّ كَانَ
يُعَيِّرهُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّة , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا أَبَا الدَّرْدَاء إِنَّ فِيك جَاهِلِيَّة
" , قَالَ : أَجَاهِلِيَّة كُفْر أَوْ إِسْلَام ؟ قَالَ : " بَلْ
جَاهِلِيَّة كُفْر " , قَالَ : فَتَمَنَّيْت أَنْ لَوْ كُنْت ابْتَدَأْت
إِسْلَامِي يَوْمَئِذٍ . قَالَ : وَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : " ثَلَاث مِنْ عَمَل أَهْل الْجَاهِلِيَّة لَا يَدَعهُنَّ
النَّاس : الطَّعْن بِالْأَنْسَابِ , وَالِاسْتِمْطَار بِالْكَوَاكِبِ ,
وَالنِّيَاحَة " . 21724 -حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن
وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنِي سُلَيْمَان بْن بِلَال
, عَنْ ثَوْر , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس , أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب ,
قَالَ لَهُ : أَرَأَيْت قَوْل اللَّه لِأَزْوَاجِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى }
هَلْ كَانَتْ إِلَّا وَاحِدَة , فَقَالَ ابْن عَبَّاس : وَهَلْ كَانَتْ مِنْ
أُولَى إِلَّا وَلَهَا آخِرَة ؟ فَقَالَ عُمَر : لِلَّهِ دَرّك يَا ابْنَ
عَبَّاس , كَيْفَ قُلْت ؟ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , هَلْ كَانَتْ
مِنْ أُولَى إِلَّا وَلَهَا آخِرَة ؟ قَالَ : فَأْتِ بِتَصْدِيقِ مَا تَقُول
مِنْ كِتَاب اللَّه , قَالَ : نَعَمْ { وَجَاهِدُوا فِي اللَّه حَقَّ جِهَاده }
22 78 كَمَا جَاهَدْتُمْ أَوَّلَ مَرَّة . قَالَ عُمَر : فَمَنْ أُمِرَ
بِالْجِهَادِ ؟ قَالَ : قَبِيلَتَانِ مِنْ قُرَيْش : مَخْزُوم , وَبَنُو عَبْد
شَمْس , فَقَالَ عُمَر : صَدَقْت . وَجَائِز أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَا بَيْن آدَم
وَنُوح , وَجَائِز أَنْ يَكُونَ مَا بَيْن إِدْرِيس وَنُوح , فَتَكُون
الْجَاهِلِيَّة الْآخِرَة , مَا بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّد , وَإِذَا كَانَ
ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَمِلهُ ظَاهِر التَّنْزِيل . فَالصَّوَاب أَنْ يُقَال فِي
ذَلِكَ , كَمَا قَالَ اللَّه : إِنَّهُ نَهَى عَنْ تَبَرُّج الْجَاهِلِيَّة
الْأُولَى .وَقَوْله : { وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى
} قِيلَ : إِنَّ التَّبَرُّجَ فِي هَذَا الْمَوْضِع التَّبَخْتُر وَالتَّكَسُّر.
ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21718 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد ,
قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ
الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى } : أَيْ إِذَا خَرَجْتُنَّ مِنْ بُيُوتكُنَّ ; قَالَ
: كَانَتْ لَهُنَّ مِشْيَة وَتَكَسُّر وَتَغَنُّج , يَعْنِي بِذَلِكَ
الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى فَنَهَاهُنَّ اللَّه عَنْ ذَلِكَ . 21719 - حَدَّثَنِي
يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : سَمِعْت ابْنَ أَبِي نَجِيح ,
يَقُول فِي قَوْله : { وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى }
قَالَ : التَّبَخْتُر , وَقِيلَ : إِنَّ التَّبَرُّجَ هُوَ إِظْهَار الزِّينَة ,
وَإِبْرَاز الْمَرْأَة مَحَاسِنَهَا لِلرِّجَالِ . وَأَمَّا قَوْله : {
تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى } فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيل اخْتَلَفُوا
فِي الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى , فَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلِكَ مَا بَيْن عِيسَى
وَمُحَمَّد عَلَيْهِمَا السَّلَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 211720 -
حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ زَكَرِيَّا , عَنْ عَامِر {
وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى } قَالَ : الْجَاهِلِيَّة
الْأُولَى : مَا بَيْن عِيسَى وَمُحَمَّد عَلَيْهِمَا السَّلَام . وَقَالَ آخَرُونَ
: ذَلِكَ مَا بَيْن آدَم وَنُوح . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21721 - حَدَّثَنَا
ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا ابْن عُيَيْنَةَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ الْحَكَم {
وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى } قَالَ : وَكَانَ بَيْن
آدَم وَنُوح ثَمَانمِائَةِ سَنَة , فَكَانَ نِسَاؤُهُمْ مِنْ أَقْبَح مَا يَكُون
مِنْ النِّسَاء , وَرِجَالهمْ حِسَان , فَكَانَتْ الْمَرْأَة تُرِيد الرَّجُلَ
عَلَى نَفْسه , فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ
الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ بَيْن نُوح
وَإِدْرِيس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21722 - حَدَّثَنِي ابْن زُهَيْر ,
قَالَ : ثنا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل , قَالَ : ثنا دَاوُدُ , يَعْنِي ابْن أَبِي
الْفُرَات , قَالَ : ثنا عِلْبَاء بْن أَحْمَر , عَنْ عِكْرِمَة , عَنِ ابْن عَبَّاس
, قَالَ : تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة
الْأُولَى } قَالَ : كَانَ فِيمَا بَيْن نُوح وَإِدْرِيس , وَكَانَتْ أَلْف
سَنَة ; وَإِنَّ بَطْنَيْنِ مِنْ وَلَد آدَم كَانَ أَحَدهمَا يَسْكُن السَّهْلَ
, وَالْآخَر يَسْكُن الْجَبَلَ , وَكَانَ رِجَال الْجَبَل صِبَاحًا , وَفِي
النِّسَاء دَمَامَة , وَكَانَ نِسَاء السَّهْل صِبَاحًا , وَفِي الرِّجَال
دَمَامَة , وَإِنَّ إِبْلِيس أَتَى رَجُلًا مِنْ أَهْل السَّهْل فِي صُورَة
غُلَام , فَأَجَرَ نَفْسَهُ مِنْهُ , وَكَانَ يَخْدُمهُ , وَاتَّخَذَ إِبْلِيس
شَيْئًا مِثْل ذَلِكَ الَّذِي يُزَمِّر فِيهِ الرِّعَاء , فَجَاءَ فِيهِ
بِصَوْتٍ لَمْ يُسْمَع مِثْله , فَبَلَغَ ذَلِكَ مَنْ حَوْلهمْ ,
فَانْتَابُوهُمْ يَسْمَعُونَ إِلَيْهِ , وَاتَّخَذُوا عِيدًا يَجْتَمِعُونَ
إِلَيْهِ فِي السَّنَة , فَتَتَبَرَّجَ الرِّجَال لِلنِّسَاءِ . قَالَ :
وَيَتَزَيَّن النِّسَاء لِلرِّجَالِ , وَإِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْل الْجَبَل
هَجَمَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي عِيدهمْ ذَلِكَ , فَرَأَى النِّسَاءَ , فَأَتَى
أَصْحَابَهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ , فَتَحَوَّلُوا إِلَيْهِنَّ , فَنَزَلُوا
مَعَهُنَّ , فَظَهَرَتْ الْفَاحِشَة فِيهِنَّ , فَهُوَ قَوْل اللَّه : { وَلَا
تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى } . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي
ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْره نَهَى
نِسَاء النَّبِيِّ أَنْ يَتَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى ,
وَجَائِز أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَا بَيْنَ آدَم وَعِيسَى , فَيَكُون مَعْنَى
ذَلِكَ : وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى الَّتِي قَبْلَ
الْإِسْلَام , فَإِنْ قَالَ قَائِل : أَوَفِي الْإِسْلَام جَاهِلِيَّة حَتَّى
يُقَال : عَنَى بِقَوْلِهِ { الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى } الَّتِي قَبْلَ
الْإِسْلَام ؟ قِيلَ : فِيهِ أَخْلَاق مِنْ أَخْلَاق الْجَاهِلِيَّة . كَمَا :
21723 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ
ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة
الْأُولَى } قَالَ : يَقُول : الَّتِي كَانَتْ قَبْل الْإِسْلَام , قَالَ :
وَفِي الْإِسْلَام جَاهِلِيَّة ؟ قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي الدَّرْدَاء , وَقَالَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يُنَازِعهُ :
يَا ابْن فُلَانَة , لِأُمٍّ كَانَ يُعَيِّرهُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّة ,
فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا أَبَا
الدَّرْدَاء إِنَّ فِيك جَاهِلِيَّة " , قَالَ : أَجَاهِلِيَّة كُفْر أَوْ
إِسْلَام ؟ قَالَ : " بَلْ جَاهِلِيَّة كُفْر " , قَالَ :
فَتَمَنَّيْت أَنْ لَوْ كُنْت ابْتَدَأْت إِسْلَامِي يَوْمَئِذٍ . قَالَ :
وَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ثَلَاث مِنْ عَمَل
أَهْل الْجَاهِلِيَّة لَا يَدَعهُنَّ النَّاس : الطَّعْن بِالْأَنْسَابِ , وَالِاسْتِمْطَار
بِالْكَوَاكِبِ , وَالنِّيَاحَة " . 21724 -حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ :
أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنِي
سُلَيْمَان بْن بِلَال , عَنْ ثَوْر , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس , أَنَّ
عُمَر بْن الْخَطَّاب , قَالَ لَهُ : أَرَأَيْت قَوْل اللَّه لِأَزْوَاجِ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ
الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى } هَلْ كَانَتْ إِلَّا وَاحِدَة , فَقَالَ ابْن
عَبَّاس : وَهَلْ كَانَتْ مِنْ أُولَى إِلَّا وَلَهَا آخِرَة ؟ فَقَالَ عُمَر :
لِلَّهِ دَرّك يَا ابْنَ عَبَّاس , كَيْفَ قُلْت ؟ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ
الْمُؤْمِنِينَ , هَلْ كَانَتْ مِنْ أُولَى إِلَّا وَلَهَا آخِرَة ؟ قَالَ :
فَأْتِ بِتَصْدِيقِ مَا تَقُول مِنْ كِتَاب اللَّه , قَالَ : نَعَمْ {
وَجَاهِدُوا فِي اللَّه حَقَّ جِهَاده } 22 78 كَمَا جَاهَدْتُمْ أَوَّلَ مَرَّة
. قَالَ عُمَر : فَمَنْ أُمِرَ بِالْجِهَادِ ؟ قَالَ : قَبِيلَتَانِ مِنْ
قُرَيْش : مَخْزُوم , وَبَنُو عَبْد شَمْس , فَقَالَ عُمَر : صَدَقْت . وَجَائِز
أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَا بَيْن آدَم وَنُوح , وَجَائِز أَنْ يَكُونَ مَا بَيْن
إِدْرِيس وَنُوح , فَتَكُون الْجَاهِلِيَّة الْآخِرَة , مَا بَيْنَ عِيسَى
وَمُحَمَّد , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَمِلهُ ظَاهِر التَّنْزِيل .
فَالصَّوَاب أَنْ يُقَال فِي ذَلِكَ , كَمَا قَالَ اللَّه : إِنَّهُ نَهَى عَنْ
تَبَرُّج الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى .' وَقَوْله : { وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ
وَآتِينَ الزَّكَاةَ } يَقُول : وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ ,
وَآتِينَ الزَّكَاةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْكُنَّ فِي أَمْوَالكُنَّ { وَأَطِعْنَ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ } فِيمَا أَمَرَاكُنَّ وَنَهَيَاكُنَّ { إِنَّمَا يُرِيد
اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت } يَقُول : إِنَّمَا
يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمْ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ يَا أَهْلَ بَيْت
مُحَمَّد , وَيُطَهِّرَكُمْ مِنْ الدَّنَس الَّذِي يَكُون فِي أَهْل مَعَاصِي
اللَّه تَطْهِيرًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل
التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21725 - بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد ,
قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّمَا يُرِيد اللَّه
لِيُذْهِب عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا }
فَهُمْ أَهْل بَيْت طَهَّرَهُمْ اللَّه مِنْ السُّوء , وَخَصَّهُمْ بِرَحْمَةٍ
مِنْهُ . 21726 -حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ :
قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ
الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } قَالَ : الرِّجْس هَا
هُنَا : الشَّيْطَان , وَسِوَى ذَلِكَ مِنْ الرِّجْس : الشِّرْك. اخْتَلَفَ
أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّذِينَ عَنَوْا بِقَوْلِهِ { أَهْلَ الْبَيْت }
فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَعَلِيّ وَفَاطِمَة وَالْحَسَن وَالْحُسَيْن رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ. ذِكْر
مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21727 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا
بَكْر بْن يَحْيَى بْن زَبَّانَ الْعَنَزِيّ , قَالَ : ثنا مَنْدَل , عَنْ
الْأَعْمَش , عَنْ عَطِيَّة , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , قَالَ : قَالَ
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَزَلَتْ هَذِهِ
الْآيَة فِي خَمْسَة : فِيَّ , وَفِي عَلِيّ , وَحَسَن , وَحُسَيْن رَضِيَ
اللَّه عَنْهُ , وَفَاطِمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا " { إِنَّمَا يُرِيد
اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ
تَطْهِيرًا } . 21728 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن
بِشْر , عَنْ زَكَرِيَّا , عَنْ مُصْعَب بْن شَيْبَة , عَنْ صَفِيَّة بِنْت
شَيْبَةَ قَالَتْ : قَالَتْ عَائِشَة : خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ذَات غَدَاة , وَعَلَيْهِ مِرْط مُرَجَّل مِنْ شَعْر أَسْوَد ,
فَجَاءَ الْحَسَن , فَأَدْخَلَهُ مَعَهُ , ثُمَّ قَالَ : { إِنَّمَا يُرِيد
اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ
تَطْهِيرًا } . 21729 -حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن بَكْر
, عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد , عَنْ أَنَس أَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمُرّ بِبَيْتِ فَاطِمَةَ سِتَّة
أَشْهَر , كُلَّمَا خَرَجَ إِلَى الصَّلَاة فَيَقُول : " الصَّلَاة أَهْل
الْبَيْت " { إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ
الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } . 21730 -حَدَّثَنِي مُوسَى بْن عَبْد
الرَّحْمَن الْمَسْرُوقِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن إِبْرَاهِيم بْن سُوَيْد
النَّخَعِيّ , عَنْ هِلَال , يَعْنِي ابْن مِقْلَاص , عَنْ زُبَيْد , عَنْ شَهْر
بْن حَوْشَب , عَنْ أُمّ سَلَمَة , قَالَتْ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدِي , وَعَلِيّ وَفَاطِمَة وَالْحَسَن وَالْحُسَيْن ,
فَجَعَلْت لَهُمْ خَزِيرَة , فَأَكَلُوا وَنَامُوا , وَغَطَّى عَلَيْهِمْ
عَبَاءَة أَوْ قَطِيفَة , ثُمَّ قَالَ : " اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْل
بَيْتِي , أَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْس وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا " . 21731
- حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : ثنا يُونُس بْن
أَبِي إِسْحَاق , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو دَاوُدَ , عَنْ أَبِي الْحَمْرَاء ,
قَالَ : رَابَطْت الْمَدِينَة سَبْعَة أَشْهُر عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْر , جَاءَ إِلَى بَاب عَلِيّ وَفَاطِمَةَ فَقَالَ
: " الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ " { إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب
عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } . *
حَدَّثَنِي عَبْد الْأَعْلَى بْن وَاصِل , قَالَ : ثنا الْفَضْل بْن دُكَيْن ,
قَالَ : ثنا يُونُس بْن أَبِي إِسْحَاق , بِإِسْنَادِهِ عَنِ النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِثْله . 21732 - حَدَّثَنِي عَبْد الْأَعْلَى بْن
وَاصِل , قَالَ : ثنا الْفَضْل بْن دُكَيْن , قَالَ : ثنا عَبْد السَّلَام بْن
حَرْب , عَنْ كُلْثُوم الْمُحَارِبِيّ , عَنْ أَبِي عَمَّار , قَالَ : إِنِّي
لَجَالِس عِنْدَ وَاثِلَة بْن الْأَسْقَع إِذْ ذَكَرُوا عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه
عَنْهُ , فَشَتَمُوهُ ; فَلَمَّا قَامُوا , قَالَ : اجْلِسْ حَتَّى أُخْبِرَك
عَنْ هَذَا الَّذِي شَتَمُوا , إِنِّي عِنْدَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذْ جَاءَهُ عَلِيّ وَفَاطِمَة وَحَسَن وَحُسَيْن ,
فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ كِسَاء لَهُ , ثُمَّ قَالَ : " اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ
أَهْل بَيْتِي , اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْس وَطَهِّرْهُمْ
تَطْهِيرًا " . قُلْت : يَا رَسُول اللَّه وَأَنَا ؟ قَالَ : "
وَأَنْتَ " ; قَالَ : فَوَاللَّهِ إِنَّهَا لَأَوْثَقُ عَمَلِي عِنْدِي . *
حَدَّثَنِي عَبْد الْكَرِيم بْن أَبِي عُمَيْر , قَالَ : ثنا الْوَلِيد بْن
مُسْلِم , قَالَ : ثنا أَبُو عَمْرو , قَالَ : ثني شَدَّاد أَبُو عَمَّار قَالَ
: سَمِعْت وَاثِلَة بْن الْأَسْقَع يُحَدِّث , قَالَ : سَأَلْت عَنْ عَلِيّ بْن
أَبِي طَالِب فِي مَنْزِله , فَقَالَتْ فَاطِمَة : قَدْ ذَهَبَ يَأْتِي
بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذْ جَاءَ , فَدَخَلَ
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَخَلْت , فَجَلَسَ رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْفِرَاش وَأَجْلَسَ فَاطِمَةَ
عَنْ يَمِينه , وَعَلِيًّا عَنْ يَسَاره وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا بَيْن يَدَيْهِ ,
فَلَفَعَ عَلَيْهِمْ بِثَوْبِهِ وَقَالَ : وَ { إِنَّمَا يُرِيد اللَّه
لِيُذْهِب عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا }
اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي , اللَّهُمَّ أَهْلِي أَحَقُّ " . قَالَ
وَاثِلَة : فَقُلْت مِنْ نَاحِيَة الْبَيْت : وَأَنَا يَا رَسُولَ اللَّه مِنْ
أَهْلِك ؟ قَالَ : " وَأَنْتَ مِنْ أَهْلِي " , قَالَ وَاثِلَة :
إِنَّهَا لَمِنْ أَرْجَى مَا أَرْتَجِي . * حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْب , قَالَ :
ثنا وَكِيع , عَنْ عَبْد الْحَمِيد بْن بَهْرَامَ , عَنْ شَهْر بْن حَوْشَب ,
عَنْ فُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ عَطِيَّةَ , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ ,
عَنْ أُمّ سَلَمَةَ , قَالَتْ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { إِنَّمَا
يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ
تَطْهِيرًا } دَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا
وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا , فَجَلَّلَ عَلَيْهِمْ كِسَاءَ خَيْبَرِيًّا
, فَقَالَ : " اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْل بَيْتِي , اللَّهُمَّ أَذْهِبْ
عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا " قَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ : أَلَسْت
مِنْهُمْ ؟ قَالَ : أَنْتَ إِلَى خَيْر . 21733 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب ,
قَالَ : ثنا مُصْعَب بْن الْمِقْدَام , قَالَ : ثنا سَعِيد بْن زَرْبِيّ , عَنْ
مُحَمَّد بْن سِيرِينَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ أُمّ سَلَمَةَ , قَالَتْ :
جَاءَتْ فَاطِمَة إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بِبُرْمَةٍ لَهَا قَدْ صَنَعَتْ فِيهَا عَصِيدَةً تَحِلّهَا عَلَى طَبَق ,
فَوَضَعَتْهُ بَيْن يَدَيْهِ , فَقَالَ : " وَأَيْنَ ابْن عَمّك وَابْنَاك
؟ " فَقَالَتْ : فِي الْبَيْت , فَقَالَ : " ادْعِيهِمْ " ,
فَجَاءَتْ إِلَى عَلِيّ , فَقَالَتْ : أَجِبْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَنْتَ وَابْنَاك. قَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ : فَلَمَّا رَآهُمْ
مُقْبِلِينَ مَدّ يَدَهُ إِلَى كِسَاء كَانَ عَلَى الْمَنَامَة فَمَدَّهُ
وَبَسَطَهُ وَأَجْلَسَهُمْ عَلَيْهِ , ثُمَّ أَخَذَ بِأَطْرَافِ الْكِسَاء
الْأَرْبَعَة بِشِمَالِهِ , فَضَمَّهُ فَوْقَ رُءُوسهمْ وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ
الْيُمْنَى إِلَى رَبّه , فَقَالَ : " هَؤُلَاءِ أَهْل الْبَيْت ,
فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا " . 21734
-حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا حَسَن بْن عَطِيَّة , قَالَ : ثنا
فُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ عَطِيَّة , عَنْ أَبِي سَعِيد عَنْ أُمّ سَلَمَةَ
زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة
نَزَلَتْ فِي بَيْتهَا { إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمُ الرِّجْسَ
أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } قَالَتْ : وَأَنَا جَالِسَة عَلَى
بَاب الْبَيْت , فَقُلْت : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّه أَلَسْت مِنْ أَهْل
الْبَيْت ؟ قَالَ : " إِنَّك إِلَى خَيْر , أَنْتِ مِنْ أَزْوَاج النَّبِيّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَالَتْ : وَفِي الْبَيْت رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيّ وَفَاطِمَة وَالْحَسَن
وَالْحُسَيْن رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . 21735 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب ,
قَالَ : ثنا خَالِد بْن مَخْلَد , قَالَ : ثنا مُوسَى بْن يَعْقُوب , قَالَ : ثني
هَاشِم بْن هَاشِم بْن عُتْبَة بْن أَبِي وَقَّاص , عَنْ عَبْد اللَّه بْن وَهْب
بْن زَمْعَةَ , قَالَ : أَخْبَرَتْنِي أُمّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ عَلِيًّا وَالْحَسَنَيْنِ , ثُمَّ
أَدْخَلَهُمْ تَحْتَ ثَوْبه , ثُمَّ جَأَرَ إِلَى اللَّه , ثُمَّ قَالَ : "
هَؤُلَاءِ أَهْل بَيْتِي " , فَقَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ : يَا رَسُولَ اللَّه
أَدْخِلْنِي مَعَهُمْ , قَالَ : " إِنَّك مِنْ أَهْلِي " . 21736 -
حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن مُحَمَّد الطُّوسِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن
صَالِح , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان الْأَصْبَهَانِيّ , عَنْ يَحْيَى
بْن عُبَيْد الْمَكِّيّ , عَنْ عَطَاء , عَنْ عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة , قَالَ :
نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَهُوَ فِي بَيْت أُمّ سَلَمَةَ { إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمُ
الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } فَدَعَا حَسَنًا
وَحُسَيْنًا وَفَاطِمَة , فَأَجْلَسَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ , وَدَعَا عَلِيًّا
فَأَجْلَسَهُ خَلْفَهُ , فَتَجَلَّلَ هُوَ وَهُمْ بِالْكِسَاءِ ثُمَّ قَالَ :
وَهَؤُلَاءِ أَهْل بَيْتِي , فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ
تَطْهِيرًا " - قَالَتْ أُمّ سَلَمَة : أَنَا مَعَهُمْ مَكَانَك وَأَنْتِ
عَلَى خَيْر . 21737 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة , قَالَ : ثنا
إِسْمَاعِيل بْن أَبَانَ , قَالَ : ثنا الصَّبَّاح بْن يَحْيَى الْمُرِّيّ ,
عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي الدَّيْلَم , قَالَ : قَالَ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن
لِرَجُلٍ مِنْ أَهْل الشَّام : أَمَا قَرَأْت فِي الْأَحْزَاب : { إِنَّمَا
يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ
تَطْهِيرًا } قَالَ : وَلَأَنْتُمْ هُمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ . 21738 - حَدَّثَنَا
ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر الْحَنَفِيّ , قَالَ : ثنا بُكَيْر
بْن مِسْمَار , قَالَ : سَمِعْت عَامِر بْن سَعْد , قَالَ : قَالَ سَعْد : قَالَ
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْي
, فَأَخَذَ عَلِيًّا وَابْنَيْهِ وَفَاطِمَةَ , وَأَدْخَلَهُمْ تَحْتَ ثَوْبه ,
ثُمَّ قَالَ : " رَبِّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي وَأَهْل بَيْتِي " . 21739 -
حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْقُدُّوس ,
عَنِ الْأَعْمَش , عَنْ حَكِيم بْن سَعْد , قَالَ : ذَكَرْنَا عَلِيّ بْنَ أَبِي
طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عِنْدَ أُمّ سَلَمَةَ قَالَتْ : فِيهِ نَزَلَتْ : {
إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } قَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ : جَاءَ النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَيْتِي , فَقَالَ : " لَا تَأْذَنِي
لِأَحَدٍ " , فَجَاءَتْ فَاطِمَة , فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَحْجُبهَا عَنْ
أَبِيهَا , ثُمَّ جَاءَ الْحَسَن , فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَمْنَعَهُ أَنْ
يَدْخُل عَلَى جَدّه وَأُمّه , وَجَاءَ الْحُسَيْن , فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ
أَحْجُبهُ , فَاجْتَمَعُوا حَوْلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
عَلَى بِسَاط , فَجَلَّلَهُمْ نَبِيّ اللَّه بِكِسَاءٍ كَانَ عَلَيْهِ , ثُمَّ
قَالَ : " هَؤُلَاءِ أَهْل بَيْتِي , فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ
وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة حِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى
الْبِسَاط ; قَالَتْ : فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّه : وَأَنَا , قَالَتْ :
فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ وَقَالَ : " إِنَّك إِلَى خَيْر " . وَقَالَ
آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ أَزْوَاجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21740 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ
: ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا الْأَصْبَغُ , عَنْ عَلْقَمَةَ , قَالَ
: كَانَ عِكْرِمَة يُنَادِي فِي السُّوق : { إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِبَ
عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } قَالَ :
نَزَلَتْ فِي نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّة
.وَقَوْله : { وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ } يَقُول : وَأَقِمْنَ
الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ , وَآتِينَ الزَّكَاةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْكُنَّ فِي
أَمْوَالكُنَّ { وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } فِيمَا أَمَرَاكُنَّ
وَنَهَيَاكُنَّ { إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ
الْبَيْت } يَقُول : إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمْ السُّوءَ
وَالْفَحْشَاءَ يَا أَهْلَ بَيْت مُحَمَّد , وَيُطَهِّرَكُمْ مِنْ الدَّنَس
الَّذِي يَكُون فِي أَهْل مَعَاصِي اللَّه تَطْهِيرًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي
قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21725
- بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله :
{ إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } فَهُمْ أَهْل بَيْت طَهَّرَهُمْ اللَّه مِنْ
السُّوء , وَخَصَّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ . 21726 -حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ :
أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّمَا
يُرِيد اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ
تَطْهِيرًا } قَالَ : الرِّجْس هَا هُنَا : الشَّيْطَان , وَسِوَى ذَلِكَ مِنْ
الرِّجْس : الشِّرْك. اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّذِينَ عَنَوْا
بِقَوْلِهِ { أَهْلَ الْبَيْت } فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهِ رَسُول اللَّه
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيّ وَفَاطِمَة وَالْحَسَن وَالْحُسَيْن
رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21727 - حَدَّثَنِي
مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا بَكْر بْن يَحْيَى بْن زَبَّانَ
الْعَنَزِيّ , قَالَ : ثنا مَنْدَل , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَطِيَّة , عَنْ أَبِي
سَعِيد الْخُدْرِيّ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : " نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي خَمْسَة : فِيَّ , وَفِي عَلِيّ
, وَحَسَن , وَحُسَيْن رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَفَاطِمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا
" { إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } . 21728 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا
مُحَمَّد بْن بِشْر , عَنْ زَكَرِيَّا , عَنْ مُصْعَب بْن شَيْبَة , عَنْ
صَفِيَّة بِنْت شَيْبَةَ قَالَتْ : قَالَتْ عَائِشَة : خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات غَدَاة , وَعَلَيْهِ مِرْط مُرَجَّل مِنْ شَعْر
أَسْوَد , فَجَاءَ الْحَسَن , فَأَدْخَلَهُ مَعَهُ , ثُمَّ قَالَ : { إِنَّمَا
يُرِيد اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ
تَطْهِيرًا } . 21729 -حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن بَكْر
, عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد , عَنْ أَنَس أَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمُرّ بِبَيْتِ فَاطِمَةَ
سِتَّة أَشْهَر , كُلَّمَا خَرَجَ إِلَى الصَّلَاة فَيَقُول : " الصَّلَاة
أَهْل الْبَيْت " { إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمُ الرِّجْسَ
أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } . 21730 -حَدَّثَنِي مُوسَى بْن
عَبْد الرَّحْمَن الْمَسْرُوقِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن إِبْرَاهِيم بْن
سُوَيْد النَّخَعِيّ , عَنْ هِلَال , يَعْنِي ابْن مِقْلَاص , عَنْ زُبَيْد ,
عَنْ شَهْر بْن حَوْشَب , عَنْ أُمّ سَلَمَة , قَالَتْ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدِي , وَعَلِيّ وَفَاطِمَة وَالْحَسَن
وَالْحُسَيْن , فَجَعَلْت لَهُمْ خَزِيرَة , فَأَكَلُوا وَنَامُوا , وَغَطَّى
عَلَيْهِمْ عَبَاءَة أَوْ قَطِيفَة , ثُمَّ قَالَ : " اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ
أَهْل بَيْتِي , أَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْس وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا " .
21731 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : ثنا
يُونُس بْن أَبِي إِسْحَاق , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو دَاوُدَ , عَنْ أَبِي
الْحَمْرَاء , قَالَ : رَابَطْت الْمَدِينَة سَبْعَة أَشْهُر عَلَى عَهْد
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : رَأَيْت النَّبِيَّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْر , جَاءَ إِلَى بَاب
عَلِيّ وَفَاطِمَةَ فَقَالَ : " الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ " { إِنَّمَا
يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ
تَطْهِيرًا } . * حَدَّثَنِي عَبْد الْأَعْلَى بْن وَاصِل , قَالَ : ثنا الْفَضْل
بْن دُكَيْن , قَالَ : ثنا يُونُس بْن أَبِي إِسْحَاق , بِإِسْنَادِهِ عَنِ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِثْله . 21732 - حَدَّثَنِي
عَبْد الْأَعْلَى بْن وَاصِل , قَالَ : ثنا الْفَضْل بْن دُكَيْن , قَالَ : ثنا
عَبْد السَّلَام بْن حَرْب , عَنْ كُلْثُوم الْمُحَارِبِيّ , عَنْ أَبِي عَمَّار
, قَالَ : إِنِّي لَجَالِس عِنْدَ وَاثِلَة بْن الْأَسْقَع إِذْ ذَكَرُوا
عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , فَشَتَمُوهُ ; فَلَمَّا قَامُوا , قَالَ :
اجْلِسْ حَتَّى أُخْبِرَك عَنْ هَذَا الَّذِي شَتَمُوا , إِنِّي عِنْدَ رَسُول اللَّه
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذْ جَاءَهُ عَلِيّ وَفَاطِمَة وَحَسَن
وَحُسَيْن , فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ كِسَاء لَهُ , ثُمَّ قَالَ : "
اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْل بَيْتِي , اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْس
وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا " . قُلْت : يَا رَسُول اللَّه وَأَنَا ؟ قَالَ :
" وَأَنْتَ " ; قَالَ : فَوَاللَّهِ إِنَّهَا لَأَوْثَقُ عَمَلِي
عِنْدِي . * حَدَّثَنِي عَبْد الْكَرِيم بْن أَبِي عُمَيْر , قَالَ : ثنا
الْوَلِيد بْن مُسْلِم , قَالَ : ثنا أَبُو عَمْرو , قَالَ : ثني شَدَّاد أَبُو
عَمَّار قَالَ : سَمِعْت وَاثِلَة بْن الْأَسْقَع يُحَدِّث , قَالَ : سَأَلْت
عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب فِي مَنْزِله , فَقَالَتْ فَاطِمَة : قَدْ ذَهَبَ
يَأْتِي بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذْ جَاءَ ,
فَدَخَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَخَلْت , فَجَلَسَ
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْفِرَاش وَأَجْلَسَ
فَاطِمَةَ عَنْ يَمِينه , وَعَلِيًّا عَنْ يَسَاره وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا بَيْن
يَدَيْهِ , فَلَفَعَ عَلَيْهِمْ بِثَوْبِهِ وَقَالَ : وَ { إِنَّمَا يُرِيد
اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ
تَطْهِيرًا } اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي , اللَّهُمَّ أَهْلِي أَحَقُّ "
. قَالَ وَاثِلَة : فَقُلْت مِنْ نَاحِيَة الْبَيْت : وَأَنَا يَا رَسُولَ
اللَّه مِنْ أَهْلِك ؟ قَالَ : " وَأَنْتَ مِنْ أَهْلِي " , قَالَ
وَاثِلَة : إِنَّهَا لَمِنْ أَرْجَى مَا أَرْتَجِي . * حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْب
, قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ عَبْد الْحَمِيد بْن بَهْرَامَ , عَنْ شَهْر بْن
حَوْشَب , عَنْ فُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ عَطِيَّةَ , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ
, عَنْ أُمّ سَلَمَةَ , قَالَتْ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { إِنَّمَا
يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ
تَطْهِيرًا } دَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا
وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا , فَجَلَّلَ عَلَيْهِمْ كِسَاءَ خَيْبَرِيًّا
, فَقَالَ : " اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْل بَيْتِي , اللَّهُمَّ أَذْهِبْ
عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا " قَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ :
أَلَسْت مِنْهُمْ ؟ قَالَ : أَنْتَ إِلَى خَيْر . 21733 - حَدَّثَنَا أَبُو
كُرَيْب , قَالَ : ثنا مُصْعَب بْن الْمِقْدَام , قَالَ : ثنا سَعِيد بْن
زَرْبِيّ , عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ أُمّ
سَلَمَةَ , قَالَتْ : جَاءَتْ فَاطِمَة إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبُرْمَةٍ لَهَا قَدْ صَنَعَتْ فِيهَا عَصِيدَةً تَحِلّهَا
عَلَى طَبَق , فَوَضَعَتْهُ بَيْن يَدَيْهِ , فَقَالَ : " وَأَيْنَ ابْن
عَمّك وَابْنَاك ؟ " فَقَالَتْ : فِي الْبَيْت , فَقَالَ : "
ادْعِيهِمْ " , فَجَاءَتْ إِلَى عَلِيّ , فَقَالَتْ : أَجِبْ النَّبِيَّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْتَ وَابْنَاك. قَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ :
فَلَمَّا رَآهُمْ مُقْبِلِينَ مَدّ يَدَهُ إِلَى كِسَاء كَانَ عَلَى الْمَنَامَة
فَمَدَّهُ وَبَسَطَهُ وَأَجْلَسَهُمْ عَلَيْهِ , ثُمَّ أَخَذَ بِأَطْرَافِ
الْكِسَاء الْأَرْبَعَة بِشِمَالِهِ , فَضَمَّهُ فَوْقَ رُءُوسهمْ وَأَوْمَأَ
بِيَدِهِ الْيُمْنَى إِلَى رَبّه , فَقَالَ : " هَؤُلَاءِ أَهْل الْبَيْت ,
فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا " . 21734
-حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا حَسَن بْن عَطِيَّة , قَالَ : ثنا
فُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ عَطِيَّة , عَنْ أَبِي سَعِيد عَنْ أُمّ سَلَمَةَ
زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة
نَزَلَتْ فِي بَيْتهَا { إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمُ الرِّجْسَ
أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } قَالَتْ : وَأَنَا جَالِسَة عَلَى
بَاب الْبَيْت , فَقُلْت : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّه أَلَسْت مِنْ أَهْل
الْبَيْت ؟ قَالَ : " إِنَّك إِلَى خَيْر , أَنْتِ مِنْ أَزْوَاج النَّبِيّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَالَتْ : وَفِي الْبَيْت رَسُول
اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيّ وَفَاطِمَة وَالْحَسَن
وَالْحُسَيْن رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . 21735 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب ,
قَالَ : ثنا خَالِد بْن مَخْلَد , قَالَ : ثنا مُوسَى بْن يَعْقُوب , قَالَ :
ثني هَاشِم بْن هَاشِم بْن عُتْبَة بْن أَبِي وَقَّاص , عَنْ عَبْد اللَّه بْن
وَهْب بْن زَمْعَةَ , قَالَ : أَخْبَرَتْنِي أُمّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ عَلِيًّا وَالْحَسَنَيْنِ , ثُمَّ
أَدْخَلَهُمْ تَحْتَ ثَوْبه , ثُمَّ جَأَرَ إِلَى اللَّه , ثُمَّ قَالَ : "
هَؤُلَاءِ أَهْل بَيْتِي " , فَقَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ : يَا رَسُولَ اللَّه
أَدْخِلْنِي مَعَهُمْ , قَالَ : " إِنَّك مِنْ أَهْلِي " . 21736 -
حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن مُحَمَّد الطُّوسِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن
صَالِح , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان الْأَصْبَهَانِيّ , عَنْ يَحْيَى
بْن عُبَيْد الْمَكِّيّ , عَنْ عَطَاء , عَنْ عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة , قَالَ :
نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَهُوَ فِي بَيْت أُمّ سَلَمَةَ { إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمُ
الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } فَدَعَا حَسَنًا
وَحُسَيْنًا وَفَاطِمَة , فَأَجْلَسَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ , وَدَعَا عَلِيًّا
فَأَجْلَسَهُ خَلْفَهُ , فَتَجَلَّلَ هُوَ وَهُمْ بِالْكِسَاءِ ثُمَّ قَالَ :
وَهَؤُلَاءِ أَهْل بَيْتِي , فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ
تَطْهِيرًا " - قَالَتْ أُمّ سَلَمَة : أَنَا مَعَهُمْ مَكَانَك وَأَنْتِ
عَلَى خَيْر . 21737 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة , قَالَ : ثنا
إِسْمَاعِيل بْن أَبَانَ , قَالَ : ثنا الصَّبَّاح بْن يَحْيَى الْمُرِّيّ ,
عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي الدَّيْلَم , قَالَ : قَالَ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن
لِرَجُلٍ مِنْ أَهْل الشَّام : أَمَا قَرَأْت فِي الْأَحْزَاب : { إِنَّمَا
يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ
تَطْهِيرًا } قَالَ : وَلَأَنْتُمْ هُمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ . 21738 - حَدَّثَنَا
ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر الْحَنَفِيّ , قَالَ : ثنا بُكَيْر
بْن مِسْمَار , قَالَ : سَمِعْت عَامِر بْن سَعْد , قَالَ : قَالَ سَعْد : قَالَ
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْي
, فَأَخَذَ عَلِيًّا وَابْنَيْهِ وَفَاطِمَةَ , وَأَدْخَلَهُمْ تَحْتَ ثَوْبه ,
ثُمَّ قَالَ : " رَبِّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي وَأَهْل بَيْتِي " . 21739 -
حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْقُدُّوس ,
عَنِ الْأَعْمَش , عَنْ حَكِيم بْن سَعْد , قَالَ : ذَكَرْنَا عَلِيّ بْنَ أَبِي
طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عِنْدَ أُمّ سَلَمَةَ قَالَتْ : فِيهِ نَزَلَتْ : {
إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } قَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ : جَاءَ النَّبِيّ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَيْتِي , فَقَالَ : " لَا تَأْذَنِي
لِأَحَدٍ " , فَجَاءَتْ فَاطِمَة , فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَحْجُبهَا عَنْ
أَبِيهَا , ثُمَّ جَاءَ الْحَسَن , فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَمْنَعَهُ أَنْ
يَدْخُل عَلَى جَدّه وَأُمّه , وَجَاءَ الْحُسَيْن , فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ
أَحْجُبهُ , فَاجْتَمَعُوا حَوْلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
عَلَى بِسَاط , فَجَلَّلَهُمْ نَبِيّ اللَّه بِكِسَاءٍ كَانَ عَلَيْهِ , ثُمَّ
قَالَ : " هَؤُلَاءِ أَهْل بَيْتِي , فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ
وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة حِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى
الْبِسَاط ; قَالَتْ : فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّه : وَأَنَا , قَالَتْ :
فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ وَقَالَ : " إِنَّك إِلَى خَيْر " . وَقَالَ
آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ أَزْوَاجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21740 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ
: ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا الْأَصْبَغُ , عَنْ عَلْقَمَةَ , قَالَ
: كَانَ عِكْرِمَة يُنَادِي فِي السُّوق : { إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِبَ
عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } قَالَ :
نَزَلَتْ فِي نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّة .' |
|
قوله تعالى: { وقرن في بيوتكن ولا
تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وقرن في
بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} "وقرن" قرأ الجمهور
"وقرن" بكسر القاف. وقرأ عاصم ونافع بفتحها. فأما القراءة الأولى
فتحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون من الوقار، تقول : وقر يقر وقارا أي سكن، والأمر
قر، وللنساء قرن، مثل عدن وزن. والوجه الثاني : وهو قول المبرد، أن يكون من
القرار، تقول : قررت بالمكان (بفتح الراء) أقر، والأصل أقررن، بكسر الراء، فحذفت
الراء الأولى تخفيفا، كما قالوا في ظللت : ظللت، ومسست : مست، ونقلوا حركتها إلى
القاف، واستغنى عن ألف الوصل لتحرك القاف. قال أبو علي : بل على إن أبدلت الراء
ياء كراهة التضعيف، كما أبدلت في قيراط ودينار، ويصير للياء حركة الحرف المبدل
منه، فالتقدير : إقيرن، ثم تلقى حركة الياء على القاف كراهة تحرك الياء بالكسر،
فتسقط الياء لاجتماع الساكنين، وتسقط همزة الوصل لتحرك ما بعدها فيصير
"قرن". وأما قراءة أهل المدينة وعاصم، فعلى لغة العرب : قررت في
المكان إذا أقمت فيه (بكسر الراء) أقر (بفتح القاف)، من باب حمد يحمد، وهي لغة
أهل الحجاز ذكرها أبو عبيد في "الغريب المصنف" عن الكسائي، وهو من أجل
مشايخه، وذكرها الزجاج وغيره، والأصل "اقررن" حذفت الراء الأولى لثقل
التضعيف، وألقيت حركتها على القاف فتقول : قرن. قال الفراء : هو كما تقول : أحست
صاحبك، أي هل أحسست. وقال أبو عثمان المازني : قررت به عينا (بالكسر لا غير)، من
قرة العين. ولا يجوز قررت في المكان (بالكسر) وإنما هو قررت (بفتح الراء)، وما
أنكره من هذا لا يقدح في القراءة إذا ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيستدل
بما ثبت عنه من القراءة على صحة اللغة. وذهب أبو حاتم أيضا أن "قرن"
لا مذهب له في كلام العرب. قال النحاس : وأما قول أبي حاتم: لا مذهب له فقد خولف
فيه، وفيه مذهبان : أحدهما ما حكاه الكسائي، والآخر ما سمعت علي بن سليمان يقول،
قال : وهو من قررت به عينا أقر، والمعنى : وأقررن به عينا في بيوتكن. وهو وجه
حسن، إلا أن الحديث يدل على أنه من الأول. كما روي أن عمارا قال لعائشة رضي الله
عنها : إن الله قد أمرك أن تقري في منزلك، فقالت : يا أبا اليقظان، ما زلت قوالا
بالحق! فقال : الحمد لله الذي جعلني كذلك على لسانك. وقرأ ابن أبي عبلة
"وأقررن" بألف وصل وراءين، الأولى مكسورة. الثانية: معنى هذه الآية
الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم فقد دخل
غيرهن فيه بالمعنى. هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء، كيف والشريعة طافحة
بلزوم النساء بيوتهن، والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة، على ما تقدم في غير
موضع. فأمر الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه وسلم بملازمة بيوتهن، وخاطبهن
بذلك تشريفا لهن، ونهاهن عن التبرج، وأعلم أنه فعل الجاهلية الأولى فقال: { ولا
تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} . وقد تقدم معنى التبرج في "النور".
وحقيقته إظهار ما ستره أحسن، وهو مأخوذ من السعة، يقال : في أسنانه برج إذا كانت
متفرقة، قاله المبرد. واختلف الناس في { الجاهلية الأولى} فقيل : هي الزمن الذي
ولد فيه إبراهيم عليه السلام، كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ، فتمشي وسط
الطريق تعرض نفسها على الرجال. وقال الحكم بن عيينة : ما بين آدم ونوح، وهي
ثمانمائة سنة، وحكيت لهم سير ذميمة. وقال ابن عباس : ما بين نوح وإدريس. الكلبي
: ما بين نوج وإبراهيم. قيل : إن المرأة كانت تلبس الدرع من اللؤلؤ غير مخيط
الجانبين، وتلبس الثياب الرقاق ولا تواري بدنها. وقالت فرقة : ما بين موسى
وعيسى. الشعبي : ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم أبو العالية : هي زمان
داود وسليمان، كان فيه للمرأة قميصي من الدر غير مخيط الجانبين. وقال أبو العباس
المبرد : والجاهلية الأولى كما تقول الجاهلية الجهلاء، قال : وكان النساء في
الجاهلية الجهلاء يظهرن ما يقبح إظهاره، حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخلها،
فينفرد خلها بما فوق الإزار إلى الأعلى، وينفرد زوجها بما دون الإزار إلى
الأسفل، وبما سأل أحدهما صاحبه البدل. وقال مجاهد : كان النساء يتمشين بين
الرجال، فذلك التبرج. قال ابن عطية : والذي يظهر عندي أنه أشار للجاهلية التي
لحقنها، فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة،
لأنهم كانوا لا غيرة كان أمر النساء دون حجاب، وجعلها أولى بالنسبة إلى ما كان
عليه، وليس المعنى أن ثم جاهلية أخرى وقد أوقع اسم الجاهلية على تلك المدة التي
قبل الإسلام، فقالوا : جاهلي في الشعراء وقال ابن عباس في البخاري : سمعت أبي في
الجاهلية يقول، إلى غير هذا قلت : وهذا قول حسن. ويعترض بأن العرب كانت أهل قشف
وضنك في الغالب، وأن التنعم وإظهار الزينة إنما جرى في الأزمان السابقة، وهي
المراد بالجاهلية الأولى، وأن المقصود من الآية مخالفة من قبلهن من المشية على
تغنيج وتكسير وإظهار المحاسن للرجال، إلى غير ذلك مما لا يجوز شرعا. وذلك يشمل
الأقوال كلها ويعمها فيلزمن البيوت، فإن مست الحاجة إلى الخروج فليكن على تبذل
وتستر تام. والله الموفق. الثالثة: ذكر الثعلبي وغيره : أن عائشة رضي الله عنها
كانت إذا قرأت هذه الآية تبكي حتى تبل خمارها. وذكر أن سودة قيل لها : لم لا
تحجين ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك؟ فقالت : قد حججت واعتمرت، وأمرني الله أن أقر
في بيتي. قال الراوي : فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت جنازتها. رضوان
الله عليها قال ابن العربي : لقد دخلت نيفا على ألف قرية فما رأيت نساء أصون
عيالا ولا أعف نساء من نساء نابلس، التي رمي بها الخليل صلى الله عليه وسلم
النار، فإني أقمت فيها فما رأيت امرأة في طريق نهارا إلا يوم الجمعة فإنهن يخرجن
إليها حتى يمتلئ المسجد منهن، فإذا قضيت الصلاة وانقلبن إلى منازلهن لم تقع عيني
على واحدة منهن إلى الجمعة الأخرى. وقد رأيت بالمسجد الأقصى عفائف ما خرجن
معتكفهن حتى استشهدن فيه. الرابعة: قال ابن عطية : بكاء عائشة رضي الله عنها
إنما كان بسبب سفرها أيام الجمل، وحينئذ قال لها عمار : إن الله قد أمرك أن تقري
في بيتك. قال ابن العربي : تعلق الرافضة لعنهم الله - بهذه الآية على أم
المؤمنين عائشة رضي الله عنها إذ قالوا : إنها خالفت أمر رسول الله صلى الله
عليه وسلم حين خرجت تقود الجيوش، وتباشر الحروب، وتقتحم مأزق الطعن والضرب فيما
لم يفرض، عليها ولا يجوز لها. قالوا : ولقد حصر عثمان، فلما رأت ذلك أمرت
برواحلها فقربت لتخرج إلى مكة، فقال لها مروان : أقيمي هنا يا أم المؤمنين، وردي
هؤلاء الرعاع، فإن الإصلاح بين الناس خير من حجك. قال ابن العربي قال علماؤنا
رحمة الله عليهم : إن عائشة رضي الله عنها نذرت عنها، نذرت الحج قبل الفتنة، فلم
تر التخلف عن نذرها، ولو خرجت في تلك الثائرة لكان ذلك صوابا لها. وأما خروجها
إلى حرب الجمل فما خرجت لحرب، ولكن تعلق الناس بها، وشكوا إليها ما صاروا إليه من
عظيم الفتنة وتهارج الناس، ورجوا بركتها، وطمعوا في الاستحياء منها إذا وقفت إلى
الخلق، وظنت هي ذلك فخرجت مقتدية بالله في قوله: { لا خير في كثير من نجواهم إلا
من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس} النساء : 114]، وقوله: { وإن طائفتان
من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} الحجرات : 9] والأمر بالإصلاح مخاطب به
جميع الناس من ذكر وأنثى؛ حر أو عبد فلم يرد الله تعالى بسابق قضائه ونافذ حكمه
أن يقع إصلاح، ولكن جرت مه لطاعنات وجراحات حتى كاد يفني الفريقان، فعمد بعضهم
إلى الجمل فعرقبه، فلما سقط الجمل لجنبه أدرك محمد بن أبي بكر عائشة رضى الله
تعالى عنها، فاحتملها إلى البصرة، وخرجت في ثلاثين امرأة، قرنهن علي بها حتى
أوصلوها إلى المدينة برة تقية مجتهدة، مصيبة مثابة فيما تأولت، مأجورة فيما
فعلت، إذ كل مجتهد في الأحكام مصيب. وقد تقدم في "النحل" اسم هذا
الجمل، وبه يعرف ذلك اليوم. قوله تعالى: { وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله
ورسوله} أي فيما أمر ونهى { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم
تطهيرا} قال الزجاج : قيل يراد به نساء النبي صلى الله عليه وسلم وقيل : يراد به
نساؤه وأهله الذين هم أهل بيته، على ما يأتي بيانه بعد و"أهل البيت"
نصب على المدح قال : وإن شئت على البدل. قال : ويجوز الرفع والخفض. قال النحاس :
إن خفض على أنه بدل من الكاف والميم لم يجز عند أبي العباس محمد بن يزيد، قال لا
يبدل من المخاطبة ولا من المخاطب، لأنهما لا يحتاجان إلى تبيين. { ويطهركم تطهيرا}
مصدر فيه معنى التوكيد. |